آخر تحديث: السبت 13 أغسطس 2022
عكام


خطبة الجمعة

   
موانع الوصول إلى الحق

موانع الوصول إلى الحق

تاريخ الإضافة: 2008/07/25 | عدد المشاهدات: 3260

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

عندما تحضر مؤتمراً أو ندوة أو ما شابهه، فإنك تُعلن بدايةً أنك تريد الحق، عندما تناقش إنساناً ما في قضية ما تُعلن أنك تبتغي الحق من وراء هذه المناقشة، عندما تُخاصم أحداً من الناس تعلن بأنك تبغي وتروم الحق، بعبارة موجزة كلنا يريد الحق - هكذا ندّعي - في أي أمر نناقشه نتحدث فيه نبدي فيه رأينا، كلنا يدَّعي أنه يريد الحق، لكن أنت أيها المسلم بشكل خاص حينما تذهب لمناقشة أو محاورة، أو لمؤتمر أو ندوة وتقول أنك تريد الحق فهل أنت صادق في طلبك الحق إذ تاتي إلى المسجد أو تذهب إلى المدرسة أو الجامعة أو المؤتمر... أقول هذا لكل أفراد وقطاعات المجتمع، للسياسيين فالسياسيون يجتمعون ويقولون نريد الحق في القضية الفلانية، والاقتصاديون يجتمعون ويقولون نريد الحق في قضيتنا التي نبحثها، والاجتماعيون كذلك والمثقفون كذلك وكل الناس حتى العوام فإنهم حينما يتحاورون أو يتناقشون في بيوتاتهم أو محالهم أو في متاجرهم أو في أحيائهم أو أي مكان يكونون فيه فإنهم يقولون إنهم يريدون الحق، والسؤال الذي أريد أن أطرحه: هل أنت صادق في طلبك الحق وهل رفعت من نفسك موانع قبول الحق، أنت تدَّعي أنك تريد الحق لكنك لم تُزل الموانع التي تمنعك من أن تصلَ إلى الحق، فما هي موانع الحق التي تمنع السياسي والمثقف والاجتماعي والاقتصادي من الوصول إلى الحق ؟ علينا أن نتعرف عليها من أجل أن نزيل هذه الموانع حتى يكون فعلنا جاداً ومخلصاً وصادقاً في طلبنا للحق هنا أو هناك.

موانع قبول الحق بعد إحصائها أربعة موانع:

المانع الأول: اتباع الهوى، ﴿ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله﴾ أنت أمام مسارين إما أن تستسلم للحق حينما يلوح لك وإما أن تعرض عن الحق وقد لاح لك لأنك عبدت هواك:

عدت لأهوائك عبداً وكم            تستعبد الأهواء أربابها

تجلى لك الحق أبلج لكنك عدلت عنه لكنه لا يناسب المنفعة التي ترومها وتريدها، ولقد قال في هذا الشأن سيدنا الإمام علي رضي الله عنه وأرضاه: "آثر الصدق حيث يضرك على الكذب حيث ينفعك". واسمع قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في مسند الإمام أحمد: (من أحب دنياه أضر بآخرته ومن أحب آخرته أضر بدنياه فآثروا ما يبقى على ما يفنى).  الحق يبقى والهوى يفنى الآخرة تبقى والدنيا تفنى طلب الحق يبقى وطلب الباطل يفنى ويُفني الذي يبتغي الباطل.

يجب علينا أن نرفع شعار الحق وأن يكون هذا الشعار صادقاً وأن نكون مع هذا الشعار صادقين وإلا فالقضية تزداد سوءاً، وها نحن نرى السياسيين والاقتصاديين والاجتماعيين والمثقفين يبتعدون شيئاً فشيئاً عن سلم الحضارة والتقدم نتيجة ادّعائهم الحق ونتيجة سلوكهم الطريق التي لا توصل إلى الحق ونتيجة وجود موانع الحق قائمة فيهم قياماً قوياً.

المانع الثاني: الجهل، ﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير﴾ إذا كنت جاهلاً في قضية ما وتريد أن تحاور فيها فهذا أكبر الموانع من أجل أن تصل إلى الحق ولاحظوا من يحاور ومن يناقش فإنكم سترون أن أغلب المتحاورين وأغلب المتناقشين وأغلب المجادلين وأغلب المنتدين بينهم وبين الموضوع الذي يناقشونه الجهل، والجهل مانع من موانع قبول الحق فإيانا وإياكم من الجهل وإيانا وإياكم من أن نناقش أمراً نجهله وإيانا وإياكم من أن نتكلم في أمر لا نعرف عنه كلنا يتكلم في قضية السياسة من غير امتلاك المعرفة الكافية في الموضوع الذي يتحدث عنه كلنا يتحدث عن الصوفية ويتهمها ولكنه لا يعرف شيئاً عن الصوفية ويقول وهو يتحدث عن الصوفية على سبيل المثال أنه يبتغي الحق ويريد الوصول إلى الحق. كيف تريد الوصول إلى الحق وأنت تجهل الموضوع الذي تريد إصابة الحق فيه ؟ هذا يتحدث عن السلفية ولا يعرف عنها شيئاً وذاك يتحدث عن الصوفية ولا يعرف عنها شيئاً وآخر يتحدث عن السياسة في فلسطين ولا يعرف عنها شيئاً وآخر يتحدث عن أوضاع المسلمين في المكان الفلاني ولا يعرف عنه شيئاً، وهكذا دواليك... الجهل مُستحكِم فينا وفي كلامنا وفي نقاشاتنا وبالتالي نقول نحن نريد الوصول إلى الحق، ألا بئس هذا الادّعاء، لأن القضية واضحة في أن طلبك الحق لا يعدو أن يكون ادعاء لا أكثر ولا أقل لا يمت إلى الواقع وحقيقة الوصول إلى الحق بصلة.

المانع الثالث: الاستكبار والعناد، عجباً لأمر الناس يعاندون، يلوح لهم الحق يستكبرون ﴿إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾ عجباً لأمر الناس الله عز وجل يصرِّف لهم في القرآن من كل مثل ولكن يأبى أكثر الناس إلا كفوراً، تتحدث مع الناس اليوم عن أمر يفيدهم ينفعهم نقول للمثقفين إن الثقافة الفلانية لا تنفع أجيالنا لا تنفع أبناءنا إن ثقافة الإباحية ضارة بأبنائنا إن إعلان الصور التي تذهب بأخلاق أبنائنا تضرنا وتضر المجتمع لكن الذين يقومون على الإعلان والإعلام يتابعون، نقول لهم إن المسلسلات التي تُعرض على قنواتنا تضر بجيلنا تضر بشهامتنا تضر بعروبتنا تضر بأوطاننا لكنهم يتابعون لكنهم يسدرون ويتابعون في غيهم، عجباً للناس يستكبرون ويعاندون نقول لهم ناقشونا حاورونا في هذه القضية التي نتحدث عنها هل ترون في تعلم أبنائنا القرآن ضرراً ؟ سيقولون بكل بساطة لا، إذن فلم لا تعلمون أبناءنا القرآن الكريم ؟ هل ترون في هذا الذي يُعرض في التلفاز من مسلسل سخيف تافه يُعلم الناس الإباحية والعلاقات غير المتزنة هل ترون في هذا ضرراً ربما قالت دواخلهم نعم لكنهم يعاندون فإلى متى سيكون الاستكبار والعناد عنواناً في حوارنا ؟ نقول هذا الكلام للكبير من أجل أن يقبل الحق من الصغير، المشكلة أن صاحب المنصب إن كان منصبه كبيراً لم يعد يقبل الحق ممن هو أدنى منه وأصر في أن يقبل الحق فقط وقد يكون هذا الذي يسميه حقاً ليس بحق أصر وعزم على ألا يقبل الحق إلا ممن هو أعلى منه منصباً ودرجة يقول صاحب المنصب الفلاني الكبير للصغار يجب عليك أن تصدق كلامي وألا تعترض علي فإذا ما أراد هذا الصغير الجندي على سبيل المثال أن يعترض على كلام الضابط فسيلقي الضابط بالجندي في غياهب السجن وإذا ما أراد المدير أن يعترض على الوزير لن يقبل اعتراض المدير، وإذا ما أراد الموظف أن يعترض على المدير وأن ينقد المدير رفض المدير ذلك وعاقب هذا الموظف. القضية قائمة على استكبار وعناد، صحيح أننا نقول بأننا نريد الحق لكن الواقع يخالف هذا الكلام.

المانع الرابع: الخوف والجبن، ورد في الحديث الصحيح أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كان يدعو ويقول: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من الجبن والبخل وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال). ويقول ربنا جل وعلا: ﴿الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله﴾ الجبن تحكم فينا وبالتالي يقول صاحب السطوة ما يقول وهو يقول غير الحق لكن الخوف والجبن الذي استحكم أفئدتنا وقلوبنا وكل ذراتنا أصبح مانعاً من أن نقول لهذا الذي يقول لنا كلاماً غير حق أصبح مانعاً من أن نقول له إن كلامك ليس بحق.

قرأت قصة مروية في الصحاح عن صحابي يسمى عبد الله ذا البجادين هذا الصحابي أسلم وكان يعيش في كنف عمه وكان عمه ينفق عليه لكن عمه لم يسلم والتفت إليه ولم يكن يعرف بإسلامه وكان لا يدري أن ابن أخيه أسلم التفت إليه وقال: يا عبد الله إن أنت أسلمت نزعت عنك كل عطائي، كان جواب عبد الله قال له يا من تريدون أن تزيلوا الخوف عن قلوبكم من أجل أن تبقى قلوبكم حية يا من يسعى لإزالة الجبن عن إهابه حتى يبقى قوله قوياً وسديداً وثابتاً، أيها الباحثون عن قوة تواجه كل الطغاة الذين يريدون من الإنسان أن يكون رقماً عندهم لا أن يكون روحاً لا أن يكون نفساً رضية يا هؤلاء يا من تريدون أن تقفوا أمام الطغاة بكل قوة اسمعوا ما قال هذا الرجل لعمه إن أنت أسلمت نزعت عنك كل عطائي، كان جواب عبد الله: "يا عم والله لنظرة إلى رسول الله أحب إليَّ من الدنيا وما فيها"، ثم خرج إلى رسول الله ذاهباً إليه ولم يكن عليه من ثياب فرأته أمه فأعطته بجاداً قطعته نصفين فوضع نصفاً على أسفل جسده ونصفا على أعلاه فسمي بذي البجادين، والتحق برسول الله وجاءت غزوة واستشهد وأنزله رسول الله إلى قبرة وقال وهو ينزله قبره اللهم إني أمسيت راضياً عن صاحب هذا القبر فصاح ابن مسعود رضي الله عنه ليتني كنت صاحب هذا القبر.

يا أمة الإسلام: الجبن والخوف والخور موانع من الوصول إلى الحق فلا تجبنوا واعلموا وكرروا على مسامع قلوبكم وأمام أعينكم الحديث الرائع: (يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعول إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف).

اللهم بسر فاتحة الكتاب وبسر سيد ولدآدم وبسر سيد الاستغفار وبسر ليلة القدر وبسر يوم عرفة وبسر الكعبة المشرفة وبسر شهر رمضان وبسر آل بيت رسول الله أعطنا سؤلنا وامنحنا فضلاً لا نحتاج معه إلى فضل من ذي فضل سواك يا رب العالمين، نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ: 25/7/2008

التعليقات

شاركنا بتعليق