آخر تحديث: السبت 18 مايو 2024
عكام


خطبة الجمعة

   
قواعد  لتربية الطفل

قواعد  لتربية الطفل

تاريخ الإضافة: 2009/12/25 | عدد المشاهدات: 2999

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

جاءني رجلٌ منذ يومين وقال لي أريد أن أفتتح روضة للأطفال، وأريد أن أؤسس مدرسة للأطفال، ومدرسة الأطفال في عرفنا تسمى روضة فما رأيك ؟

قلت له: إن كان هذا المشروع الجميل العظيم الجيد الممتاز تبتغي من وراءه الربح فلا أنصحك به، وإن كنت تبتغي بمشروعك هذا تنشئة صحيحة لبعض أطفال مجتمعنا فبارك الله بك، فأجابني بأنه يريد الأمرين. أجبته بعدم جدوى إرادة الأمرين فالقضية يجب أن تحدد في البدء، إما أن يكون همك أن تربح وإما أن يكون همك أن تنشئ وأن تؤسس وأن تربي وأن تهذب وأن تؤدب، لأن الطفل في النهاية هو المستقبل كما يقال، وأنا أحثك وأنصحك بأن تقوم بهذا المشروع شريطة ألا تضع الربح هدفاً لك أو غاية حتى ولو لكان الربح غاية ثانية، قال لي حسناً إن شاء الله وسأسعى من أجل أن تكون غايتي التنشئة والتربية والعناية والتهذيب والتأديب فهل من نصيحة.

قلت له: وأنت تؤسس هذه الروضة وبعد أن يكتمل التأسيس ضع في ذهنك وفي أذهان من يعاونك الأمور التالية وهي بمثابة قواعد لتربية الطفل، حتى تصل إلى الغاية المرجوة، والغاية المرجوة إنشاءُ إنسانٍ صالح، الغاية المرجوة إنشاء إنسانٍ قادر على أن يعيش هذه الحياة بقوة، على أن يعيش هذه الحياة متغلباً على صعابها محققاً وجوده المعنوي والمادي، غايتها إنشاء إنسانٍ يثابر ويثبت على العبودية لربه وعلى خدمة الوطن وعلى رعاية وبناء الإنسان، المهم يا أخي أتريد أن أقدم لك ما في جعبتي حيال هذا الأمر، عليك أن تضع في ذهنك القواعد التالية من أجل أن تصل إلى بناء وتأسيس إنسانٍ مواطن صالحٍ طيبٍ طاهر.

القاعدة الأولى: فلتكن التربية الموجهة إلى هذا الطفل عملية واقعية بالحال أكثر منها بالمقال، أريدك أن يرى فيك الطفل والطالب التطبيق لما تقول والعمل بما تتفوه به، أن يرى فيك الطلاب مجموعة مبادئ تتحرك، أن يرى فيك الطلاب أحوالك كلها، كيف تتصرف وأنت غضبان ؟ وكيف تتصرف وأنت حزين ؟ وكيف تتصرف وأنت في فرح، وكيف تتصرف وأنت تريد أن تأكل، وكيف تتصرف وأنت تريد أن تتعامل وتشرب، ولا يريد هؤلاء الأطفال منك أن تعطيهم وجهاً واحداً هو الوجه التقليدي، أن تقوم بإلقاء الكلمات المربية عليهم في صفهم أو في باحتهم أو في أماكن تسليتهم، مشكلتنا أننا نربِّي بوجهٍ واحد، هذا الوجه يقوم على توجيه كلمة في ساعة معينة، ويقوم على حمل عصا، ويقوم على إعطاء بعض الكلمات الناهية للأطفال، يقوم على أن هؤلاء الأطفال يرون منا وجهاً من شخصيتنا المتعددة لا يرون إلا هذا الوجه أستاذٌ وطالب، إذا ما أردت أن تكون ناجحاً فلتكن تربيتك عملية واقعية، علِّمهم من خلال سلوكك، علمهم من خلال أحوالك، علمهم من خلال واقعك، حدِّثهم عما يلفُّك من مصاعب، من متاعب، حدِّثهم كيف تحاول أن تلتجئ إلى ربك ومتى ؟ حدثهم كيف تستنصح أخاً لك في أمرٍ أهمك ووقعت فيه، حدثهم عن علاقتك بزوجتك وأنها علاقة تقوم على الاحترام، وأرِهم شهداء على ذلك وليكن أولادك ممن يشهد بصدق وأمانة ووفاء وهكذا، فالقضية طويلة في هذه القاعدة.

أما القاعدة الثانية: أن تسعى من أجل بناءٍ متكاملٍ للطفل، أريدك أن تبني الطفل بناءً متكاملاً والبناء المتكامل هو ما يلي:

البناء الأول: أن تبنيه علمياً: وعليك وأنت تقدم له العلم أن تراقب ربك، أن يكون العلم صحيحاً موثقاً لا أن يكون العلم كما تسمع من هنا أو من هناك وسواءٌ كان هذا العلم يتعلق بالعلوم الشرعية أو الفيزيائية أو الهندسية أو الكيميائية، المهم أن البناء المتكامل للطفل ينبغي أن يبتدئ بالبناء العلمي، وقد قرأت عبارةً عن الإمام علي كرم الله وجهه يقول: "مروا أولادكم بطلب العلم بقولكم وفعلكم"، وأعتقد بين قوسين أن أولادنا اليوم وأطفالنا اليوم يزهدون أكثر ما يزهدون بالعلم لأنهم يروننا زاهدين، لأننا ننظر إلى العلم على أنه سلعة، وإذا ما نظرنا إلى العلم على أنه سلعة فسنجده أرخص السلع شئنا أم أبينا. أعود فأقول، البناء المتكامل للطفل نبتدئ بالبناء العلمي، كان سفيان بن عيينة أحد التابعين مع طلابه يدرسهم فدخل طفل فاستهان به الطلاب الكبار الحاضرون وكأن حالهم يقول له وأنت ما الذي ستفعله هنا معنا ؟ فالتفت إليهم سفيان مدر سهم وأستاذهم فقال لهم: كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم. أنتم كنتم أطفالاً أفسحوا له وشجعوه اجعلوه واحداً منكم يتعلم. البناء العلمي أولاً.

البناء الثاني: البناء الجسمي، علينا أن نُعنَى بصحة أطفالنا، علينا أن نقدّم قواعد صحية مطبقة وقابلة للتطبيق، علينا أن نراقب أكلهم وشرابهم، علينا أن نراقب رياضتهم علينا، أن ننظر إليهم من ناحية الأجسام على أن أجسامهم أمانة عندنا، وإذا ما وُضعت عندك أمانة فبالله عليك كيف تتصرف حيالها فأنت تحافظ عليها كما هي وتحاول أن تكون هذه الأمانة شغلك الشاغل.

البناء الثالث: البناء الروحي، ويعني أن تدعم قوةً داخلية لدى هذا الطفل، أن تعلمه الشجاعة في قول الحق، أن تعلمه أن الناس مُحتَرمون لكن المبدأ مُحتَرمٌ أكثر، أن تعلمه أن الله مُحبَّه، وأن الله يتولاه، وعليه أن يقيم علاقة قوية مع ربه الذي خلقه، اليوم أطفالنا يرون فينا من يقيم علاقة قوية مع مسؤول، لأن هذه العلاقة مع هذا المسؤول تنفعنا، وأنسينا أولادنا علاقةً يجب أن تكون أساساً لكل العلاقات، هي أن نقيم العلاقة مع الله عز وجل، علاقة الولي مع المتولي، علاقة المسترزق مع الرزاق، علاقة المستعطي مع المعطي، علاقة العاجز الذي يطلب الاقتدار مع القادر، وهكذا دواليك... ولذلك تسمعون من الشيوخ هنا وهناك الحديث الشهير المعروف: (يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك)، هذا هو البناء الروحي، أن تجعل بين الطفل وبين ربه علاقة موالاة، علاقة محبة، علاقة ارتباط، علاقة اتصال، علاقة سمِّها ما شئت، المهم أن تكون هذه العلاقة علاقة وطيدة ملؤها الحب وملؤها التوسُّل وملؤها الطلب وملؤها الدعاء وملؤها الاعتماد: (إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله) من البناء الروحي أن تعلم ولدك أن يرفع يديه إلى ربه في ليله ونهاره ليقول (يا رب) من كل قلبه من كل وجدانه من كل ذراته من كل كيانه، لا أن يقول (يا رب) وقت التراويح في رمضان فحسب، لا أن يقول (يا رب) في أوقات محددة على سبيل الكرنفالية أو الشكلية المحضة، هذا هو جملة ما يمكن أن نتحدث عنه في البناء الروحي.

البناء الرابع: البناء العاطفي، وأساس العاطفة هي الرحمة، العواطف جمَّة والعواطف وفيرة ولكن أسّ هذه العواطف الرحمة فعلّم طفلك أن يكون رحيماً، وأن يتعامل برحمة مع الإنسان والحيوان والجماد، أريدك أن تجعل العواطف عند ولدك مصبوغة ممزوجة بالرحمة، فهيا من أجل أن تملأ عواطف هذا الطفل رحمة، والرحمة هي النسيج الذي يمكن أن يعيش الإنسان عليه وبه، ومن غيره لا يمكن أن يكون الإنسان إنساناً، ولولا أن الرحمة كانت ذلك ما قال الله عن سيد الناس صلى الله عليه وآله وسلم ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾.

البناء الخامس للطفل: البناء السلوكي، كثيراً ما قلت ورددت أمامكم وما زلت أكرر هنا في كلية التربية، في كلية الحقوق، أقرِؤوا أولادكم سورة لقمان ليس من أجل أن يحفظوها على الغيب كما يقال، ولكن من أجل أن ترسموا أمامهم أنموذجاً طيباً للبناء السلوكي: ﴿يا بني إنها إن تكُ مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأتِ بها الله إن الله لطيفٌ خبير. يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور. ولا تصعِّر خدك للناس ولا تمشِ في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختالٍ فخور. واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير﴾ هذا هو البناء السلوكي المؤسَّس على إيمان، أقم الصلاة بعد أن قال له: ﴿إنها إن تكُ مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأتِ بها الله إن الله لطيفٌ خبير﴾، أسس الإيمان بالله العليم بالله الخبير، ثم قال له بعد ذلك: أقم الصلاة، ثم قال له بعد ذلك لتكن لك رسالة عليك أن تأمر الناس بالمعروف بالمعروف، وأن تنهى الناس عن المنكر بالمعروف، وأن تكون رفيقاً لطيفاً بالناس.

بعد ذلك ادعُ هؤلاء الأطفال إلى أن يجتنبوا الأمور التي تجعل منهم منفِّرين: ﴿ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختالٍ فخور. واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير﴾.

الأمر الأول أن تكون التربية عملية واقعية، الأمر الثاني البناء المتكامل للطفل، البناء العلمي والبناء الجسمي والبناء الروحي والبناء العاطفي والبناء السلوكي، بعد البناء المتكامل للأولاد تأتي قضية القدوة الحسنة.

القاعدة الثالثة: القدوة الحسنة، أعطهم القدوة الحسنة، قدّم لهم أمثلة وبالمناسبة وباعتبار أننا نعيش أيام عاشوراء أيام الحسين رضي الله عنه وأرضاه، فهلا قدّمت أيها المربي نموذج علاقة المصطفى بالحسين بالطفل، وكيف كانت تربية هذا النبي العظيم لهذا السِّبط العظيم، اقرؤوا هذا الأنموذج، اقرؤوا العلاقة التي أقامها المربي الأول والأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم مع الطفل مع الحسين، كيف كان يتوجه إليه وإلى أخيه الحسن، كما جاء في مسند الإمام أحمد، ويقول من أجل أن يملأ العواطف فيهما بكل حبٍ وحنان: (اللهم هذان ابناي وابنا ابنتي، اللهم إني أحبهما فأحبَّ من يحبهما) هل يقف أحدكم أمام ابن بنته أو ابن ابنه ليقول: اللهم هذا ولدي، هذا ابن ابنتي، هذه بنتي، من أجل أن يستشعر هذا الطفل العلاقة الغامرة بالمحبة بالحنان بالعطاء: (اللهم هذان ابناي وابنا ابنتي، اللهم إني أحبهما فأحب من يحبهما) يقف النبي أمام الحسين صاحب الذكرى ليقول كما جاء في الترمذي: (حسين مني وأنا من حسين) هل تقول هذا لولدك ؟ هل تقول هذا لولدك: (حسين مني وأنا من حسين)، (هذان ريحانتاي من الدنيا)، لا أريد أن أذكر لك كل مفردات هذه العلاقة بين النبي العظيم محمد وبين الحسن والحسين الذين يشكلان الأنموذج الأعظم لطفلٍ نريد لأطفالنا أن يكونوا على هداه وأن يكونوا على سيرته، اقرؤوا في هذه السيرة الطاهرة، اقرؤوا سيرة الحسين من أجل أن تجدوا تربيةً موجهة من جد الحسين للحسين، ولذلك كان الحسين، فأعظم بالحسين، وهيا يا أطفال الإسلام من أجل أن تتقلدوا خُطى الحسين، القدوة الحسنة ضرورة تضاف إلى قواعد ذكرناها تتعلق بالطفل، لا أريد لأذهانكم أن يعتريها النسيان، تذكروا يا إخوتي أن ما يجب أن نقوم به حيال الطفل: أن تكون تربيتنا عملية بحالنا وواقعية بسلوكنا، وتذكروا أنه يجب أن نتوجه إليهم بالبناء المتكامل العلمي والجسمي والعاطفي والسلوكي والروحي، وتذكروا ثالثاً أن القدوة الحسنة ضرورة من ضرورات التربية، فهيؤوا ممن وثقتم به قدوة حسنة لأولادكم، ثم بعد ذلك كونوا أنتم قدوة حسنة لأطفالكم وأطفال المسلمين جميعاً.

اللهم إني أسألك بحق الحسين وجد الحسين وأخ الحسين وأم الحسين وأب الحسين أن توفق أطفال المسلمين اليوم من أجل أن يجدوا المربي الصادق الوفي الذي يبتغي من وراء تربيتهم وجهك يا رب العالمين، والذي يبتغي من وراء تربيتهم أن يكونوا على مستوى الطفولة الإنسانية المشرقة، وعلى مستوى مشروع إنسانٍ عظيم يقدّم للكون كله عطاءً خيّراً، لأن رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم كما وصفته أنت يا رب وقلت: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ فلنكن ممن يتصف بتلك الرحمة المهداة، وفقنا لكل هذا يا رب العالمين، نعم من يسأل أنت، ونعم النصير أنت، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 25/12/2009

التعليقات

صفوت امينو

تاريخ :2009/12/27

نسأل الله العلي القدير ان يمنحكم حسن الثواب وان يجعلكم المنارة المضيئة لنا في تعاملاتنا مع اهلنا وفي المستقبل مع زوجاتنا واولادنا وادامكم الله لهذا الدين الحنيف وجزاكم عنا كل خير

خليل شاوي

تاريخ :2009/12/27

لو علم السائل الجواب قبل يسأل لكان سؤاله أريد أفتح جنة تفضي الى جنة لأن روضة النبي ص التي تربى فيها الحسين ع جعلت الحسين سيد شباب أهل الجنة وبالمناسبة ان مشروع السائل ناجح حيث كان سببا لهذه الخطبة الرائعة وحديثك يلخص تجربتك مع أولادك الكرام ومع طلابك وسيأتي يوم يستشهد فيه المربون بك كأستشهادك بسفيان ولقمان وشكرا لك سيدي

شاركنا بتعليق