آخر تحديث: الجمعة 26 تشرين الثاني 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
في ذكرى الجلاء نتذكر مسؤولياتنا نحو الوطن

في ذكرى الجلاء نتذكر مسؤولياتنا نحو الوطن

تاريخ الإضافة: 2010/04/16 | عدد المشاهدات: 2862

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

يحتفل بلدنا غداً بعيد الاستقلال أو بعيد الجلاء، وعيد الجلاء يومٌ وطني بامتياز، فلقد أبعدَ إخوتنا وأجدادنا رحمهم الله وجزاهم عنا كل خير، أبعدوا الاستعمار البغيض وأزالوه عن أرضنا، لذلك آمل من كل أولئك الذين يعيشون على أرض هذا الوطن أن يكونوا أوفياء للوطن، وأن يجددوا العهد مع وطنهم في هذا اليوم، أن يجددوا العهد معه من أجل أن يقوموا بمسؤولياتهم نحوه، أن يجددوا العهد معه من أجل أن يبقى الوطن في العين وفي القلب، وإذا ما سألني أحدكم عن مسؤوليته تجاه الوطن فإني قبل أن أعدد هذه المسؤوليات لابدَّ من أن أشير إلى ضرورة إكمال مسيرة الإجلاء وليس الجلاء فقط، لأن الإجلاء يتضمن معنى المجاهدة، ومعنى بذل الجهد، ومعنى بذل الفعل.

آمل أولاً قبل أن أتحدث عن مسؤولياتك حيال وطنك أن نتابع مسيرة الإجلاء لنخرج من أرضنا ومن جولاننا العدوَّ الإسرائيلي البغيض، فالجولان قطعة من سورية كما تعلمون، وعلينا أن نتابع مسيرة الإجلاء لنبعد ونزيح هذا العدو الرابض على أرضنا على جولاننا.

ألستم تتحدثون عن عدوٍ محتل، وتتحدثون عن جهادٍ يواجه المحتل، وتتحدثون عن محتل احتل أراضينا، فلنتحدث عن متابعة مسيرة الإجلاء فيما يخص جولاننا، لأن الجولان - وأكرر - جزءٌ من أرضنا، هذا ما أردت أن أشير إليه قبل الحديث عن مسؤولياتنا نحو وطننا، وأحب أن أبين لكم أيضاً الفرق بين الوطن والأرض، فالوطن أرضٌ يتمتع مَن عليها بالحرية، فإذا كانت الأرض والذين هم عليها لا يتمتعون بحرية، فلا فرق بين أي أرض وتلك الأرض التي تعيش عليها، لا يمكن للوطن أن يكون وطناً إلا إذا كان الذين يعيشون على أرضه أحراراً بكل ما تعنيه هذه الكلمة، أحراراً في ضمائرهم، أحراراً في عقيدتهم، أحراراً في فكرهم، أحراراً في عملهم، لا بد أن يكونوا أحراراً في التعبير عن آرائهم، وإلا لا تسمى الأرض التي يعيش عليها ناسٌ غير أحرار لا يمكن أن تُسمَّى وطناً، فيا أبناء الوطن نحو الحرية فلنمضِ، نحو الحرية فلنسعَ.

قيمة القيم عند الإنسان هي الحرية، "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ؟"، علينا أن نتابع مسيرة الجلاء من أجل الجولان، وعلينا أن نستشعر أن أُسَّ الوطنية هي الحرية، وعلينا أن نخاطب كل من على أرض الوطن بغضِّ النظر عن حجم مسؤولياته: إن لم تَسْعَ لحريةٍ تكتنفك وتكتنف الآخرين فلن تكون مخلصاً للوطن، مزية الوطن في حرية مواطنيه وفي حرية مَن على أرضه، وإذا فُقدت الحرية فُقد الوطن.

أما مسؤولياتنا نحو الوطن فهي ثلاث كلمات لا أكثر ولا أقل، وأريد أن تتشكَّل هذه المنظومة في أذهاننا، لأنه غلب على المتدينين منذ أمدٍ غير قصير ألا يتكلموا في الوطن، وغدا الحديث عن الوطن حديثاً عن السياسة، وثمة فرق كبير بين الوطنية والسياسة، أنا لا أريد حديثاً من المتدينين عن السياسة، لكنني أريد حديثاً جاداً عن الوطن، لأن الوطن أمانة في عنقك، ولأنك مسؤول عنه، ومن قتل دون أرضه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، وهل الأهل إلا الوطن، وهل الوطن إلا الأهل، وهل الجار إلا الوطن، وهل الأسرة إلا الوطن، وهل الوطن إلا الأسرة... وهكذا دواليك. وعمِّم هذا على كل مفردات الوطن الذي تعيش فيه. المدرسة وطنٌ، والأسرة وطن، والجامعة وطن، والوطن مدرسة، والوطن أسرة، والوطن مسجد، والمسجد وطن، والشارع وطن، والحديقة وطن... وهكذا عمم على كل مفردات الأرض التي تعيش عليها والتي تسميها وطناً.

مسؤوليتك عن الوطن في ثلاثة أمور:

الأمر الأول: الحب، ومن لم يحبَّ وطنه لا يمكن أن يكون مأموناً، من كَرِهَ وطنه، من وُصِفَ بأنه غير محب لوطنه لا يمكن أن يكون مأموناً. محبة الوطن يجب أن ترتكز في قلبك، اسمع النبي العظيم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، واسمع عن حبّه وطنه، عن حبه مكة، فمكة موطنه، يوم أُخرج قال الكلمة العظيمة الرائعة كما جاء في الترمذي وسواه وهو يخاطب مكة: (والله إنك لأحبُّ بلاد الله عندي، ولولا أن قومك أخرجوني ما خرجت). وسمع سيدي رسول الله رجلاً يُدعى أُصَيلاً يتغنى بمكة، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في الطبراني: (إيهٍ أُصَيل، أبكيتني، وإني لمكة لمشتاق). ولما ذهب إلى المدينة وهاجر إليها وغَدَت المدينة موطنه أحب المدينة فقال: (اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناءَ أبناءِ الأنصار، ولو سلك الأنصار فجاً وسلك الناس فجاً آخر لسلكتُ فجَّ الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناءَ أبناءِ الأنصار) اقرؤوا هذا في السيرة الصحيحة الموثوقة. هل تحب بلدك ؟ إذن فأنت تقوم بجزءٍ من المسؤولية التي نتكلم عنها، أحبَّ بلدك أيها المواطن، ومن لم يحب وطنه لا خير فيه، لأن الوطن أهل، لأن الوطن هو المدرسة، والمدرسة هي الوطن، ولأن الوطن هو المسجد، مسجدك جزءٌ من وطنك، بيتك جزءٌ من وطنك، وهكذا دواليك.

الأمر الثاني: الحماية، أن تحمي وطنك من أمرين، من شرين، من مكروهين: من مكروهٍ مادي يصيب مظهر الوطن، ومن مكروهٍ معنوي يصيب معنى الوطن، ويصيب حقيقة الوطن. عليك أن تحمي وطنك من العدو، عليك أن تحمي وطنك من الفقر، عليك أن تحمي وطنك من الأوساخ، عليك أن تحمي وطنك من التلوث، عليك أن تحمي وطنك وأرضه من الإسراف، عليك أن تحمي وطنك من العبث فيه، عليك أن تحمي وطنك من الاستهتار، عليك أن تحمي وطنك من الهدر، عليك أن تحمي وطنك من كل ما يؤذي مظهره، أوَلم تسمع بحديث المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم الوارد في الصحيحين: (الإيمان بضعٌ وسبعون شعبة، فأعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) والطريق في وطنك، والطريق في مدرستك، والطريق في جامعتك، والطريق في متجرك، والطريق حيث تعمل، والطريق حيث تدرس وحيث تصلي، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم حضَّنا على أن نحمي أوطاننا من الأذى ومن المكروه المادي والحماية من المكروه المعنوي، عليك أن تحمي وطنك من الحقد، من الغش، من الحسد، من البغضاء فيما بين المواطنين، عليك أن تحمي وطنك من الكذب، عليك أن تحمي وطنك من الفساد الأخلاقي، من الانحلال الأخلاقي، عليك أن تحمي وطنك من كل ما يؤدِّي إلى سوء العلاقة بين المواطنين من فساد ذات البين: (ألا أخبركم بأفضل) هكذا قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما في أبي داود والترمذي (ألا أخبركم بأفضلِ من درجة الصلاة والصيام والصدقة ؟ صلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة)، وزاد الترمذي: (لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين) عليك أن تحمي بلدك من شرٍ معنوي يصيبك، من هذا الذي ذكرنا من الاختلاف المؤدي إلى النزاع: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا تختلفوا، فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا) ونحن الآن في طريقنا إلى الهلاك لأننا مختلفون، واختلافنا أدَّى إلى تنازعنا، ولأننا متنازعون ونحن فاشلون ونحن خائبون وهذه حالنا تدل علينا، الحماية من مكروهين، من شرين، من شر مادي يصيب مظهر الوطن، ومن شر معنوي يصيب حقيقة الوطن، هذا هو الأمر الثاني في المسؤولية.

الأمر الثالث: الرعاية، لا يكفي أن تحمي، ولكن عليك أن ترعى، عليك أن تقوم بحركة إيجابية تجاه الوطن في مظهره، وفي مخبره، عليك أن ترعى الوطن، أن ترعى تجارته وصناعته، أن تكون عاملاً صالحاً مُجداً في عملك، في تجارتك، في صناعتك، في زراعتك، نريد وطناً راقياً متطوراً في الزراعة والصناعة والتجارة والتعليم، نريد وطناً متطوراً في كل ميادين المظهر.

وعليك أن ترعى وطنك فيما يتعلق بالمخبر أيضاً، نريد وطناً متطوراً في كل ما يتعلق بالحقيقة، نريد وطناً متطوراً مرعياً في علمه، نريد وطناً يُؤسَّس على علم وعلى معرفة، نريد وطناً أخلاقياً يتمتع المواطنون فيه بأخلاقٍ عظيمة، نريد وطناً في ماديته نظيفاً، وفي معنويته طاهراً عفيفاً، نريد وطناً نرعاه في كل المجالات، لأن الوطن في النهاية أمانة، وستُسأَلون يوم القيامة عن أماناتكم، لأن الوطن بينكم وبينه عهد: ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم﴾ لأن بينك وبين الوطن عقداً: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾، ولأن بينك وبين الوطن عهداً، ولا إيمان لمن لا عهد له، ولأن بينك وبين الوطن  عقداً، ولا إيمان لمن لم يرعَ حرمة عقدٍ أبرمه. مع من أبرمته ؟ مع وطنك الذي قدّم لك الشيء الكثير، أنت صاحب وطن، والوطن أعطاك عيشاً، الحمد لله الذي آوانا فكم لا مأوى له ؟ الوطن أعطاك مأوى، لا سيما هنا في بلاد الشام، أعطاك الوطن انتماءً جميلاً خيراً معطاءً كريماً، ففي بلاد الشام البركات من الله عز وجل تمطر ليل نهار: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله﴾، و: (الملائكة باسطة أجنحتها على بلاد الشام)، فالوطن أعطاك انتماءً، أعطاك مأوى، أعطاك أرضاً، أعطاك هذا الذي تنعم به، فلمَ لا ترعى هذا الوطن ؟

لا أريد أن أُعدِّد ما الذي يجب أن نقوم به، ولكنني أريد أن أحدد: حب، حماية من مكروه مادي ومن مكروه معنوي، من أذى مادي ومن أذى معنوي، رعاية في ميدان المادة، الصناعة والزراعة والتجارة والاقتصاد، ورعاية في الميدان المعنوي في التعليم والتربية والتهذيب والأخلاق والسياسة النظيفة والعلاقات بين المواطنين القائمة على الأمن، علينا أن نُشعِر المواطنين بالأمن، علينا أن نزرع بين المواطنين في أرضنا الأمن والإيمان فيما بيننا، زرع الأمن والإيمان فيما بيننا قضية وواجب ومسؤولية في أعناقنا أساسية، واليوم لا يشعر الواحد منا بالأمن مع مواطنه حتى في المسجد، لأنه إن لم يخف من يده لتبطش به، فإنه يخاف من لسانه لينتهك عرضه بعد أن يتركه يخاف من لسانه، يخاف من يده، يخاف من إشارته، لأننا تنابذنا بالألقاب، واغتاب الواحد منا أخاه، وأصبحنا نمشي بالنميمة على عكس ما يجب أن نقوم به حيال وطننا.

لا أريد ذكر المثالب، أعود للتأكيد على الإيجابيات والمحاسن، حبٌ وحماية ورعاية، وقد عرفتم التفصيل فاجعلوا ذلك في ذهنكم ورقة عمل من أجل أن يستهدي بها كل واحدٍ منا حيث كان، إن كنت مدرساً في مدرستك، وإن كنت مدرساً في جامعتك، وإن كنت طبيباً في عيادتك، أو مهندساً في مكتبك، أو محامياً أو قاضياً أو تاجراً أو عاملاً أو موظفاً أو وزيراً أو مديراً أو ضابطاً أو جندياً أو رئيساً... فالكل معنيون بيوم الوطن، وهو يوم الجلاء، يوم الوطن، ينبغي أن نفكر بمسؤولياتنا نحو هذا الذي أمرنا أن نقوم بمسؤولياتنا نحوه، نحو الوطن بأمانة، بإتقان، بولاء، باقتدار.

اللهم وفقنا من أجل أن نكون دعاة امن وأمان وإيمان، ووفقنا من أجل أن نرعى أوطاننا وأن نحميها وأن نحبها وأن نتوجه إليها بالخدمة، لأننا حينما نقوم بخدمة الأوطان فإننا نرضي بذلك الديَّان، نعم من يسأل ربنا ونعم النصير إلهنا، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 16/4/2010

التعليقات

د. رضوان الكردي

تاريخ :2010/05/19

من خلال استقرائي لتاريخ حركات التحرر وجدت ان العلماء العاملين هم من استنهض همم الرجال والابطال حتى ثاروا ضد المحتل وفي سوريا كان دور العلامة بدر لدين الحسيني والعلامة الشيخ علي الدقر والاشمر وصحبهم من العلماء بارزا في صنع الحرية ومقاومة الاستعمار. بارك الله بسماحتكم وجعلكم القدوة الصالحة للجيل ليبقى الوطن محميا من كل ما يؤذيه ، ترشدون الجيل وتربونه نحو المواطنة الصالحة.خطبة تاريخية تسجل باحرف من نور بماء الذهب ، تطبع في القلب وتؤثر في الجيل وتصحح مساره. د. رضوان الكردي - الاردن

شاركنا بتعليق