آخر تحديث: الأحد 15 كانون الأول 2019
عكام


نــــــــــــدوات

   
واجبنا نحو النبي صلى الله عليه وآله وسلم/ نقابة الأطباء بحلب

واجبنا نحو النبي صلى الله عليه وآله وسلم/ نقابة الأطباء بحلب

تاريخ الإضافة: 2009/09/08 | عدد المشاهدات: 3656

أقام فرع نقابة الأطباء بحلب بتاريخ 8/9/2009 أمسية رمضانية بعنوان: "محمد صلى الله عليه وسلم الرسول الإنسان" شارك فيها الدكتور الشيخ محمود عكام مفتي حلب، وشارك فيها إلى جانبه الدكتور محروس شحنة عضو اللجنة الثقافية في نقابة الأطباء، وذلك في مقر فرع النقابة بحلب.

وقد تحدث الدكتور عكام في هذه الأمسية عن "واجباتنا تجاه النبي صلى الله عليه وسلم"، والتي تكمن في التعرف على النبي صلى الله عليه وسلم، والحب له، ثم اتباعه. وفيما يلي نص المحاضرة:

واجبنا نحو النبي صلى الله عليه وسلم

الحديث عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم حديثٌ عن أسوة لنا وقدوة، ولعلَّ هذه المحاضرة من متطلبات "واجبنا نحو النبي صلى الله عليه وآله وسلم"، فعلينا واجب نحن الذين نؤمن به نبياً ورسولاً، ومن منطلق هذا الواجب تأتي هذه المحاضرة.

واجبنا نحو النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة أمور:

الواجب الأول: التعرف عليه، لأن الله يقول: (أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون). دائماً الإنسان عدو من جهل وما جهل، إذا كنت تجهل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو تجهل أي شخص آخر ستكون مشروع عدو لهذا الشخص أو لهذه الفكرة أو لهذا الشيء.

والواجب الثاني: الحب، محبة هذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

والواجب الثالث: الاتباع. وأنا لا أريد أن أفصِّل في بعض القضايا سأترك متحدثاً بها على سبيل الإجمال وسأترك تفصيلها إن شاء الله لوقتٍ آخر.

الآن سأرسم أمامكم لوحة فيما يخص الكلمة التي سأقولها.

الواجب الأول: التعرف، أن تتعرف عليه، أن تقرأ سيرته الواردة في القرآن الكريم وفي حديثه هو عن ذاته صلى الله عليه وآله وسلم أي أن تقرأ سيرته في الأخبار الموثوقة لا أن تقرأ الكتب التي ليست بموثوقة، أن تتعرف عليه من خلال ما وثِّق عنه صلى الله عليه وآله وسلم ولعلك حينما تقرأ القرآن الكريم من أجل أن تتعرف على شخصية هذا النبي الكريم ستمر على آيات تعرفك بهذا النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، لذلك أنصح ما دمنا في رمضان من أجل أن يقرأ الواحد منا ختمة من القرآن، ويمسك قلماً بيده ليسجل الآيات التي تتحدث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسيأتي في النهاية على عددٍ من الآيات التي ترسم لك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وترسم لك شخصيته. وقد كتب أحد الكتاب كتاباً بعنوان "شخصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن الكريم" وبإمكانك أنت أيضاً أن تقوم بهذا العمل من خلال جمعك لهذه الآيات التي وردت بحق النبي والتي تصف النبي وتتحدث عنه صلى الله عليه وآله وسلم، مثلاً: سورة الضحى: (والضحى. والليل إذا سجى. ما ودعك ربك وما قلى. وللآخرة خيرٌ لك من الأولى..) هنالك آيات كثيرة تتحدث عن هذا النبي، عليك أن تجمعها لتكون في النهاية منظومة متكاملة عن شخصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم، التعرف.

الواجب الثاني: الحب، إذا تعرفت عليه فستحبه لأنك حينما تتعرف عليه ستتعرف على إنسان متصف بكل صفات الكمال، والإنسان دائماً ينجذب بقلبه وقالبه للكمال ويحب الكمال، إنك إذ تحب الكمال فستحب هذا النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

الواجب الثالث: الاتباع: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله).

هناك أساس لهذه الأمور الثلاثة: أن تؤمن بأن محمداً نبيٌ ورسولٌ من عند الله. هذا أمرٌ أول أرجو أن يستقر في أذهاننا.

الأمر الثاني: حينما نقول محمد الإنسان، الإنسان مرتبة بين مرتبتين، هناك مرتبة أقل من الإنسان وهنالك مرتبة أعلى من الإنسان، المرتبة الأقل من الإنسان: البشر، وهي المادة الخام للإنسان. والمرتبة الأعلى من الإنسان: الرحمة.

الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن بشراً فحسب بل كان إنساناً، بل كان رحمة. استُغرقت بشريته في إنسانيته، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، ثم استُغرقت إنسانيته في رحمويته، لذلك قال الله عز وجل عن هذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) جعله الرحمة ذاتها عينها، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن نفسه: "إنما أنا رحمة مهداة" ما قال إنما أنا رحيم، سنتحدث عن الرحمة فيما بعد.

على الإنسان أن يعاير نفسه هل هو من البشر فقط أم من الإنسان أم من الرحمة ؟ ستسألونني ما هو الإنسان وما هي الرحمة حتى أعرف ما إذا كنت رحمة أو لا ؟

ما الإنسان ؟ الإنسان برأيي يساوي الإحسان، في اللغة العربية بينهما جناسٌ ناقص، لكن هنا النون وهناك حاء، هذه النون هي نون النشأة نون التكوين، وهنا الحاء حاء الحياء، لأن الإنسان بين حياة وحياء، أيضاً بينها جناس ناقص، الحياة هي المادية والحياء هي المعنوية، وإذا لم تستحِ فاصنع ما شئت، فستبقى كتلة مادية لا أكثر ولا أقل: (إن هم إلا كالأنعام بل هم أضلّ) عندما يفقد الإنسان الحياء. الإنسان هو الإحسان والإحسان يقوم على الحياء، الآن ما تعريف الإحسان حتى من خلاله نتعرف على الإنسان ؟

الإحسان يقوم على الحياء، أسُّ الإنسان هو الحياء، لكن إذا أردنا التفصيل نقول: الإحسان هو أسلوبٌ أمثل في ممارسة الأفعال المطلوبة والأقوال المرغوبة بدافع المراقبة. أي وأنت تراقب من يراقبك. إذا كنت أريد تناول الماء مثلاً ولم أشعر أن أحداً يراقبني فإنني أشرب بغير الطريقة التي أشرب فيها وأنا أشعر بأن هناك من يراقبني. أي هناك أسلوب أمثل، كيف يكون أسلوبك أمثل ؟ عندما تشعر بأنك مُراقب. الإنسان يساوي إحسان، والإحسان هو أسلوبٌ أمثل في ممارسة الأفعال المطلوبة والأقوال المرغوبة بدافع المراقبة. لذلك قلنا بأن الفعلة لها مستويان مستوى مضموني ومستوى أسلوبي. حين تريد الصلاة مثلاً بينك وبين نفسك هل هي نفس الصلاة عندما تريد أن تصلي أمام الناس ؟ ما أظن. كيف أحسن أسلوب أدائي للأفعال المطلوبة ؟ شعوري بأني مراقب. فالإحسان هو أسلوبٌ أمثل في ممارسة الأفعال المطلوبة والأقوال المرغوبة بدافع مراقبة الإنسان غيره الذي يراقبة. إذن من أجل أن تكون محسناً عليك أن تستشعر أن أحداً يراقبك، هذا لا يمكن أن يكون معك دائماً أناسٌ يراقبوك، جاء الإسلام وقال للإنسان أتريد أن تكون بشراً أم تريد أن ترتقي فتكون إنساناً ؟ عليك أن يكون أسلوبك أمثل في ممارسة الأفعال المطلوبة والأقوال المرغوبة بدافع المراقبة لله عز وجل. ولذلك جاء تعريف الإحسان في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" ولذلك يتجلى الإنسان في إحسانه عندما يكون بينه وبين نفسه، الإنسان الحضاري هو الإنسان الذي ينتج في السر أقوى مما ينتج في الجهر، ينتج عندما يغيب الرقيب البشري أكثر مما ينتج عندما يكون الرقيب البشري حاضراً، نحن الآن لسنا حضاريين شئنا أم أبينا، لأننا من غير رقابة بشرية علينا لا ننتج حسناً. الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: "اللهم اجعل سريرتي خيراً من علانيتي واجعل علانيتي صالحة" صلاته التي كان يصليها بينه وبين نفسه أفضل من صلاته التي كان يصليها بينه وبين الناس، إذا كان الإنسان إحساناً وإذا كان الإحسان يقوم على الحياء وإذا كان الإحسان الذي يقوم على الحياء، هو أي الإحسان، الأسلوب الأمثل في ممارسة الأفعال المطلوبة والأقوال المرغوبة بدافع مراقبة العبد ربه، فهذا هو الإنسان. فهل أنت إنسان ؟ هل أنت تساوي إحسان تستند إلى الحياء ثم تمارس الأقوال المطلوبة والأفعال المرغوبة وأنت تراقب من يراقبك ؟ إذا كان هذا متحققاً فيك فاعلم أنك إنسان.

أما الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فكان هذا الأمر متحققاً فيه، بل هو إنسانٌ بامتياز، وقد وصفه عبد الكريم الجيلي بأنه "الإنسان الكامل".

الآن ننتقل إلى الدرجة الأعلى، الرحمة، الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان أكثر من إنسان كان إنساناً كاملاً والإنسان الكامل: رحمة. والرحمة: عطاء نافع برفق، مبادرة بالعطاء، فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم ارتقى بالإنسانية إلى مستوى الرحمة فجسَّدها وكانها، لذلك الرحمة عطاء نافع برفق، مبادرة بالعطاء. لذلك إذا نظرنا حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم سنرى أنه كان يعطي عطاءً نافعاً برفق لم يقتصر على ممارسة المطلوب منه بل تجاوز هذا الأمر وارتقى عنه ليعطي من غير أن يكون الأمر مفروضاً عليه: (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً) ولا نفعل هذا على سبيل الأمر ولا على سبيل الفرض. أنا أقوم بالعطاء مبادراً لأنني ارتقيت عن مستوى الإنسان فأصبحت رحمة. فهل أنت ارتقيت عن مستوى الإنسان فأصبحت تعطي عطاءً نافعاً برفق من غير مقابل ومن غير أن يكون هذا المقابل الذي تعطيه مفروضاً عليك ؟ إن فعلت هذا فأنت في مرتبة الرحمة، وإن كنت أظن أننا إن كنا نفعل هذا لكن لا نفعله باستمرار فلا يمكن أن نوصف بالرحمة وإنما يمكن أن نتصف بالمشتق: رحيم. لكن الرسول رحمة لأنه أعطى عطاءً نافعاً برفق لمن آذوه وضربوه وشجوا وأدموا رأسه، "اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون"، عن ابن مسعود رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحكي نبياً من بني إسرائيل ضربه قومه حتى أدموه فجعل يمسح الدم عن جبينه وهو يقول: اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون.

الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ارتقى من الإنسان إلى الرحمة فكان الرحمة ذاتها، وكان الرحمة عينها، ومن هنا حينما نقرأ قول الله عز وجل: (ورحمتي وسعت كل شيء) والرسول صلى الله عليه وآله وسلم رحمة، السؤال: هل وَسِعَ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كل من حوله ؟ نعم وسعهم، وسع من آمن ووسع من لم يؤمن، ووسع المعادي ووسع التابع ووسع الصغير ووسع الكبير، ومن هنا لا نستطيع أن نأتي بأمثلة فالمقام لا يتسع: (ورحمتي وسعت كل شيء) وكأني ألحظ من هذه الآية أن الرسول صلى الله عليه وسلم من جملة تجليات رحمة الله، فالرسول جسَّد رحمة الله على الأرض في وقته صلى الله عليه وآله وسلم من خلال شخصه وبعد انتقاله من خلال رسالته ويوم القيامة من خلال شفاعته صلى الله عليه وآله وسلم فالقضية مستمرة: (ورحمتي وسعت كل شيء) هذه الرحمة من جملتها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وكلنا يعلم هذه القصة العظيمة التي كانت سبباً في إسلام الكثير من الغربيين موقف الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في فتح مكة ما تظنون أني فاعلٌ بكم ؟ قال الجميع: أخٌ كريم وابن أخٍ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء.

والآن سأنقل لكم ما كان يفعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم من خلال كونه الرحمة، وهذه عبارة عن أمثلة:

لقطة أولى: كان يقول: "إني لأدخل في الصلاة أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز لما أعلم من وجد أمه عليه، فأسرع". إذا أسقطنا هذه القصة على واقعنا لا يمكن، تصوروا إمام في جامع يصلي فسمع بكاء صبي لن يتجوز ويسرع، وإذا أسرع فمن أجل شتم والدة الطفل والحاضرين.

لقطة ثانية: دخل عليه رجل فرأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقبِّل الحسن والحسين فنظر إليه هذا الرجل وقال: يا رسول الله إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحداً منهم. فنظر إليه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقال: "أو أملك إن كان الله قد نزع من قلبك الرحمة، من لا يَرحم لا يُرحم".

لقطة ثالثة: توفي ولده إبراهيم عليه السلام، فبكى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال له أحد الصحابة: حتى أنت يا رسول الله ؟ - كان البكاء يتعارض مع الصبر – فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا".

لقطة رابعة: الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "الراحمون يرحمهم الراحمون، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء". تحلوا بالرحمة تجاه بعضكم على الأقل، أما نحن في عالمنا ما أظن بأننا متحلين بالرحمة. من منا يقدم عطاءً نافعاً برفق وعلى سبيل المبادرة على مستوى الأفراد وعلى مستوى الدول ؟ هل يرحم الغني الفقير ؟ هل يرحم الكبير الصغير ؟ هل يرحم التاجر المستهلك ؟ ما أظن، لذلك لا تستغربوا لأن الله عز وجل يرحمنا الآن لا على أساس أننا نرحم بعضنا، ويمكن الآن أن نرى أن الغرب يرحم بعضهم ويرحمونا أكثر من رحمتنا لبعضنا ومن رحمتنا للآخرين، فالغرب الآن يزودنا بالساعات مثلاً وهذه رحمة، الورق، الكاميرات، الأدوات الطبية... يعطينا عطاءً نافعاً، نحن نرسل له ادّعاءات من خلال قنواتنا الفضائية، نحن كنا نحن الذين خضعت لنا الرقاب... نشتمه... وهو يعطينا.

نشكركم ونقول لكم في النهاية واجبنا نحو النبي تعرف ومحبة واتباع، بشرية إنسانية رحموية، هل نحن في البشرية أم في الإنسانية أم في الرحموية، الرسول كان الرحمة من دون تردد، فاللهم حققنا بالرحمة واجعلنا من المتراحمين، وهيئ لنا من أمرنا رشداً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

التعليقات

شاركنا بتعليق