آخر تحديث: السبت 13 أغسطس 2022
عكام


خطبة الجمعة

   
في ذكرى الجلاء: ملامح السيادة المنشودة

في ذكرى الجلاء: ملامح السيادة المنشودة

تاريخ الإضافة: 2009/04/17 | عدد المشاهدات: 3214

أما بعد، فيا أيها الإخوة المسلمون:

وأرجو في البداية أن تعذرونا إذ تسمعون هذا الضوضاء(1) والأصوات التي تسمعونها، والمنبثقة عن لوحاتٍ كبيرة هنا وهناك وفي وقت صلاة الجمعة، أرجو أن تعذرونا لأننا فرحون، وأرجو أن تعذرونا لأننا لا نعرف كيف نفرح، وأرجو أن تعذرونا أيضاً لأن بعضنا لا يهتم بأمر بعضنا، ولأن أغلبنا لا يهتم بما يجب عليهم أن يهتموا به. أتمنى لو أننا استطعنا الآن من خلال كلمةٍ نوجهها للمعنيين بالأمر أن يخفضوا الصوت من أجل أن نقوم بما فرضه الله عز وجل علينا، وإذا كان الوطن قد فرض علينا أن نفرح بذكرى استقلاله وجلاء المستعمر عنه، فإننا، وليعلم الوطن الغالي أننا نفرح كثيراً على طريقتنا النظيفة الجميلة هنا في مسجدنا، وهناك في بيوتاتنا، وفي كل مكان نكون فيه، فالوطن غالٍ، والوطن في أعيننا، وما أظن أن الوطن يريد أن نفرح به على طريقة مزعجة يقوم بها بعضٌ من أبناء الوطن على حساب الآخرين في هذا الوطن الغالي.

فعلاً، كنت قد قررت أن أكلمكم عن الجلاء، وما أعظم الجلاء، وهل نفرح إلا من أجل أننا أجلينا عن بلدنا عدواً لدوداً كان يريد ذلنا، ويسعى من أجل أن يحشرنا تحت خيامٍ سوداء، فاللهَ أسأل أن يحفظ وطننا من كل مستعمر مخرّب أثيم، سواء أكان هذا المستعمر خارجياً يتكلم لغة أجنبية أو كان المستعمر غير خارجي يتكلم لغة عربية نتكلمها نحن، فاللهم إني أسألك أن تحفظ وطننا من كل مكروه ومن كل سوء ومن كل ضيم.

نبارك لكم يا أبناء الوطن هذه الذكرى، وأنا قلت في نفسي لأكلمنَّ الناس في هذا اليوم عن الجلاء، ولأقولن لهم ولكل واحدٍ منهم:

ما الصفات التي تريد لوطنك أن يتصف بها ؟ تسمعون يا إخوتي من يريد لهذا الوطن أن يكون سيّداً حراً مستقلاً، كل مواطن يريد لوطنه أن يكون سيداً حراً مستقلاً، تابعت حديثي بيني وبين نفسي وقلت: ما أجمل الوطن السيد، ولكن كيف يكون الوطن سيداً ؟ يكون الوطن سيداً عندما يكون أبناؤه أسياداً، أتريد وطناً سيداً ؟ إذن ما عليك إلا أن تطالب أبناءه في أن يكونوا أسياداً ، والسيادة ليست تكبّراً، والسيادة ليست تعجرفاً، والسيادة ليست خيلاء، والسيادة ليست مظاهر، والسيادة ليست كبرياء، والسيادة ليست إرهاباً ولا رعباً ولا تخويفاً. السيادة يا من تريدون أن تكونوا أسياداً وأنا معكم، السيادة سمات، السيادة ملامح، أتريد أن تكون سيداً ؟ فاسمح لي أن أعرض عليك ملامح سيادة منشودة، ملامح من يريد أن يكون سيداً، هذه الملامح جعلتها في ثلاثة محذورات، وفي منهيين، وفي مطلوبين.

أتريد أن تكون سيداً فما عليك إلا أن تحذر ثلاثة أمور: جمعت الصفات التي يجب أن تحذرها فاخترت أخطرها من أجل أن تكون بعيداً عنها من أجل أن تجانبها، وجمعت المنهيات فاخترت ما رأيت أنه أخطرها، وجمعت المطلوبات فاخترت ما يسمى بأعظمها وأكبرها وأكثرها تأثيراً على الإنسان ليكون سيداً فعلاً.

أما المحذورات: فاجتنب يا أيها الباحث عن السيادة، اجتنب الكذب فلقد قال سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إياكم والكذب) لا سيادة مع الكذب (فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرَّى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً) هذا هو المحذور الأول الذي يجب أن يكون أمام عينيك من أجل أن تحذره، ومن أجل أن تجتنبه، ومن أجل أن تفارقه، ومن أجل أن تجانبه.

وأما المحذور الثاني فالظن: (إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث) هكذا قال سيدي رسول الله كما في صحيح الإمام مسلم، انظر إلى نفسك هل تتكلم من خلال ظن أم تتكلم من خلال يقين ؟ هل تتكلم عمن تتكلم ظاناً أم متأكداً ولا سميا في النبأ السيء وفي الخبر الذي يمتُّ إلى الضر بصلة،  انظروا حياتنا فإن جُلنا ينطلق من الظن وإلى الظن، إن أخبرك بخبر كان منطلقه ظناً، وإن حدّثك عما حدثك كان منطلقه ظناً، والظن الذي نعيشه هنا هو ذاك الظن الذي يُعدّ أقرب إلى الكذب هو الظن غير المحقق، صحيح نحن نتحدث عن ظنٍ علمي، لكن الفرق بين الظن العلمي والظن المنبَّه منه هو أن الظن العلمي مُحقق لكن الظن الذي نحذِّر أنفسنا منه غير مُحقق، تسمع الكلمة من غير أن تتحقق فيها وإذ بك تتكلمها وتصبح الناطق الرسمي بها، لا يجوز يا أخي: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً﴾.

المحذور الثالث: الظلم: إياكم والظلم، هل أنت ظالم ولو كان ظلماً بسيطاً جداً فيمكن أن يكون كل شيء صغير يعفى عنه إلا الظلم فصغيره في الاعتبار ككبيره: (إياكم والظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) أيها الباحثون عن السيادة، اجتنبوا الكذب والظن والظلم.

أما المنهيان اللذان أريدكم وأريد أن ننتهي عنهما فهما:

إيذاء المسلمين: أرأيتم إلى جارٍ يؤذي جاره لا يمكن لهذا الجار المؤذي أن يكون سيداً على الإطلاق، لا تجتمع سيادة وإيذاء، أنتَ مؤذٍ أنت غير قابلٍ من أجل أن تكون سيداً إلا إذا تبت إلى الله توبة نصوحاً من هذا الذي صدر منك ويعنون بعنوان الإيذاء للمسلم الذي معك، (لا تؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم) وكلنا يتتبع عورة كلنا (فإن من تتبع عورة مسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله) هكذا قال سيدي رسول الله كما في الترمذي، أتريد أن تكون سيداً ابتعد عن إيذاء المسلمين في الغمز واللمز والتجسس والتحسس والغيبة والنميمة وإيذاء الجار وإيذاء الولد وإيذاء الوالد وأن تقول لوالديك أف وأن تغش... هذا كله إيذاء وأن ترفع صوتك لتقهر جارك أو لتؤذي من أمامك، كن لطيفاً أنيساً، إيذاء المسلمين أولى المنهيات.

الأمر الثاني الذي يشكل إحدى مقومات السيادة حينما ننتهي عنه: الإمّعة، السيد ليس بإمعة، السيد مستقل، السيد كما يقال في اللغة العامية (موّاله من رأسه) السيد هو الذي أعلن إمّعيته لله وللرسول، وبعد ذلك يقف من أجل أن يناقش وأن يحاور بلغة وأدب: (لا تكونوا إمعة، تقولون إن أحسن الناس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم على إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساؤوا ألا تظلموا).

الأمور التي يجب أن نتحلى بها من أجل أن تكون سيداً:

الصفة الأولى: فالحياء: الذي لا يستحي لا يمكن أن يكون سيداً، الحياء هو الوجه المعنوي للحياة، ما أنت فيه خاضع لوجهين، خاضع لحياة مادية ولحياة معنوية، الحياة المعنوية هي الحياء فإن كنت حياً حياة مادية ولم تكن حياً حياة معنوية من خلال اتصافك بالحياة فلا وجود لك ولا عبرة بهذا الوجود المادي حتى ولو وزنت أكثر من مئتي كيلو غرام من اللحم لا عبرة بذلك، السيد هو الحياء: (استحيوا من الله حق الحياء) هكذا قال سيدي رسول الله كما في الترمذي (قلنا يا نبي الله إنا لنستحيي، قال: الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى) أنت مسؤول من أجل أن تكون متصفاً بالحياء ومن أجل أن تكون حيياً، أنت مسؤول عن عينيك أين تجوّل عينيك، أنت مسؤولٌ عن لسانك، هل أنت ممن يحفظ لسانه، أنت مسؤولٌ عن عقلك، أنت مسؤول عن الرأس وما وعى وأنت مسؤولٌ عن البطن وما حوى وعليك أن تذكر خاتمتك وعليك أن تذكر النهايات لأن من لا يذكر النهايات سيعيش عيشاً عابثاً لن يلتفت إلى وضعه الراهن الذي يعيش فيه لذلك من نظر إلى النهايات استطاع أن يفلح في البدايات، واستطاع أن يفلح بالوسطيات وفي أثناء حياته. الحياء صفة أساسية لمن رام السيادة.

وأما الصفة الثانية: الرحمة: أنت رحيم أنت سيد، السيد رحيم، إذا أردت أن تكون سيداً بجداره فكن رحيماً، انظر الصفة التي وصف بها سيد الأسياد عليه الصلاة والسلام: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم﴾ قال عنه ربي عز وجل: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ وقال عن نفسه صلى الله عليه وآله وسلم: (إنما أنا رحمة مهداة) ولذلك وبما أنه رحمة مهداة فهو سيد الأسياد، السيادة مع الرحمة هي السيادة، لكن السيادة مع القسوة، مع الإرهاب، مع العنت، لا يمكن أن تكون سيادة، ولقد قلت على هذا المنبر بأن الرحمة هي عطاءٌ نافعٌ برفق، أنت تعطي من حولك وما حولك عطاءً نافعاً وبرفق فأنت متحلٍ بالرحمة: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ تعطيهم أنت تقدم لهم ما يجعلهم فالحين في الدنيا وفالحين في الآخرة وهو العطاء النافع، أثر العطاء النافع سعادة في الدنيا وفلاحٌ في الآخرة، وما أجمل الحديث الذي نقوله أيضاً باستمرار ويرويه البخاري وسواه: (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) أتريد أن تكون سيداً ؟ فعليك أن تكون رحيماً، أن تكون رحيماً بالشجر والحجر والحيوان ومن باب أولى بالإنسان، هذا الذي أمامك بغض النظر عن أي دينٍ يتبعه أو مذهب يسلكه أو فئة ينتمي إليها أو عرقٍ يُلحق به وينتسب إليه، وبغض النظر عن كل شيء، السيد رحيم، أتريدون وطناً سيداً ؟ إذن كونوا أسياداً فالوطن يسود بأبنائه ويسيَّد بأبنائه وأنتم الذين تسيدون الوطن إذا كنتم أنتم أسياداً، فإذا لم نكن أسياداً في الوقت الراهن فلنسعَ من أجل أن نكون مشاريع أسياد ولنسع من أجل أن نجعل أطفالنا وطلابنا وأبناءنا في كل المجالات مشاريع أسياد، بذلك نكون فعلاً قد احتفلنا بوطننا في يوم الجلاء، في يوم الاستقلال في يوم دحرنا فيه المستعمر عن أرضنا ونأمل أن ندحر كل آثم بغيض عن أرضنا وعن فكرنا وعن عقلنا وعن عاداتنا وعن ديننا وعن آثارنا وأن نكون فعلاً أحراً مستقلين أسياداً. أملي أن نعيش مشروع السيادة لمستقبلٍ قريب وأرجو أن يكون المستقبل الذي نتحدث عنه غير بعيد لأننا منذ أن كنا صغاراً كان أساتيذنا يحدثوننا عن مستقبل وكبرنا وصرنا نحدِّث أبناءنا عن مستقبل، وأخشى ما أخشاه أن يكون هؤلاء الأطفال قد غدوا كبارا وأن يحدِّثوا من بعدهم عن مستقبل حتى يصبح المستقبل ﴿كسرابٍ بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً﴾.

أسأل الله عز وجل أن يجعلنا مواطنين صادقين نسعى لسيادة ونسعى لسيادة الوطن، وطوبى لمن كان وفياً لوطنه وأرضه، طوبى لمن كان وفياً للصفات الحرة المطلقة العظيمة للسيادة للاستقلال للحرية لكل هذه القيم التي تحبنا ونحبها إن شاء الله، اللهم وفقنا لذلك، نعم من يسأل ربنا ونعم النصير إلهنا، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 17/4/2009


 

(1) قامت بعض شركات الدعاية بوضع لوحة إعلانية قريبة من المسجد، وبدأت تبث من خلالها أغانٍ وطنية بصوت مرتفع بمناسبة ذكرى الجلاء، وأحدثت ضوضاء أثرت على المصلين واستماعهم لخطبة الجمعة.

التعليقات

شاركنا بتعليق