آخر تحديث: الجمعة 26 تشرين الثاني 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
قواعد في علاقة الأب مع بناته

قواعد في علاقة الأب مع بناته

تاريخ الإضافة: 2010/07/23 | عدد المشاهدات: 3164

أما بعد،  فيا أيها الإخوة المؤمنون:

طلب مني أحد المصلين الأسبوع الفائت أن أحدثكم عن علاقة الأب بابنته حصراً،  وليس عن علاقة الأب بأولاده، وفعلاً وجدت الموضوع هاماً، ووجدتُ الأمر يحتاج إلى إيضاحٍ وتساؤل، وسأبتدئ بالتساؤل فأقول مخاطباً الذين رزقهم الله عز وجل ببنتٍ أو ببنات: كيف تتعامل أنت أيها الأب مع ابنتك ؟ هل ثمة قواعد تمشي عليها، وهل هناك أسسٌ تتعامل من خلالها معها أو معهن ؟ كلنا يعلم - إن بكثرة أو بقلّة - أن بعضاً من الآباء يظلمون بناتهم، يمنعون الميراث عن بناتهم، لا يأخذون رأيَ بناتهم في الزواج، يتعاملون معهنَّ كأنهن ما زلن في سنٍ صغيرة حتى ولو بلغت الواحدة منهن الأربعين، لا ينظرون إليهن على أنهن كالذكور في أخذ الرأي والمشورة إلى آخر ما يمكن أن نتحدث عنه من أمورٍ ما أظن أن عاقلاً يرضى بها، فضلاً عن أن الإسلام يرضى بها.

أتريدون أمراً محدداً حتى تنظروا أنفسكم فيما إذا كنتم تطبقونه أو لا، وإذا ما كنتم تطبقونه فعليكم أن تزدادوا، وإذا كنتم لا تطبقونه فعليكم العدول عما أنتم عليه لتطبقوه ؟

علاقتك أيها الأب بابنتك، وربما ينطبق هذا على الأخ في علاقته مع أخواته ومع أخواته، عندما تفقد تلك الأخت الوالد والأب.

العلاقة ينبغي أن تكون كما يلي:

أولاً: عليك أن تتوجه نحو ابنتك بالحب وليس بالمداراة، بالحب الحقيقي الذي ينبع من القلب، وإياك أن تصطنع معها الحب اصطناعاً فستُدرك ذلك، وسترفض هذا الحب المصطنع. لا تحب الفتاة من أبيها أن يحبها حباً مصطنعاً، وترفض أن يعطف عليها من غير حب، وترفض أن يداريها، ولكن أحبها لأنها بضعة منك، أحبها لأنها فلذة كبدك، أحبها لأنها القطعة الأغلى منك وفيك، اسمع كلمة النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما قال كما جاء في مسند الإمام أحمد: (فاطمة بضعة مني يسرُّني ما يسرها، ويريبني ما يريبها) فهل أنت تقول هذا لابنتك، هل تقول لابنتك أنتِ بضعة مني، يسرني ما يسرك يا ابنتي ويزعجني ما يزعجك ويسوءني ما يسوءكِ، أم أنك لا تلتفت إلى كل هذه البنت التي تعيش في كنفك وفي بيتك. كان أحمد بن حنبل رحمه الله إذا وُلدت له بنت يقول لأخواتها: يا بناتي الأنبياء هم آباء البنات. يرفع من شأنهن، لأنه بهن يعتبر نفسه وريث الأنبياء. هذا أمرٌ أول، أحبَّ ابنتك حباً غير مصطنع، لا تدارِها، بل أحبها، لا تعطف عليها عطفاً سُحِب منه الحب، ولكن أحبها حباً صادقاً من قلبك.

الأمر الثاني: يقولون في المثل العربي: "كل فتاة بأبيها معجبة". أطلب منك أن تبادل ابنتك الإعجاب، حدِّثها عن أمر جميل فيها وأبدِ إعجابك بهذا الأمر الجميل، كما تُعجب بك عليك أن تعجب بها، بادلها هذا الإعجاب، فتش عن أمرٍ حميد، فإذا كانت الأمور الحميدة كثيرة فيها فالقضية سهلة والأمر سهل، وإن كانت الأشياء الجميلة قليلة فيها ففتش عنها وركِّز عليها وأظهر إعجابك بها إذا كنت تريد أن تكون ابنتك معجبة بك، قضية محددة، أمرٌ محدد.

ثالثاً: عليك أن تتوجه إليها بتربية رحيمة رفيقة رقيقة، عليك أن تربّيها برفقٍ، عليك أن تربيها وأنت تصدّر إليها كل إمكانيات اللطف عندك، وإلا فلن تكون أباً وفق الشريعة الإسلامية، ولن تكون أباً على قياس هذه الشريعة الحكيمة، ولن تكون أباً مُعتَبراً عند الله وعند رسوله. يقول سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في صحيح الإمام مسلم: (من عالَ) أي تكفَّل مادة ومعنى (من عال جاريتن حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين في الجنة). وجاء في الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من عال ثلاث بنات أو مثلهن من الأخوات) ولذلك بدأت حديثي فقلت هذا الكلام موجه للأب أو للأخ الكبير: (من عال ثلاث بنات أو مثلهن من الأخوات فأدبَّهن ورحمهن حتى يغنيهن الله أوجب الله له الجنة، فقال رجل: أو اثنتين ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: واثنتين) قال الراوي ولو قال رجلٌ أو واحدة لقال النبي أو واحدة.

الأمر الرابع: إياك أن تؤثر الذكور عليهن، اليوم في مدينتنا وفي ريفنا وفي كل هذا القطر نسمع كثيراً أن بعض الآباء أعطوا ما لديهم من أموالٍ للأولاد الذكور، أما الإناث فلا نصيب لهن في مال أبيهن، هذا ما جرت عليه عادة كثيرٍ من الآباء في أيامنا في وقت يُتَحدّث فيه عن تكريم المرأة وعن تقدير المرأة: (من كانت له أنثى فلم يئدها ولم يُهنها ولم يؤثر عليها ولده أدخله الله الجنة) هكذا يقول صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في سنن أبي داود. هل تؤثر ولدك الذَّكر على الأنثى ؟ إذن لن تكون من الذين يدخلون الجنة ؟ هل تؤثر ولدك في المال أو في البسمة أو في العطاء أو في الرحمة أو في المعاملة ؟ هل تفضل ولدك الذكر على ابنتك إذن فأنت آثم شئت أم أبيت. يروي سيدنا أنس رضي الله عنه يقول: رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم رجلاً دخل عليه ولده، أي الذكر فقبله ووضعه على ركبته، ثم دخلت عليه ابنته، أي الأنثى فقبلها وأجلسها بجانبه، أي لم يجلسها على ركبته. فغضب النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال: (ما سوَّيت بينهما).

وكلنا يقرأ ما ورد في الأدب المفرد للبخاري من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (كان إذا دخلت عليه فاطمة ابنته رضي الله عنها وأرضاها قام لها ورحب بها وقبلها وأخذ بيدها فأجلسها مكانه) من منكم يقوم لابنته إذا دخلت عليه ؟! من منكم يفعل هذا مع ابنته التي ربما أصبحت جدة ؟! من منكم يفعل هذا مع ابنته الصغيرة أو الوسطى أو الكبيرة ؟! من منكم يقدّر ابنته هذا التقدير ؟! حدثوني بربكم عن عصرٍ تدَّعون فيه أنكم تقدّرون المرأة وتعطونها حقوقها وهذه حقوق ابنتكم وبناتكم وليست حقوقاً لامرأة لا نعرفها ولا تعرفونها، هكذا كان يفعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

الأمر الخامس: أن تعوِّدها المصارحة، عوّدوا بناتكم المصارحة حتى تكونوا بالنسبة لهنّ الملاذ والموئل، علموهن الصراحة والمصارحة وإذا ما أردن أمراً فليكن إليكم انتم أيها الآباء، لكننا نرى اليوم آباء لا يلتفتون إلى بناتهم، وإذا ما أرادت البنت أن تتحدث عن أمر يخصها بصراحة أمام والدها، إذ بوالدها يقطّب جبينه وينتشر العبوس في وجهه، وإذ بوالدها يلتفت إلى أمها ليقول للأم ربِّي ابنتكِ، لا يريد من ابنته إلا أن تكون كتلة مادية لا تتحرك إلا إذا حركها هو بذلك الجهاز الذي بيده، علّم ابنتك المصارحة: ﴿يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾ صارحت بنت شعيبٍ أباها بموقفها من هذا الشاب القوي الأمين الصادق، رأت منه هذا، مَنْ مِنَ البنات اليوم تستطيع أن تعبّر عن وجهة نظرها بإنسان معها رأته، وهل تَسمحُ لها أيها الأب أن تحدّثك عن إنسانٍ رأته في المدرسة أو في مكانٍ ما ورأت فيه الأخلاق والإسلام والطُّهر والنبل والقوة والأمانة: ﴿يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين﴾، لا زلنا جاهليين في هذه العلاقة مع بناتنا شئنا أم أبينا. الجاهلية تحكمنا.

أخيراً: حاول أيها الأب العطوف أن تشارك وأن تشرك ابنتك في اختيار زوجها، إذا ما طلب أحدٌ يد ابنتك فخذ رأيها واتفق وإياها على صفات هذا الذي ترضى به وترضى به أنت: (إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوِّجوه) اليوم أرى كثيراً من الآباء يتحدثون بأسماء بناتهم من غير أن يأخذوا رأي بناتهم، يطلب أحدٌ من الناس ابنتك، ابنتك لا تعلم عن هذا الذي يطلبها شيئاً، فأنت تقول له وأنت في جامعك أو في متجرك أو في مكتبك تقول له موافق، وأقدّم لك ابنتي هدية. وهل غدت ابنتك شيئاً مادياً حتى تقدّمها هدية ؟ مَن الذي أتاح لك وأباح لك أن تقول هذا الكلام ؟ يتقدم هذا الأب المغوار في رأيه الشَّهم حسب اطِّلاعه وتفكيره فيقول قبلت بك وسأزوجك ابنتي، وتأتي أنت إلى بيتك لتقول لابنتك يا بنيّة زوجتك رجلاً جيداً شهماً، وهو ابن صديقنا، وعليها أن تقول نعم من غير أن ترفض ولو واحد بالألف، عليها أن تقبل وأن ترضى وأن تفرح وألا تعارض وألا تسأل، فإن سألتك عن عمله أو عن ثقافته أو عن دينه فأنت لها بالمرصاد، ستجيبها: لا تحدثيني، ما تعلمنا هذا، اسكتي، وتتوجه إلى أمّها باللوم وربما بالضرب، وأنت الذي تزعم بأنك مسلم وترتاد المساجد وتستمع الخطب وتقرأ القرآن وتستمع إلى أحاديث تروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

يا أخي الكريم:

الحب، ومبادلة الإعجاب، والتربية باللطف والرحمة، وعدم إيثار الذكور عليها، وتعويدها المصارحة، ومساعدتها في انتقاء شريك حياتها وزجها. هذه بنود وقواعد من أجل أن تتعامل من خلالها مع ابنتك، فإن أحسنت تطبيقها فنِعمَّا ما تفعل، وإن أسأت تطبيقها فلست بالأب المنشود، ولست بالأب المرضي عنه من قبل إسلامنا وديننا وقرآننا.

أسأل الله عز وجل أن يوفقنا من أجل أن نكون على مستوى ديننا في تعاملنا مع بناتنا وأولادنا وأرضنا وشعبنا وتجارتنا وصناعتنا وكل شيء حولنا ومن حولنا وما حولنا، إن ربنا على كل شيء قدير، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 23/7/2010

التعليقات

شاركنا بتعليق