آخر تحديث: الأحد 04 ديسمبر 2022
عكام


خطبة الجمعة

   
الغاية والمنطلق في العلاقات

الغاية والمنطلق في العلاقات

تاريخ الإضافة: 2009/02/13 | عدد المشاهدات: 2845

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

ختمنا في الأسبوع الماضي حديثاً عن سلسلة العلاقة مع الآخر بشكل عام، وتحدثنا في الختام عن علاقة المسلم بمجتمعه وبينا كيف تكون هذه العلاقة، لكنني اليوم ومن خلال مساءلةٍ بيني وبين نفسي قلت: لعل واحداً من الناس يسأل ما النية التي يجب أن تكون في داخلي وأنا أقوم بهذا الذي يجب أن أقوم به في علاقاتي مع الله، مع نفسي، مع مجتمعي، مع أقربائي، مع أولادي، مع والدي... ما النية التي يجب أن ينطلق منها وأن تنطلق منها هذه العلاقات ؟ ما النية، ما المنطلق، ما الغاية، ما الدافع ؟ ومن أجل أن ننزه أعمالنا وعلائقنا عن عبثية لا نرضاها وعن غاية لا تحترم وعن منطلق لا يمكن أن يكون مقبولاً، فلا بد من تحديد الغاية والمنطلق والنية ونحن نقوم بما يجب أن نقوم به في علاقاتنا التي رسمنا ملامحها وبينا طبيعتها وتحدثنا عن مبادئ تحكمها، وأكرر، ولعل هذا الذي سأذكر ليس فقط من أجل الحديث عن علاقاتنا التي ذكرناها ولكن من أجل كل عمل وكل قول نعمله أو ننشده أو نقوله، النية التي يجب أن تكون قابعة في داخلك وأنت تقوم بعملٍ ما، وأنت تقول قولاً ما، والمنطلق الذي يجب أن يكون مستقراً في ذهنك وتصورك وأنت تحاول عمل عملٍ ما، أو وأنت تحاول قول قولٍ ما. هذه النية وهذا المنطلق وهذه الغاية التي تتشابك وتتشابه وتتماثل وتتبادل الأدوار هي: وأرجو أن تتأكد منها وأنت تأتي إلى المسجد، وأن تتأكد منها وأنت تأتي إلى مكان عملك، وأن تتأكد منها وأنت تأتي إلى قوسك الذي تقوم بالقضاء وأنت عليه، وأن تتأكد منها وأنت تأتي إلى مدرستك وجامعتك، أن تتأكد منها وأنت تأتي إلى ثكنتك، أن تتأكد منها وأنت تأتي إلى عيادتك، إلى مكتبك، إلى دائرتك، إلى رئاستك، إلى وزارتك، إلى مديريتك، إلى حيث تعمل، إلى بيتك أيضاً. عليك أن تتأكد من هذه النية من هذا المنطلق من هذا الدافع، هل هو مستقرٌ في داخلك أم أنك تعمل عملاً لا جذور له، حين نتحدث عن النية والمنطلق والدافع والغاية نتحدث عن جذور فهل هذه الجذور مستقرة في داخلك وأنت تقوم بعملٍ ما، وأنت تقول قولاً ما ؟ هذه النية والدافع والمنطلق وسمِّها ما شئت هي:

أولاً: إرضاء الله، ضع في ذهنك وفي قلبك قبل القيام بأي عملٍ ما أن تكون نيتك إرضاء ربك، أن يكون منطلقك إرضاء ربك، أن يكون دافعك إرضاء ربك، بينك وبين نفسك وأنت تأتي العمل قل: يا رب أنت مقصودي ورضاك مطلوبي، قل بينك وبين نفسك وأنت تأتي المكان الذي تعمل فيه: يا رب أبتغي وجهك وأريد رضاك، وأريد أن أكون في هذه الدنيا مرضياً من قبلك وأن أكون في الآخرة ممن تنظر إليهم نظرة رضا، ممن ينعم بالنظر إليه من قبلك أنت يا رب العالمين. ضع في نيتك، في قلبك، في خَلَدك هذا حتى يكون عملك ذا جذورٍ قوية مرضية متناسبة مع العمل الصالح الذي تريد القيام به أو الذي تقوم به فعلاً، عليك أن يستقر في داخلك أنك تريد إرضاء ربك، ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في البخاري: (إنك لن تعمل عملاً تبتغي به وجه ربك إلا ازددت به درجة ورفعة) فهل أنت في صلاتك تبتغي وجه ربك ؟ وهل أنت في دراستك أيها الطالب تبتغي وجه ربك ؟ وهل أنت أيها الحاكم في حكمك تبتغي وجه ربك ؟ تأكد من هذا وأكرر من أجل أن يكون عملك مجذراً ومن أجل أن يكون عملك مستنداً إلى بنىً قوية وإلى قواعد متينة وإلا فالقضية تحتاج إلى مراجعة. هذا هو المنطلق الأول أو الدافع الأول أو النية الأولى، أريد أن أرضي ربي.

الأمر الثاني: أريد أن أثبت إنسانيتي، أنت بقيامك بهذه العلاقات التي ذكرناها وأنت بصلاتك وأنت بعملك الصالح وأنت بعدلك وأنت بدراستك الجادة وأنت بكل ما تقوم به وبكل ما تقوله عليك أن تنوي تثبيت إنسانيتك عليك، وإلا فالإنسان إن لم يتنبه إلى إنسانيته فلن تكتمل إنسانيته، هذه الأعمال وهذه العلاقات من أجل تثبت إنسانية فيك لأنك تعبد الله عندما تستشعر السعي والجد من أجل تثبت الإنسانية فيك، والإنسان، ولعلكم تسألون ما الإنسان ؟ الإنسان بكلمة مختصرة جداً، مَنْ أنا ؟ حينما تتحدث عن نفسك على أنك إنسان، أنت إحسان، عليك أن تنوي تثبيت الإحسان فيك لأن الإنسان إحسان، أرأيت إلى الإنسان والإحسان وعلماء اللغة يسمون هاتين اللفظتين جناساً ناقصاً، الإحسان والإنسان، هنا نون وهي نون النشأة، وهنا حاء والحاء هنا حاء الحياء أو حاء الحياة، والحياة من غير حياء لا قيمة لها، بل ليست بحياة لذلك: (إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت) وهل الإنسان إلا حياؤه ؟ والحياء وجهٌ معنوي صحيحٌ ومشرق للحياة، فأنت بين حياة مادية وحياة معنوية، والحياة المعنوية هي الحياة، فالإنسان والإحسان، أنت تنوي بقيامك بعملك أن تثبت إنسانيتك أي أن تثبت إحسانك، والإنسان إن خلا من الإحسان ضاعت منه إنسانيته، وأي إنسان من غير إحسان لا قيمة له، والإحسان أن تتقن عملك أن تتقن صلاتك أن تتقن دراستك أن تتقن حكمك أن تتقن قضاءك أن تتقن ما أسند إليك من عملٍ مشروع، هذا هو الإحسان ولذلك قال سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما في صحيح الإمام مسلم: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليُحِدَّ أحدكم شفرته وليُرِح ذبيحته) عليك وأنت تقوم بأي عملٍ ما أن تنوي تثبيت إنسانيتك وذلك من خلال تصورك للإحسان الذي يجب أن يكون عنوان عملك وعنوان قولك، والإحسان هو أن تتقن هذا الذي تريد أن تقوم به وأن تعمله، ولذلك أطلق على الإحسان الأخلاق، الإحسان هو الأخلاق، والإنسان بأخلاقه، والأمم بالأخلاق تسود، الإحسان والأخلاق أمرٌ واحد، والإحسان إتقان والأمة التي لا تتقن عملها أمة لا يمكن أن تسود ولا يمكن أن تكون سيدة ولا يمكن أن تكون حضارية ولا يمكن أن تقترب منها الحضارة لا من قريبٍ ولا من بعيد، ولذلك قال سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما في الترمذي: (ما من شيءٍ أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من حسن الخلق) وحسن الخلق يعني إحساناً والإنسان يعني إحساناً والإحسان يعني إنساناً، ضع في نيتك وليكن دافعك أن تثبت إنسانيتك، إن رأيت إنساناً ما قل لي بربك: إن رأيت إنساناً يقوم بعملٍ لا يتقن هذا العمل هل تقول عنه بأنه إنسان يريد أن يثبت إنسانيته فيه، في نفسه، هل تنظر عليه على أنه إنسانٌ حيي ؟ أم تنظر إليه على أنه إنسانٌ قليل الحياء ؟ من لم يتقن عمله، من لم يكن محسناً في عمله وفي قوله فلن يكون إنساناً، وبالتالي فإن تجلى بصورة إنسان إلا أن حقيقته ليست بحقيقة إنسان: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه﴾، ﴿إن هم إلا كالأنعام﴾ لأنهم لم يُتقنوا توجههم ولم يعرفوا وتجاهلوا كيف يتقنون أعمالهم من خلال التوجه الصحيح إلى ربهم بالعبادة، ومن خلال توجههم إلى ربهم بالعبادة يتوجهون إلى عملهم بالإتقان لأنهم يعلمون أن الذي يتوجهون إليه بالعبادة يراقبهم ويطلع عليهم، وأنت حينما تستشعر أن أحداً يراقبك تتقن عملك، ربك يراقبك، ربك يراك: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) انوِ وأنت تقوم بما يجب أن تقوم به أن تثبت إنسانيتك بالإحسان، والإحسان إتقان، والإتقان يأتي من خلال استشعار مراقبة إنسانٍ ما لك، فكيف بالله وهو يراقبك ويعلم متقبلك ومثواك ؟ يعلم ما توسوس به نفسك وهو أقرب إليك من حبل الوريد !

الدافع الثالث: ضع في ذهنك وفي قلبك وفي خلدك أن تكون قدوة حسنة لمن بعدك ولمن معك، لا تحقرنَّ نفسك ولا تظنن نفسك أنك غير مُراقب من قبل الناس، وسواءٌ كان هؤلاء الناس كثيرين أم قليلين كثرٌ أم قلة، لكنك منظور إليك ومُعتَبرٌ في نظر جماعة من الناس قلَّت أم كثرت، لذلك عليك أن تقوم بعملك وأنت تستشعر أنك قدوة، لا يقولنَّ أحدنا إنني إنسانٌ بسيط لا ينظر أحدٌ إلي، لا تقل هذا، أنت قدوة لواحد، لاثنين، لثلاثة، لأربعة، لخمسة، لستة... شئت أم أبيت، لذلك عليك أن تراعي هذا الأمر حتى تكون قدوة مقنعة وأنموذجاً مقنعاً وحتى تكون حلقة في سلسلة الإنسانية التي يورِّث بعضها بعضاً ويرث بعضها عن بعض، أتريد أن تكون سلفاً صالحاً لمن بعدك ؟ إذن عليك أن تنظر إلى نفسك على أنك قدوة، لا تستهن بنفسك، لا تقل عن نفسك بأنك غير منظور إليك لا تقل هذا فأنت قدوة شئت أم أبيت، فهل تنظر إلى نفسك على أنك قدوة ؟ ومن نظر إلى نفسه على أنه قدوة حسّن عمله وأتقن عمله، فالنيات الثلاث التي ذكرناها مترابطة فيما بينها، ونحن نريد أن نقدم أنفسنا للآخرين على أننا قدوة من خلال العمل والسعي والفعل، لا من خلال القول فحسب، هنالك من يرصدك، ولدك يرصدك وتلميذك يرصدك وممرضك يرصدك وحاجبك يرصدك من كنت وفي أي مكان كنت، أنت أيها الرئيس أنت أيها الوزير أنت أيها الضابط أنت مرصودٌ من خلال أعمالك وأقوالك وأفعالك، لكنك من خلال الأعمال تُرصد أكثر وأقوى، لأن الإنسان بعمله أكثر من أن يكون إنساناً بقوله وإن كان القول معتبراً، إلا أن اعتبار العمل أكثر بكثير من اعتبار القول، الكل هنا في عالمنا العربي يُحسن القول غير أن قلة قليلة جداً هي التي تحسن العمل، ولو كان الأمر بحسن القول لكانت هذه الأمة أرقى الأمم، أرأيتم إلى كلام متكلميها كيف أنهم يتكلمون كلاماً جيداً ممتازاً، السياسي والشيخ والاقتصادي والمسؤول والعادي والضابط والمدرس كلهم يتكلمون كلاماً رائعاً فالقضية ليست قضية كلام وإنما القضية قضية عمل، قضية سلوك قضية حياة قضية واقع ولا قيمة لقول لم يُردف بالعمل، ولا عبرة لقولٍ يبقى وحده في ساح الإنسانية، فالإنسان بعمله قبل أن يكون بقوله، أرأيتم إلى الأخرس إذا كانت القضية قضية قول فالأخرس يجب ألا يكون معتبراً، لا، القضية قضية عمل، القضية قضية سلوك، ولذلك أقول: اجعل نيتك وأنت تقوم بأي عملٍ ما أو أي قولٍ ما اجعل من نفسك قدوة، لأنك كذلك أنت قدوة شئت أم أبيت يُنظر إليك على هذا الأساس فلا تستهن بنفسك.

هذه هي المنطلقات الثلاثة، أن ترضي ربك، أن تثبت إنسانيتك بالإحسان، أن تكون واعياً لنفسك على أنك قدوة، على أنك أنموذج، فاسعَ من أجل أن تكون أنموذجاً مقنعاً، أرأيتم يا سادة كيف ننظر إلى الصحابة الكرام ؟ ننظر إليهم على أنهم قدوة، وبالتالي فهم رضي الله عنهم عملوا جاهدين حين عملوا على أنهم سيُشكلون سلفاً صالحاً لمن بعدهم، فهل أنت تعمل على أن تشكل سلفاً صالحاً لمن بعدك أم أنك لا تفكر بهذا الأمر ؟ وبالتالي لن تكون سلفاً صالحاً لمن بعدك، وسيتجاوزك من بعدك لينظر إلى من قبلك، وسيهملك لينظر إلى من قبلك على أنه سلفٌ صالحٌ له وعلى أنه قدوة له، وأنت ستمر في هذه الحياة ولا إنسان يحاول الاقتداء بك، ستمر وكأنك لم تمر، ستمر وكأنك أثناء المرور ميت فكم من مائت عائش وكم من عائش مائت، الصحابة الكرام ماتوا لكنهم عائشون، ونحن عائشون لكننا أموت باعتبارنا لا نشكل قدرة على أن نكون قدوة لمن بعدنا.

اللهم إني أسألك بحق محمد وآل محمد أن توفقنا من أجل أن نكون في أعمالنا وعلاقاتنا نسعى لإرضائك ولتثبيت إنسانيتنا فينا، ونسعى من أجل أن نكون أنموذجاً مقنعاً بهذا الدين الحنيف، وألا نكون أنموذجاً منفراً بهذا الدين الحنيف، نعم من يسأل أنت، ونعم النصير أنت، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 13/2/2009

التعليقات

شاركنا بتعليق