آخر تحديث: الجمعة 26 تشرين الثاني 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
مظاهر بر الوالدين - 1

مظاهر بر الوالدين - 1

تاريخ الإضافة: 2010/03/26 | عدد المشاهدات: 3883

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

لو أنك أيها الإنسان في هذا البلد سألتَ عشرين أباً، وحاولتَ أن تستوضح منهم عن شكواهم، أو أولى شكاواهم لقال أكثرهم، إن افترضت أنك سألت عشرين أباً أو أماً لرأيت جواب أكثرهم يصبُّ في مصبِّ الشكاية من عقوق أولادهم.

نحن نتحدث عن عظمتنا، ولكننا نتحدث عن عظمتنا ادّعاءً، نتحدث عن عظمتنا وأن الواحد منا يطيع والده ويبر أباه وأمه، وأن الواحد منا يُكرّم زوجته ويكرّم الكبير، يقول هذا الكلام كل واحد منا أمام غربيين يلقاهم، أو يقول هذا أمام أناسٍ لا يمتُّون إلى الإسلام بصلة، يتحدث إليهم لكنه في الحقيقة لن ترى لهذا الكلام أثراً إلا من رحم الله.

عقوق الوالدين أضحى وهذا من استقراءٍ قمت به وتقصٍّ تعمدت أن أجريه، وأن أطوف به من خلال من يسألني، من خلال من أعرف، من خلال الوقائع التي سمعتم، ولعلكم سمعتم بأن جريمة وقعت أمس قتلَ ولدٌ والده.

جريمة العقوق رذيلة، جريمة العقوق أخذت تنتشر، فلا يعد الأبناء يتوجهون بالبر إلى الآباء، ولم تعد البنات يتوجهن بالبر إلى الأمهات وإلى الآباء وهكذا دواليك، وهذا ما حدثتكم عنه منذ أكثر من عشر سنوات، لكن الأمر لم يكن ليتحسن، لكن الأمر ازداد سوءاً، لذلك قررت في هذا الأسبوع والأسبوع القادم، أن نتحدث فيما بيننا عن جريمة العقوق، وأن نقول ابتداءً الحديث الذي قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم وليسامحني الأبناء عندما أبتدئ الخطبة بهذا الحديث الذي يلعن فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم العاق لوالديه، فيقول كما جاء في الحاكم وصححه: (لعن الله العاقَّ لوالديه) ضع هذا في ذهنك أيها الولد ذكراً كنت أم أنثى، ضع هذا في خلدك وأنت تعيش في أسرتك: (لعن الله العاق لوالديه) من قال هذا ؟ قال هذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

تسألني كيف أكون باراً لوالدي ؟ ما الأمور التي يجب أن أقوم بها حتى أكون باراً وحتى تحكم عليَّ أنت أيها الناظر بأني بارٌ بوالدي ؟

أيها الأخ الولد: سواءٌ أكنت كبيراً أم صغيراً، سواءٌ أكنت ذكراً أو أنثى، سواءٌ أكنت غنياً أو فقيراً، سواءٌ أكنت مسؤولاً كبيراً أو إنساناً عادياً، أتوجه إليك فأقول:

إن ملامح البر، ومن أجل أن تسمى باراً لا بد لك من الأمور التالية:

أولاً: لا تتضجَّر ولا تنهر والديك، إياك والضجر من والديك مَن كانا ومهما كانا، إياك وأن تنهر والديك: ﴿ولا تقل لهما أفٍّ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً﴾ إياك أن تتضجر من والديك أو تنهرهما، ضع هذا في ذهنك إن أردت أن تكون باراً وإن أردت ألا تكون ملعوناً من قبل النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم.

ثانياً: تذلل لهما، ليكن موقفك معهما موقف الذليل: ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً﴾ أتريد قياساً ؟ تعال، أيها الإنسان، هَبْ أن مسؤولاً كبيراً دعاك لتقابله، فاستقبلك ودخلت حِماه ورحابه ووقفت أمامه، حدثني بربك عن أدب جمٍّ تتحلى به، وحدثني عن كلمات عذبة حلوة تتفوه بها، وحدثني عن خجلٍ ينبعث منك، حدثني عن تواضعٍ تكاد تُسمى من ورائه المتواضع الأكبر، حدثني عن كل التقدير الذي ترسله من كل ذراتك لهذا المسؤول، حدثني عن هذا الموقف، عن تذللك وعن تواضعك وعن حنانك وعن رحمتك وعن خفضك الجناح وعن... حتى إذا ما خرجت ليسألك والدك ونحن نتكلم عن صورةٍ مُفتَرضة، حتى إذا ما خرجت وقابلك والدك فسألك أين كنت ؟ فإنك ستقول لوالدك الذي يجب أن تتذلل له يا أبي اتركني الآن هذا أقل ما يمكن أن تقوله، دعني وشأني. إن لم تتصرف تصرفاً آخر لا يدل على إنسانية فيك. التذلل لهما: ﴿واخفض لهما جناح الذل من الرحمة﴾ لو أن مسؤولاً كبيراً هاتفك، كلمك عبر الهاتف فقال لك فلان. ماذا ستقول له ؟ ستقول له أمرك سيدي، ستقول له لبيك يا سيدي، وستقول لمن حولك إن فلاناً يكلمني، إن الوزير والمسؤول والمدير يكلمني. يا هؤلاء فإن كلمك والدك أو والدتك ربما قلت لوالدك: لماذا كلمتني الآن، ماذا تريد مني، أنا الآن في وضعٍ لا أستطيع الحديث معك، أتريد أمراً ضرورياً، بسرعة قل لي... وتخاطبه مرة بيا والدي، ومرة بيا حجي، ومرة يا فلان تداعبه على حدِّ زعمك. لكنه لا يريد منك هذا، هو يريد من قلبه أن تقدِّره، أن تكرمه، أن تبجله، أن تتعامل معه كما تتعامل مع هذا المسؤول، التذلل لهما، القضية خطيرة: (فليعمل العاقُّ ما شاء فلن يدخل الجنة، وليعمل البار ما شاء فلن يدخل النار) القضية محسومة وأنا أقول لكم هذا ليس من باب النافلة وليس من باب التخويف وإنما الأمر اعتقده اعتقاداً جازماً واتخذت هذا الاعتقاد من ديني وإسلامي.

ثالثاً: أن تجيب طلبهما، أن تسمع كلمتهما كما يُقال، وأن تستجيب لطلباتهما، يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: كان تحتي امرأة، أي كنت متزوجاً من امرأة وكنت أحبها، وكان أبي عمر يكرهها، فأمرني أن أطلقها، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن أبيت فقلت ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (يا عبد الله طلِّق امرأتك). وطلَّق عبد الله امرأته، ربما قال لي أحد الذين يريدون أن يتحدثوا بلغة الدبلوماسية: معقول لمجرد أن يقول لي والدي طلّق امرأتك أطلق امرأتي ؟ نعم، لمجرد أن يقول فطلّق امرأتك. عبد الله بن عمر يحبها، مرتاحٌ معها، لكن سماع كلمة والدك بالنسبة لراحتك هي أشد، وستبعث فيك الراحة أكثر والطمأنينة أكثر، معقول أن أخرب بيتي لمجرد قول والدي ؟ إن فعلت هذا فلن يخرب بيتك بل ستعمر بيتك في الدنيا والآخرة.

رابعاً: قدّم برهما على النفس والأهل الآخرين، وقصة أولئك الذين وقعوا في الغار حدَّثنا عنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في البخاري ومسلم أن ثلاثة وقعوا في الغار ووقعت صخرة على باب الغار فسدَّت الغار، فتنادى الثلاثة من أجل أن يدعو كل منهم بصالح عمله فدعا الأول والثاني بصالح عمله، وهذا الذي فعلوه كان ابتغاء وجه الله، وجاء دور الثالث واسمعوا قصته التي حكاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (قال الثالث: أما أنا فاللهم إنك تعلم أنه كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق) لا أسقي اللبن (قبلهما لا أهلاً ولا مالاً) لا ولداً ولا زوجة ولا ماشية (فنأى بي طلب الشجر يوماً) كنت أرعى فبعد بي المسافة فسرحت بعيداً (فلم أرح إليهما) لم أرجع إليهما (حتى ناما فحلبت لهما غبوقهما) حصتهما من اللبن (فوجدتهما نائمين فكرهت أن أوقظهما أو أن أغبق قبلهما أهلاً ولا مالاً) أن أسقي أهلي (فلبثت والقدح على يدي أمامهما وهما نائمان، أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر والصبية) أولادي (يتضاغون عند قدمي) يطلبون الغبوق لأنهم في جوع وأنا أؤخر وأحمل حصة والدي من اللبن حتى أسقيهما بمجرد أن يستيقظا من تلقاء نفسيهما (فاستيقظا فشربا غبوقهما، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه. فانفرجت الصخرة).

يا هؤلاء من مظاهر البر خامساً: الخدمة الدؤوب لهما: أن تخدمهما دائماً وأبداً أن تلازمهما إن احتاجا إليك، وإياك أن ترسل إليهما صانعك وخادمتك قائلاً ها أنذا أرسل إليهما صانعي وخادمتي والبواب وفلان. لا، أنت بنفسك، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله أشتهي الجهاد ولا أقدر عليه. فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (هل بقي من والديك أحد ؟ قال أمي. قال قابل الله في برها) كن في خدمتها (فإن فعلت فأنت حاج ومعتمر ومجاهد). روى ذلك أبو يعلى. وفي حديث آخر جاء رجل يستأذن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الجهاد فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أحيٌ والداك ؟ قال نعم، قال ففيهما فجاهد). وفي رواية: (فارجع إليهما فأحسن صحبتهما) روى ذلك البخاري ومسلم.

أن تكون في خدمتهما وأن ترى أن هذه الخدمة هي طاعة الطاعات وقربة القربات، الواحد منا يصبح متديناً بعض الشيء أو كل الشيء وإذ به ينظر إلى والده الذي في نظره غير متدين ينظر إلى والده أو والدته نظرة استعلاء، هو يصلي ويتبع الشيخ الفلاني، لكن والده كما يقال يقطِّش ولا يصلي الصلوات الخمس ولا يتبع الشيخ الفلاني، له وِرد وليس لوالده وِرد، فكيف ينظر إليه مقدّراً ويكون في خدمته، هو يريد أن يخدم الشيخ أكثر من أن يخدم والده ووالدته، يا ويحه، يا ويله، لبئس ما يفعل ولبئس ما يفكر به، (هل بقي من والديك أحد ؟ قال أمي. قال قابل الله في برها فإن فعلت فأنت حاج ومعتمر ومجاهد)، وفي رواية: (الزم رجلها فثمَّ الجنة).

لا أريد أن أحدثكم هذا الأسبوع عن كل مظاهر البر، سأترك بعض المظاهر للأسبوع القادم، لكنني أقول في الختام المجتمع الذي يكثر فيه العقوق لا يمكن أن يكون مجتمعاً سليماً ولا مجتمعاً منتصراً ولا يمكن أن يكون مجتمعاً مؤمناً، والله ربط النصر بالإيمان، فإن كنتم قد حققتم العقوق في أغلبكم فاعلموا أن الفشل منتظركم وأن الوهن والخذلان منتظرنا، ولا تحدثوني لا عن سياسات ولا عن أفعال ولا عن عظمة فما تقولونه أو تفعلونه لأن القضية في النهاية قضية عبادة، الله قال لك هذا فالتزم أمر الله عز وجل: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً﴾، الأمر محسوم لا يمكنك أن تتدخل فيه برأي ولا أن تتفلسف فيه بوجهة نظر لأن هذا المجال محسومٌ ومقطوعٌ  به، وإياك إياك أن تقترب منه لتبرر عقوقك في بعض الأمور الاجتماعية السخيفة التي لا يمكن أن تكون مبرراً مقبولاً، انتهى الكلام.

وأسأل الله عز وجل أن يوفقنا لنعيش مجتمعاً باراً، يبر الولد والديه، ويبر الصديق صديقه، ويبر الصانع معلمه، فإن فقدنا البر للوالدين فلا يمكن أن يكون العاق لوالديه باراً لمعلمه، ثقوا بهذا فلا يمكن للعاق لوالديه أن يكون باراً لغيرهما حتى وإن تجلى بهذا البر وتمظهر به، فلا يمكن لأن بره لغير والديه بعد أن عقَّ والديه لن يقبله الله، (فليعمل العاق ما شاء فلن يدخل الجنة، وليعمل البار ما شاء فلن يدخل النار)، اللهم إني أسألك أن تجعلنا بارين بوالدينا، وأن تجعلنا بارين بواجباتنا، وأن تجعلنا بارين بوطننا، وأن تجعلنا بارين بقضايانا التي تقام وأقيمت على الحق والعدل والأمانة والسلام والصحة واليقين، نعم من يسأل ربنا ونعم النصير إلهنا، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 26/3/2010

التعليقات

سعودي هلالي و أفتخر

تاريخ :-1/11/30

الام وما أدراك ما الام لا أحد يفقد الب إلا بعد وفاته ولكن الام تفقد في الحياة اذا غابت و في الممات لا تنسانا من صالح دعاءك

نعمان سخيطة

تاريخ :2010/03/28

شيخي الجليل الدكتور محمود ذكرت في خطبتك أن الأب أذا أمر ولده أن يطلق زوجته على الولد الطاعة مستشهدا بحادثةعمر بن الخطاب عندما أمر ابنه أن يطلق زوجته لكن يا فضيلة الدكتور كم هي نسبة الأباء في هذا الزمان الذين يتمتعون بعقلية عمر أو لنقل عقلية صائبة ومتحضرة عقليةتخطط وتعي لما تقول نحن بحاجة لتوعية للأباء والأمهات عن مهامهم تجاه أولادهم فأن نحن الأباء زرعنا الأسلام الحقيقي في أولادنا لما عقونا وأخيرا سلامي لك من كل قلبي والسلام عليكم

آية كرمان

تاريخ :2011/03/18

هذا الموضوع جميل و في المستوى

شاركنا بتعليق