آخر تحديث: السبت 04 ديسمبر 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
عبر ودروس من ذكرى الإسراء والمعراج

عبر ودروس من ذكرى الإسراء والمعراج

تاريخ الإضافة: 2010/07/09 | عدد المشاهدات: 2692

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

عشنا الأسبوع الماضي ذكرى الإسراء والمعراج، والذكرى - ولا سيما حينما تكون ذكرى لحادثة جرت أو أجراها ربنا عز وجل على يد سيد، بل هو سيد السادات صلى الله عليه وآله وسلم - لها مستويان: المستوى الأول نسميه مستوى المعرفة، أو مستوى التذكر، ويمكن أن نطلق عليه مستوى إعادة إنتاج المعرفة بهذه الحادثة لهذه الواقعة، وهذا المستوى ربما نحن في غفلة عنه. فمن منا حين تمرّ ذكرى الإسراء والمعراج، أو حينما تمر ذكرى غزوة بدر على سبيل المثال، أو حينما تمر ذكرى المولد النبوي الشريف، مَنْ منا في أيام هذه الذكرى يُعيد إنتاج معرفته بهذه الواقعة التي حلَّت ذكراها في ذاك اليوم ؟ هل رجعتَ أيها المسلم، وحدّثني بربك، هل رجعت إلى كتابٍ في السيرة النبوية، في الحديث الشريف من أجل أن تعيد تذكر هذه الحادثة وتذكر هذه المعجزة ؟ هل قرأتَ يوم الأربعاء أو يوم الخميس أو يوم الثلاثاء هل قرأت هذه القصة من مصادرها الموثوقة وأنت المسلم المعني بهذه الذكرى ؟ ولعلك حينما تسمع بأن المسجد الفلاني أو المدينة الفلانية لم تحتفل بهذه الذكرى ربما أنكرتَ عليها، لماذا أراك منكراً على غيرك وبالنسبة لك لا تحاول أن تقوم بواجباتك الملقاة على عاتقك ؟ ما بالك أصبحت تنكر على السِّوى ولا تنكر على نفسك ؟ أصبحت تتعدّى بالإنكار نفسك وأهملت نفسك في أن تأمرها بالمعروف وتنهاها عن المنكر ؟

بكل اختصار، للذكرى مستوىً يُسمى مستوى إنتاج المعرفة، إعادة إنتاج المعرفة بهذه الذكرى، آمل، ولكي نكون عمليين أن ننطلق اليوم أو في الغد من أجل أن يسترجع كلٌ منا معرفته وأن يعيد إنتاج معرفته بهذه الذكرى، لأنك إن سُئلت الآن من قبل إنسانٍ مواطن يدين بغير الإسلام، لو سألك عن الإسراء والمعراج، عن هذه القصة، وأنت المسلم المنتسب لصاحب المعجزة على أنه نبيك ورسولك وعلى أنه متبوعك، لو أن هذا الإنسان سألك بالله عليك كيف ستجيب، ونحن معنيون في تصدير ما يجب أن نصدره من معرفة بتاريخنا وتاريخنا وسيرة نبينا وسيرة أصحاب نبينا وسيرة... إلخ.

المستوى الثاني تابع للمستوى الأول، إن لم تُعِد إنتاج معرفتك بالذكرى فلا يمكن أن تتحقق بالمستوى الثاني، المستوى الثاني هو: الاعتبار. بعد أن تتعرف وتعرف تستطيع أن تعتبر، وإن لم تعرف فكيف تعتبر، إن لم تُدرك ولم تتعرف وتعلم هذا الذي جرى فكيف تعتبر ! أنا أظن بأننا ننتظر إنساناً يأتينا من الفضاء يحدثنا بما يريد أن يحدثنا، وربما حدّثنا أشياء لا أساس لها من الصحة من حيث الثبوت، ننتظر هذا، ننتظر خطبة الجمعة من أجل أن يحدثنا الخطيب على رأيه أو على طريقته، وحتى بالنسبة لهذا الذي نستمع إليه عبر التلفاز أو لهذا الخطيب الذي نحضر عنده خطبة الجمعة، أو الدارس الفلاني، حتى في هذه الأحايين فلسنا من أولئك الذين يتمتعون بصفة طلب العلم بشكل جاد، نأتي ونحن في أتم الراحة وأتم التكاسل، أحياناً نستمع، وما يَعلق في أذهاننا يَعلق، وما لا يعلق لا نسأل عنه، إن حدثت هنالك فجوات في الحديث فلا يهمنا ولا نحاول أن نرمم هذه الفجوات التي تحدث، اقرؤوا ما أنتم تدّعون أنكم تنتمون إليه، اقرؤوا سيرة نبيكم، اقرؤوا الحوادث التي نحتفل بذكرياتها وذكراها في هذه الأيام وفي الأيام القادمة، وإلا فلا تلوموا انعتاق الأجيال القادمة من هذا الدين، والانعتاق لن يكون دفعة واحدة، وإنما سيكون الانعتاق من هذا الدين والتمرد على هذا الدين شيئاً فشيئاً، وخطوة فخطوة، لأننا لم نضبط الانتماء بالنسبة لنا فلن يضبط الجيل القادم انتماءه إن لم يرى منتمين يضبطون انتماءهم ضبطاً صحيحاً قوياً متيناً لا شك فيه ولا شبهة ولا ريب.

من بعض عبر هذه المعجزة:

العبرة الأولى: تعلمون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أُسري به من مكة المكرمة إلى بيت المقدس بواسطة البراق، وأعطي البراق رمزية، هذه الرمزية: كلٌ منا يمتلك براقاً من أجل أن يَسري به إلى الهدف المنشود، أنت أيها الطالب عليك أن تسري ببراق العلم إلى هدفك المنشود إلى وطنك من أجل أن تحسّنه، لأن بيت المقدس درّة الشام، وأنت تعيش حول بيت المقدس المنطقة التي باركها الله عز وجل، فعليك أيها الطالب أن تسري إلى وطنك إلى بلاد الشام، إلى بيت المقدس ببراق العلم، وأنت أيها الغني عليك أن تسري إلى بيت المقدس وإلى بلاد الشام وإلى وطنك ببراق المال، أن تخدم وطنك بالمال. نحن أمة نحاول أن نجعل الوطن يخدم مالنا، لا أن نخدم بمالنا الوطن، نحن أمة اليوم نريد من الوطن أن يخدم أشخاصنا لا أن نخدم نحن بما أوتينا من مقدرة وقوة وطننا، كلنا إن سُئل عن الشام قال بأنها مباركة، أين رعايتكم لهذه الشام المباركة ؟ أتريدون أن تحدّثوا الناس عن بركة الشام من خلال أحاديث وردت، حتى إذا نظر هؤلاء المحدثون عن الشام إلى الشام وجدوها خالية من البركة، وجدوا الجهل مستحكماً فينا وفيها، وجدوا الفقر يجوب فضاءاتها وأرضها وسماءها، ووجدوا الجهل يعشّش فيها، ووجدوا التسيّب يخيم عليها، ووجدوا الضياع يحكمها، ووجدوا، ووجدوا... وبعد ذلك وعلى الرغم من هذا نقف أمام الناس ونتحدث عن الشام وعن حفظ الله للشام، أين الشام  هذه التي تتحدثون عنها وعن حفظ الله لها ؟ الله يحفظها من خلالكم، من خلال عبيده، من خلال هؤلاء الذين يقولون في كل صلاة: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾، نحن نعبدك يا رب، أنتم بكم يحفظ الله الشام، فإذا كنتم لا تسعون لخدمة الشام فلن تُحفظ الشام، أتريدون من الله عز وجل أن يُغيّر سننه فيرسل ملائكة تحفظ الشام ويبقى أهل الشام على ترهّاتهم وجهلهم وضياعهم وقتالهم وعداواتهم، هذا أمر لا يمكن أن يقبله عقل عاقل ولا يمكن أن يرتاح إليه لبُّ مفكر. البراق، كلٌ منا يمتلك براقاً من أجل أن يسري به إلى بلاد الشام إلى وطنه، عبرة أولى.

العبرة الثانية: الرسول صلى الله عليه وآله وسلم صلى بالأنبياء، كلنا قرأ ذلك، ولعل هذا من منسياتكم أو من هذا الذي بقي في ذهنكم لكن بشكل ضبابي، صلى سيدنا المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم بالأنبياء، العبرة في هذا أن الأنبياء جميعاً أمة واحدة، وأننا لا ننظر إلى عيسى إلا كما ننظر إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولا ننظر إلى موسى إلا كما ننظر إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم، الأنبياء جميعاً إخوة، والأنبياء جميعاً أتوا من مصدر واحد، والأنبياء جميعاً نُبّئوا من منبئ واحد وهو الله عز وجل، وبالتالي لا نفرق بين أحدٍ من رسله، وعلينا أن ندعو أتباع كل الأنبياء إلى وحدة عقدية من خلال علم موثق صحيح ومن خلال حوار صادق واعٍ، هدفنا في النهاية أن نلتقي تحت مظلة هؤلاء الأنبياء جميعاً عليهم الصلاة والسلام.

العبرة الثالثة: تعلمون أن جبريل عليه السلام أتى النبي بإناءين، بإناء من خمر وإناء من لبن فشرب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إناء اللبن، أي الحليب، فقال له جبريل لقد اخترتَ الفطرة، ولو أنه اختار الخمر لاختار ما يمكن أن يمكن أن نسميه بالصناعة، نحن اليوم تجاوزنا الفطرة وعدلنا عن الفطرة وكبتنا الفطرة، فأنت لا تتحدث بفطرتك، وأنت لا تتكلم بتلقائية، وأنت لا تحدّث الناس بأريحيتك، بل أنت إنسان أصبحت مُصطنِعاً مُصطنَعاً، أصبحت متصنعاً تكلّم من حولك بتكلف، وتسلم على إخوتك بتكلف، وتكلم طالبك بتكلف، وتكلم شعبك بتكلف، وتكلم رئيسك بتكلف، وتكلم من حولك بتكلف، غطّيت الفطرة بغطاء كثيف فلم تعد هذا الإنسان الفطري البسيط بالمعنى الذي يقابل المعقّد، أصبحنا معقدين وسلوا أنفسكم وسلوا أيامكم وسلوا تصرفاتكم وسلوا كل أحوالكم فإنا أمة متكلفة مُعقّدة، هذا يعيش عقدة كذا وهذا يعيش عقدة كذا، الشيخ يعقّد مريديه، والأستاذ يعقّد طلابه، والطالب يعقّد أساتذته، وهكذا دواليك... هذا يعقّد المصلين بخطابه المرعب وهذا يعقد طلابه بالامتحان الذي سيأتي كالوحش الكاسر، وثالث يعقد بيته بقانون العيب، ورابعٌ يعقد مديريته بالنظام الفاشيستي القاهر، وخامس، وسادس... وهكذا يولد الطفل عندنا ويكبر فيكبر ويعقّد فيعقد إلى أن ينتهي وربما ينتهي إلى الانتحار، وكم من حادثة انتحار سمعنا بها، حوادث الانتحار نتيجة التعقيد والتعقد الذي نعيشه، اختاروا الفطرة أيها الإخوة، كلموا الناس من خلال ما يقع في دواخلكم، صارحوهم، قلت البارحة لإخوة لي بالله عليكم لو أن إنساناً جاءكم وقرع بيتكم وكلمتموه بما جاء بالقرآن الكريم فقلتم له: ﴿وإذا قيل لكم ارجعوا فارجعوا﴾ فهل سيتقبل هذا أم إنه سيعدل عن هذا ولن يتقبل ؟ كل ما أرجوه أن نعيش الفطرة وأن نتكلم من خلال التلقائية وأن نتكلم من خلال الأريحية وأن يخاطب بعضنا بعضاً بصدق وأمانة وأن نخاطب بعضنا بعضاً بصراحة ووفاء وحب وأن نعيش الفطرة في حركتنا وسكنتنا وأن نعيش الفطرة في عملنا وفي علمنا وفي علاقاتنا. لقد اخترت الفطرة وهكذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فالنبي عاش في حياته عيش البساطة التي تقابل التعقيد، كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما تروي الكتب الصحيحة يأكل كما يأكل العبد ويمشي كما يمشي العبد، يركب الحمار ويركب الفرس ويضّجع في المكان الفلاني ويكون في خدمة أهله ويرقع ثوبه ويخصف نعله وهكذا دواليك... من منا يعيش هذه البساطة المريحة وهذا التجلي لشيء في داخلنا اسمه الفطرة.

العبرة الرابعة: فرضت الصلاة في ليلة الإسراء والمعراج، وأنا أرى في الصلاة إسراءً ومعراجاً، كيف ذلك ؟ الصلاة من خلال توجهك، فأنت تسري من مكانك إلى الكعبة من خلال التوجه، وأما من خلال النية فأنت تعرج بنيتك إلى ربك، فالصلاة إسراءٌ من حيث التوجه ومعراجٌ من حيث النية، تصلي لربك عز وجل، تعرج بنيتك إلى ربك وتتوجه إلى الكعبة: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾ فأنت بتوجهك تسري إلى الكعبة ولكن بنيتك تعرج إلى ربك، فما أجمل التوجه، وأعظِم بهذا العروج بالنية إلى ربك، إذا دخلت صلاتك فقل قبل الدخول نويت أن أصلي لربي واستحضر بيت الله العتيق أمامك متوجهاً إليه على أنه السَّمت وعلى أنه الدريئة، تتوجه إليه وتعرج إلى صاحب البيت بنيتك، فنحن نحتاج إلى صلاة صادقة في التوجه وخالصة في النية. واغتنم الفرصة أخيراً من أجل أن أقول لشبابنا: أتريدون راحة نفسية ولعلي لم أذكر في الأسبوع الماضي الشخصية السابعة التي يظللها الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (ورجلٌ ذكر الله خالياً ففاضت عيناه)، أريدكم أيها الشباب أن تصلوا ركعتين لله عز وجل من غير الفريضة خاصتين من أجل أن تحققوا من خلال هاتين الركعتين صِلة أكبر بربكم عز وجل حتى تستقووا بربكم، استحضروا الاستعانة بربكم، استحضروا فضل ربكم عليكم، استحضروا مثولكم أمام الرحمن الرحيم، أمام من خلقكم فأحبكم، أمام من أوجدكم فأرادكم خلفاء له، صلوا ركعتين بهذه النية لله عز وجل، لأن الصلاة ستعينكم على الحياة، واستعينوا بالصبر والصلاة عندما تكون الصلاة صلة بالله عز وجل حقيقية، استعينوا بالصلاة لصلتكم بربكم، فنحن اليوم نعيش غفلة، ونعيش تقهقراً، ونعيش انهزاماً، ونعيش تخاذلاً، ونعيش عداوات فيما بيننا، ومن بعض ما يصلحه هذا الذي نعيشه الصلاة، الصلاة التي أصفها أمامكم، الصلاة التي تعني تقوية الصلة بالله، التي تعني أن تقف مع الله عز وجل، وأن تبكي وأن تذكره وأن تفيض عيناك بالبكاء خالياً، وأن تقول كما قال سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل الإسراء والمعراج: (إلى من تكلني، إلى عدو يتجهَّمني، أم إلى قريبٍ ملكته أمري، إن لم يكن بك غضبٌ علي فلا أبالي ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك التي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك).

اللهم إني أسألك أن توفقنا من أجل أن نعتبر بعد أن نتعرف، وأن نعيد إنتاج معرفتنا بكل الذكريات الجميلة العظيمة التي تمر بنا وعلينا والتي نمر عليها وبها، إنك أكرم مسؤول، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 9/7/2010

التعليقات

شاركنا بتعليق