آخر تحديث: الجمعة 26 تشرين الثاني 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
مظاهر بر الوالدين - 2

مظاهر بر الوالدين - 2

تاريخ الإضافة: 2010/04/02 | عدد المشاهدات: 4506

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

ذكرنا في الأسبوع الماضي  بعضاً من دلائل بر الوالدين، أو  إن شئت سمِّها بعضاً من مظاهر بر الوالدين، وإن شئت أيضاً قل عنها إنها بعضٌ من المواقف أو المعايير التي إن قمت بها واتخذتها كنت بارّاً بوالديك ويمكن أن تسميها شروطاً، المهم أننا ذكرنا من هذه المظاهر خمسة، وقبل أن نكمل هذه المظاهر أتوجه إلى كل إنسانٍ فينا وإلى كل مسلم بشكل خاص لأقول له: كن باراً بوالديك تكن باراً بنفسك، ولا يمكن أن تكون باراً بنفسك إذا لم تكن باراً بوالديك، كن باراً بوالديك تكن باراً بمجتمعك، كن باراً بوالديك تكن باراً بأولادك، كن باراً بوالديك تكن باراً بأصدقائك، كن باراً بوالديك تكن باراً بزوجتك، كن باراً بوالديك تكن باراً بربك، وإذا لم تكن باراً بوالديك لا يمكن أن تكون باراً بربك، لأننا قلنا في الأسبوع الماضي الحديث الوارد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حسبما رواه الحاكم: (لعن الله العاقَّ بوالديه) ويقول الله في الحديث القدسي الذي ورد في سنن أبي داود: (فليعمل العاقُّ ما شاء فلن يدخل الجنة، وليعمل البار ما شاء فلن يدخل النار) فلقد عدَّ ربنا عز وجل بر الوالدين المِفصَل الأساس في الاعتبار لأهل الجنة وأهل النار.

ذكرنا خمسة مظاهر لبر الوالدين إن رآها الإنسان في نفسه - وسنتابع بقية المظاهر - فليعلم بأنه بار وإن لم يجدها كلها فليتلافَ التقصير، وإن وجد نفسه بعيداً عنها فليعلم بأنه عاق وليعلم بأنه ملعون وعليه أن يتلافى وأن يستدرك وأن يتوب وأن يتراجع عن تلك المواقف التي عُدَّ واعتبر وسُمِّي على أساسها عاق.

ذكرنا من هذه المظاهر في الأسبوع الفائت ما يلي:

أن يتجنب التضجر والنَّهر لوالديه، وذكرنا التذلل لهما وشرحنا ذلك، وذكرنا أيضاً الطاعة للوالدين، وذكرنا أن يقدم برهما على بره لنفسه ولأهله ولأولاده، وذكرنا خامساً الخدمة الدؤوبة لهما. ذكرنا هذه الأمور الخمسة التي تعبر عن بر الإنسان القائم بها لوالديه، لكنها ليست كافية، وثمة مظاهر أخرى نريد أن نتابع الحديث عنها كما وعدناكم هذا الأسبوع، احفظوا هذا الذي قلنا فيما يتعلق بالأسبوع الفائت، أما اليوم فسنأتي إلى المظهر والدليل السادس الذي إن فعلته وتحليت به وطبقته أضفت إلى رصيدك أمراً آخر من أجل أن تتحلى بالنهاية وأن تتصف ببر الوالدين.

سادساً: زيارتهما إن كانا يسكنان في مكان غير المكان الذي تسكن فيه ومواصلة هذه الزيارة، وهذه الزيارة ليست شكليةً، وإنما هي زيارة تفقدية، تتفقد ما يحتاجان إليه تتفقد ما يتطلعان إليه، تحاول ألا تكون الزيارة كما يقال في لغتنا الدارجة  "فضّ عتب"، وإنما من أجل أن تتفقد الوالدين، تسأل عنهما، أن تسألهما عن نفسيهما، أن تسألهما عن حاليهما، أن تسألهما عما يحتاجان إليه إلى آخر ما يمكن أن تسمى الزيارة التفقدية، هذه الزيارة لها معنى كبير عند الوالدين، وثمة فرق بين ولد يزور متفقداً باحثاً ملبياً، وبين آخر يتفقد عبر الهاتف فحسب أحياناً، وبين آخر لا يتفقد وإنما في أحسن الأحوال يتفقد عبر وساطة أخواته أو إخوته أو ما يسمع عن والديه من جيران والديه...، الزيارة دليل من أدلة بِرِّك بوالديك، وزيارتهما أيضاً بعد مماتهما، ولا تقولن بأن هذه الزيارة ما تنفع ؟ هي تنفع وأنت مأمور بها وعليك أن تزورهما لكي تعلم من بعدك أن هذه الزيارة رمز ودليل أولى حتى يزور من بعدك آباءهم وأمهاتهم في حياتهم، الزيارة للأموات بحد ذاتها نافعة وممتازة وهي في نفس الوقت معلّمة من باب أولى عن طريق فحوى الخطاب كما يقول علماء الأصول، وهذا ما فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في صحيح الإمام مسلم فلقد زار سيدي رسول الله قبر أمه فبكى وأبكى من حوله. وقال: (زوروا القبور فإنها تذكركم الموت). هذا الدليل والبرهان والحجة والمظهر السادس.

سابعاً: النفقة السخية عليهما، اليوم وكلنا يعلم ما تنفقه على ولدك، وولدك لا يحتاج إلى هذا الذي تنفق، ما تنفقه على ولدك يفوق ما تنفقه على والدك بأضعاف مضاعفة، من منا ينفق على والده أكثر مما ينفق على ولده ؟ من منا يا إخوتي يبحث عما يحتاج إليه والده أكثر مما يحتاج إليه ولده ؟ ولدك بحاجة إلى نفقه أنفق عليه، هذا واجب وفرض عليك ولكن إياك أن يكون إنفاقك على ولدك على حساب إنفاقك على والدك، النفقة السخية، ولذلك أضفت كلمة السخية، ولم أتركها هكذا، قلت وأكدت النفقة السخية، لما جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في سنن أبي داود وقال: يا رسول الله إن والدي يجتاح مالي – يعني يهجم على مالي، يأخذ من مالي وهو يقبل بكليته على مالي – فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القول المعروف: (أنت ومالك لوالدك، ثم قال إن أولادكم من أطيب كسبكم) حتى ولو أخذ والدك كل مالك فأنت من أملاك والدك، أرأيت إلى الرقيق، الرقيق لا يملك شيئاً لأن الرقيق ملكٌ لسيده، وأنت أكثر من رقيق بالنسبة لوالدك شئت أم أبيت، إن لم نضع مثل هذه المعاني في أذهاننا فلن نفلح ولن ننجح. اليوم مجتمعنا مجتمعٌ قاسٍ قائم على العقوق، فيه بعض البر لكن هذا البعض لا يكفي من أجل أن نسمي مجتمعنا مجتمعاً باراً، الولد يعق أباه، والبنت أمها والأخت أختها وكل ذلك مبعثه من العقوق للوالدين فنحن مجتمع عقوق وكلٌ منكم بينكم وبين نفسه يقول نعم وأنا أعتقد أن جميعنا يعاني من هذه القضية وبالتالي من عانى من العقوق لا يمكن أن ينتج، ولا يمكن أن يحسن أحواله في ميدان الأخلاق لأن العقوق رذيلة الرذائل كالظلم بل العقوق أشد صورة لتجلي الظلم، ولذلك مجتمعنا لن يكون متطوراً ولا متحسناً من الناحية المادية ولا من الناحية المعنوية ما دام يتصف بالعقوق.

المظهر الثامن لاعتبارك باراً بوالديك: الصدقة عنهما بعد وفاتهما، أحد الحضور سألني في الأسبوع الفائت إن ماتا فماذا أفعل ؟ ها أنذا أقول لك الزيارة للقبر، ثم الصدقة عنهما وعلى روحهما، ومن منكم اليوم يتصدق هكذا يقول صدقة "محرزة" الواحد منكم يخرج من جيبه خمس ليرات، عشر ليرات، مئة ليرة لا أكثر ولا أقل، وبعدها يقول هذه عن والدي، ويقول للذي يأخذها منه: اقرأ الفاتحة لروح والدي ووالدتي وجدي وجدتي و... وتوصيات ويعطيه ألف ليرة هذا ليس بكثير. أن تتصدق عنهما صدقة سخية، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في البخاري ومسلم وقال: يا رسول الله إن أمي اختلست نفسها - يعني ماتت فجأة - وأراها لو تكلمت قبل أن تموت لتصدقت أفأتصدق عنها ؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (نعم تصدق عنها). وفي حديث آخر عن سعد بن عبادة أنه كان غائباً عندما توفيت أمه فسأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هل ينفعها شيء يا رسول الله إن تصدقت به عنها ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (نعم) فقال يا رسول الله - هنا بيت القصيد - أشهدك أن حائطي هذا صدقة عليها. جاء ذلك في البخاري.

ضع نفسك مكان سعد وتخيل أن والدتك توفيت وأنك سألت شيخاً نفس السؤال الذي سأله سعد فقال لك الشيخ نعم تصدق تنفعها الصدقة فهل ستتصدق أنت بمحلك الذي تملكه هنا أو هناك، هل ستتصدق ببيتك، هل ستتصدق بشيء له قيمة مادية واضحة أم أنك ستتصدق بليراتٍ تخرجها من جيبك لتضعها حيث تُعطَى شهرة، وحيث تعطى مكانة، وحيث تعطى رفعة، وتقول أريد أن يسجل اسمي مع اسم والدي ووالدتي هنا أو هنا، ونحن نعيش الآن في دنيا صغيرة، نحن نخصص كل ما نملكه لِدُنيا مستهلكة ضعيفة حقيرة ذليلة لا قيمة فيها ولا مجد فيها ولا عز فيها ولا إبداع فيها ولا إنتاج فيها، المهم أننا نعيش لِدُنيا، نأكل ونشرب ونفتخر بالأكل والشرب ونسرح ونمرح، لكننا لا نسرح ولا نمرح بعيداً وكأننا مربوطون في حبلٍ إلى جانب بيوتاتنا فنعامَل كما يعامل المخلوق من سوى الإنسان، القضية واضحة.

تاسعاً: وفاء الدين عنهما، وأرجو أن أوضح هذه النقطة، ودعوني في هذه النقطة أن أكون هنا على المنبر فقيهاً مكان الواعظ، وفاء الدين عنهما، وهذا لا ينطبق على الدَّين إذا كان لهما تركة، لأن والدك أو والدتك إذا مات أو ماتت وكان لها مال وعليها دين فالحقوق المتعلقة بالتركة قبل أن تأخذ أنت حصتك من التركة، التجهيز والتكفين ووفاء الديون وإنفاذ الوصية ثم بعد ذلك ما بقي بعد التجهيز والتكفين ووفاء الديون وإنفاذ الوصية فتتقاسمه أنت والورثة وفق ما جاء في كتاب الله عز وجل، هذه القضية لا أتحدث عنها وإنما أتحدث عن وفاء الدَّين إن لم يكن لوالديك تركة وكان عليهما دين أو على أحدهما ومات ليس له تركة ولديك مال أنت فمن البر أن توفي ديون والديك سواء كانت للعباد أو لرب العباد، إن كان والدك قد نذر فلم يوفِّ نذره وأنت تعلم ومات ولم يترك تركة، إن ترك تركة فيوفِّي من التركة ولا خير لك ولا ثواب لك في هذه القضية، نحن نتحدث إن توفي أحدهما ولم يترك تركة، وكان عليه دين، فعليك أن توفي هذا الدين إن كان لله أو كان للعباد، وقد جاء أيضاً في البخاري عن سعد بن عبادة لما توفيت أمه قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها نذر، قال سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (اقضهِ عنها). اليوم يموت أحد الناس ولم يترك تركة، ولده من الأغنياء، على الوالد ديون، يقول الولد شرعاً هل أنا مُلزم بوفاء ديون والدي ؟ أقول له: حسب الشريعة الظاهرة لا، لست ملزم أنت، لأن الذمم مستقلة، لكنني أقول له: أتريد أن تكون باراً ولا تكون عاقاً ؟ إن قال لي نعم، فأنا أقول كما قال سيدي رسول الله: اقضه عنه واقضه عنها. وفِّ دين أبيك من مالك فإن وفيت دين أبيك من مالك فأنت بار وإلا فقد ارتكبت عقوقاً.

عاشراً: من مظاهر البر أن تكرم قريب والديك وأن تكرم صديق والديك، وهذه قضية تعرفونها وتسمعون بها، ولقد أكرم سيدنا ابن عمر رضي الله عنهما رجلاً فقيل له من هذا الذي أكرمته ؟ فقال إن أباه كان وداً لعمر. لم يكن هذا الرجل المكرم من قبل ابن عمر هو صاحب الود لعمر ولكن كان والد هذا الرجل وداً لعمر. أن تكرم قريبهما وأن تكرم صديقهما، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول كما في صحيح مسلم: (إن أبر البر صلة الولد أهل ود أبيه).

أخيراً: وأعتقد أن هذه القضية بدهية لكن أريد التذكير بها، المظهر الحادي عشر: الدعاء لهما في حياتهما وبعد وفاتهما، وليس الدعاء لهما مقتصراً على وفاتهما: ﴿وقل ربِّ ارحمهما كما ربياني صغيراً﴾ الصلاة عليهما أي الدعاء لهما والاستغفار لهما هكذا وصى سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما سأله رجل من الصحابة قال: هل بقي من بر أبويَّ شيء أبرهما بعد موتهما ؟ فقال: (نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما).

يوصي الوالد أولاده يا أولادي افعلوا كذا وكونوا كذا، وصية طيبة وصية معنوية وصية مادية لكنه لم يترك تركة فعليك أن تنفذ عهد والديك، الصلاة عليهما والاستغفار لهما، قل لي بربك أنت أيها الحاضر هنا هل تدعو لوالديك سواء أكان والديك حيين أم ميتين، هل تدعو لهما عقب كل صلاة ؟ هل تتذكرهما بالدعاء في كل صلاة ؟ هل تدعو لهما في كل يوم ؟ في الصباح في المساء إذا خرجت من بيتك، إن عدت إلى بيتك، إذا ذهبت إلى عملك، إذا عدت من عملك، أم تنتظر أن يأتي يوم الجمعة لتؤمِّن على دعاء الخطيب وهو يدعو لوالديك، وحسبك هذا، أما ولدك أما وظيفتك أما مالك أما من سوى الوالدين فالدعاء مفرق وموجه لله عز وجل من أجل كل هؤلاء ما عدا الوالدين ؟ لأننا قطعنا الصلة بين الوالدين وبيننا، بين الآباء والأمهات وبيننا، نحن نريد الآن عودةً إلى المجتمع المترابط، ولن يكون المجتمع مترابطاً وهذه الكلمة الفاصلة إن كان في المجتمع عقوق منتشرٌ وشائع، صدقوني أيها الإخوة.

أنت أيها الولد في نهاية الحديث إن لم تكن باراً بوالديك فأنت ملعون مَن كنت، كن من شئت فإن كنت عاقاً لوالديك فلا قيمة لك، كن مَن شئت سواء أكنت صاحب منصب أو كنت عالماً أو كنت غنياً، كن مَنْ شئت وما شئت فإن كنت مع هذا الذي أنت عليه عاقاً فلست بشيء، وإن كنت باراً فأنت على شيء عظيم مَن كنت في نظر الناس، أعني من حيث الصغر في المنصب والمال فأنت شيءٌ كبير وأنت على شيءٍ كبير.

اللهم إني أسألك أن توفق أبناء مجتمعنا من أجل أن يتحلَّوا بالبر للوالدين، بالبر لله عز وجل، للبر بالمجتمع، بالبر للوطن، من لا يعرف بر الوالدين لا يعرف بر الوطن، والوطن أم، ونحن بحاجة إلى أن يبر الواحد منا وطنه، لكننا نؤذي وطننا ونؤذي أبناء وطننا بالاتهام، بالضياع، بقلة الانتباه، بعدم القيام بالواجب حق القيام، لأننا فقدنا معنى البر عندما كان يجب أن يتجه للوالدين، فاللهم وفقنا لكل ذلك، نعم من يسأل أنت، ونعم النصير أنت، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 2/4/2010

التعليقات

شاركنا بتعليق