آخر تحديث: السبت 04 ديسمبر 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
ملامح الموقف السلوكي حيال القرآن

ملامح الموقف السلوكي حيال القرآن

تاريخ الإضافة: 2010/08/20 | عدد المشاهدات: 2451

بمناسبة سفر فضيلة الدكتور الشيخ محمود عكام إلى الجزائر للمشاركة في بعض الفعاليات العلمية، ألقى الدكتور علي محمود عكام خطبة الجمعة في جامع التوحيد بالنيابة عن فضيلته. وفيما يلي نص الخطبة:

أما بعد، فيا أيها الإخوة الصائمون القائمون إن شاء الله:

لسفرٍ عرَض له شرَّفني سيدي ومولاي ووالدي إذ أنابني منابه وأقامني مقامه في هذا اليوم الأغر بين أيديكم، والله أسأل له عصمة وتوفيقاً وسداداً وفلاحاً ونجحاً في مهمته ودعوته وممشاه، وفي حله وترحاله، والله أسأل أن يرده إلينا موفور الأجر والعافية.

أيها الإخوة الأحبة:

روى غير واحدٍ عن الإمام علي كرم الله وجهه أنه قال مخاطباً الناس ذات يوم: "اعلموا أيها الناس أن القرآن هو الناصح الذي لا يغش، والهادي الذي لا يَضل ولا يُضِل، والمحدِّث الذي لا يكذب، وما جالس أحدٌ القرآن إلا قام عنه بزيادة أو نقصان، زيادة في هدى أو نقصان في عمى، واعلموا أنه ليس على أحدٍ بعد القرآن فاقة، ولا لأحدٍ قبل القرآن غنى، فاستشفوه من أدوائكم، واستعينوه على لأوائكم - أي على شدائدكم - فإن فيه شفاءً من أكبر الداء وهو الكفر والغي والضلال بل فيه شفاءٌ من عموم الأدواء، ألا وإن كل حارث مبتلى في حرثه وعاقبة أمره غير حرثة القرآن فكونوا من حرثته وأتباعه واستدلوه على ربكم واستنصحوه على أنفسكم واتهموا عليه آراءكم، عايروا عليه آراءكم".

حيال هذا النص البليغ تتزاحم على الشفاه أسئلة لها ما يبررها، ثم هي لا تخلو من وجاهة إن لم نقل هي ضربٌ من التعبد الواجب تجاه هذا القرآن العظيم، لماذا القرآن ؟ وعلام الاهتمام به ؟ ولأي شيء نلازمه ؟ وما الغاية المنتظرة من وراء ذلك كله ؟ ثم ما هو هذا القرآن الذي نؤمن به ؟ ما حدّه ؟ ما تعريفه الذي يتيح لنا الوقوف على خصائصه ومزاياه ؟ وبعد ذلك ما هي ضرورته بالنسبة إلينا نحن المؤمنين وما ضرورته بالنسبة للإنسان عموماً بقطع النظر عن نسبته الدينية ؟ وتأسيساً على ما سبق كيف ينبغي أن نتعاطى هذا القرآن وعلى أي وجه نتناوله ونتدارسه ونصاحبه إن في مستوى الاعتقاد أو في مستوى السلوك ؟

أما مستوى الاعتقاد تجاه هذا القرآن العظيم فلعلنا نعالجه ونفيض فيه في موقفٍ آخر، وأما مستوى السلوك تجاه القرآن فهو ما نروم الحديث عنه في هذا الموقف لوجود مناسبته أولاً، فنحن في رمضان شهر القرآن، ولوجود قدرٍ كافٍ من الاعتقاد الراسخ لدينا نحن المؤمنين بقداسة هذا القرآن، هذا القدر يصح أن نبني عليه أو أن نفرِّع عليه ملامح الموقف السلوكي الواجب تجاه هذا القرآن العظيم، والأصل كيف ينبغي لنا أن نستمسك بالقرآن العظيم وعلى أي وجهٍ نمسّك غيرنا به، فيا أيها الإخوة المؤمنون بهذا القرآن العظيم كتاباً محكماً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه منزل من حكيم حميد، موقفكم إزاء هذا القرآن العظيم يتبدى في دائرتين اثنتين، دائرة الفرد ودائرة الجماعة أو المجتمع أو الأمة، سمِّها ما شئت.

الدائرة الأولى دائرة الفرد، ملاكها ثلاث أدواتٍ واجبة متتالية يفضي بعضها إلى بعض وعليها درج العارفون والمصلحون ودأبوا عليها في كل عصر وفي كل زمان، يروى عن أبي عبد الرحمن السلمي رحمه الله أنه قال: "كنا نتلو الآية من كتاب الله فلا نتجاوزها إلى غيرها حتى نقيم ما فيها من علمٍ وعمل، فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعاً". القرآن أولاً والعلم ثانياً والعمل ثالثاً. ثلاث أدوات واجبة عليك أيها الإنسان باعتبارك فرداً تجاه القرآن العظيم لخصها سيدي ومولاي في ثلاثة أمور: تلاوة، قراءة، تدبر.

أما التلاوة فهي باختصار إحسان النطق، أن تحسن نطقك وتجويدك لهذا القرآن العظيم، التلاوة: ﴿إنما أمرت أن أعبد ربَّ هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء وأمرت أن أكون من المسلمين. وأن أتلو القرآن﴾ هكذا يقول الله عز وجل على لسان نبيه في كتابه العزيز. التلاوة أن تحسن نطقك وسائر ما يتعلق بتجويد اللفظ وتجويد الكتابة وتجويد التدوين لهذا القرآن العظيم.

الأداة الثانية الواجبة: القراءة، والقراءة باختصار هي إحسان الفهم: ﴿فاقرؤوا ما تيسر من القرآن﴾ أنت تقرأ القرآن إذن أنت تفهمه، أنت تُقرؤه غيرك إذن أنت تفهمه غيرك.

أما الأداة الثالثة فهي التدبر، والتدبر باختصار هو إحسان التطبيق، وهو المرحلة الأهم من بين تلك المراحل: ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالها﴾ التدبر هو التنزيل العملي والترجمة الحية لهذا الذي تلوته وقرأته من قبل، لهذا الذي جودته وفهمته، أنت لن تكون متدبراً للقرآن حتى تحسن معايشة القرآن، حتى تعايش غيرك من خلال القرآن العظيم، تلك هي القضية وتلك هي المرحلة الأهم الواجبة عليك أنت أيها الفرد أيها الإنسان حيال هذا القرآن العظيم. الخلاصة تلاوة وقراءة وتدبر، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما يروي ابن عساكر وغيره أنه قال: (تعلموا ما شئتم أن تعلموا فلن ينفعكم الله حتى تعملوا بما تعلمون). هذه هي الدائرة الأولى.

أما الدائرة الثانية فهي دائرة المجتمع أو قل دائرة الأمة، وفيها واجب جمعي عليكم جميعاً انتم أيها الناس يا من تنتمون لهذا القرآن يا من ترفعون هذا القرآن شعاراً لكم في كل محفل وميدان، عليكم بالإضافة واجبٌ جمعي جماعي مجتمعي تجاه هذا القرآن العظيم، وعلى المجتمع في هذا الباب أن يضع أموراً في سياساته في استراتيجياته إن صح التعبير أموراً تكون أشبه بالدساتير والأصول العظمى.

أولها: القرآن مصدر معرفتنا في كل الأمور الدنيوية منها والأخروية كلٌ بحسب ما جاء القرآن به، فإذا ما قال القرآن قولاً وقال غيره قولاً آخر فعلى الأمة وعلى المجتمع المسلم أن يتبنى مقولة القرآن وأن يبني عليها معارفه وتراثه، فإن في هذا القرآن كما أنبأنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في حديث الترمذي في هذا القرآن خبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم وحكم ما بينكم. هذا أمرٌ أول.

الأمر الثاني: القرآن نصُ حضارتنا، ولا حضارة من غير نص، لأن الحضارة التي من غير نص يحكمها ويضبطها حضارة قلقة، حضارة يشوبها الفوضى أو تهددها الفوضى وتهددها المصالح والمطامع وأي نص أرفع وأجل من هذا النص المحفوظ المقدّس ؟ لكننا ينبغي أن نعي بهذا الصدد أنه بقدر مقاربتنا لهذا النص العظيم بقدر انفتاحنا على هذا النص تكون نسبة التحضر فينا، فلننظر ما نسبة انفتاحنا على هذا القرآن وما نسبة تعقلنا له حتى ندرك كم هي نسبة التحضر فينا فإن الله عز وجل كما يخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في حديث مسلم: (إن الله عز وجل يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين)، هذا أمرٌ آخر.

الأمر الثالث: القرآن مُلهمٌ وموحد لجهود الأمة، محورٌ لجهود الأمة يوضبها يقارب بينها يوحد وجهتها وهو معتصمٌ يعتصم به الناس ويُديرون عليه اتجاهاتهم، ونحن نؤمن بأنه ليس لغير القرآن قدرةٌ على توحيد صفوف البشر، ونعني أن القرآن وحده هو القادر على أن يكتشف فيكم أيها المختلفون نقاط التلاقي والمساواة في كل مواقع الاختلاف والتنوع، حريٌ إذن بكم أن تستمسكوا بهذا القرآن أن تصيخوا لقول الله عز وجل وهو يخاطب نبيه: ﴿فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم. وإنه لذكرٌ لكي ولقومك وسوف تسألون﴾ إنه لذكرٌ لك ولقومك ولأمتك إنه شرفٌ ومجدٌ وحضارة لك ولقومك وسوف تسألون أنتم أيها الناس عن هذا القرآن العظيم، استمسكوا بهذا القرآن وليمسّك بعضنا بعضاً بهذا القرآن وليدعُ كلٌ منا غيره إلى هذا القرآن فإن في ذلك الصلاح والإصلاح كله: ﴿والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين﴾.

الأمر الرابع: القرآن موئلٌ وملاذ نفسيٌ من كربات الدنيا وأكدارها، نعم، موئلٌ نفسيٌ وملاذٌ وكهفٌ وحرزٌ ومأمنٌ من كربات الدنيا وأكدارها: ﴿يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاءٌ لما في الصدور﴾ هذا القرآن شفاءٌ لما يعتلج في الصدور ولما يختلج في القلوب من همومٍ وأكدارٍ ومن هموم ومصائب ونوائب: ﴿وشفاءٌ لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين﴾.

يقيننا نحن المؤمنين أنه ما اجتمع قومٌ في بيت من بيوت الله كما يخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في حديث مسلم: (ما اجتمع قومٌ في بيت من بيوت الله – أو في أي بيت كان في أي مكان كان لأن القيد ها هنا خرج مخرج الغالب أو هو زيادة للتعظيم وليس قيداً للتخصيص – يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم إلا غشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده) وأي طمأنينة أجلُّ وأرقى من أن تكون مذكوراً عند الله عز وجل، بل يقيننا أيضاً نحن المؤمنين أن هذا القرآن مراحٌ وملاذٌ وموئلٌ حتى لذاك الذي لا يؤمن به، واسمعوا معي قول الله عز وجل حيث يقول: ﴿وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه﴾ لأنه إن سمع كلام الله سيكون في مأمن مادي ونفسي ولكن شريطة أن يصيخ السمع إليه بصفاء طوية ونزاهة فكر، إن أصاخ السمع لهذا القرآن وكانت طويته صافية وكان فكره نزيهاً سوف يجد في هذا القرآن ملاذاً ومأمناً وكهفاً: ﴿وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قومٌ لا يعلمون﴾ لم يعلموا هذا القرآن بعد ولم ينفتحوا عليه.

خامساً: القرآن شفيعٌ لنا، شفيعٌ لكم شفيعٌ للمجتمع شفيعٌ للأمة، شفيعٌ للإنسانية كلها غداً بين يدي الله عز وجل يوم تعنو الوجوه للحي القيوم، ويوم يخلو الله عز وجل بكل واحدٍ منكم ليس بينه وبينه ترجمان حينها ستكون للقرآن نجدة وشفاعة، إي وربي، وأي نجدة وأي شفاعة سنحتاجها حتماً صدقوني، وقد ورد أنه ما من شفيعٍ أعظم عند الله عز وجل من القرآن، وفي ابن حبان يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (القرآن شافعٌ مشفع وماحلٌ مصدق – أي وخصمٌ مصدَّق – من جعله إمامه قاده إلى الجنة ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار) تلك هي المسألة، إن هذا القرآن كائنٌ لكم شرفاً وكائنٌ لكم ذخراً، وكائنٌ لكم عزاً، فأكرموا كتاب الله ولا تهينوه فإن الله مكرمٌ من أكرمه ومهينٌ من أهانه.    

هذه هي خلاصة واجباتكم أيها الناس حيال كتاب ربكم يا من آمنتم بهذا الكتاب وأيقنتم انه من عند الله، هذه هي خلاصة واجباتكم أفراداً وجماعات وفي حدودها الدنيا أيضاً إذ إن لهذا القرآن في أعناق الناس فضلاً وحقاً لن يطيقوا ولا يطيقوا له مكافأة ولا أداءً ولا يحيطون به علماً ولكن أما وإن الزمان زمان قرآن، أما وإن الشهر شهر رمضان فلتكن مثل هذه الأيام فرصة حقيقية ولنجعل منها مناسبة حقيقية لتدارك التواصل مع هذا القرآن العظيم ولتلافي التقصير والتفريط حياله ولتقرأه أنت ولتستعن بربك وأنت تقرأه، اقرأه باسم ربك الذي خلق فإنك إن قرأت هذا القرآن مستعيناً بالذي أنزله فإن الذي أنزله سيعينك على فهمه وتفهمه، وسيفتح دونك مغالقه وأسراره، وسييسر لك فهمه الذي ربما تستعسره، ولكن الذي أنزله سيكون معك سيصاحبك وسيعلمك كما علّم الأنبياء والناس من قبلك الأسماء كلها، فاستعنه يعنك ويلحظك ويلازمك ويفتح عليك.

أيها الإنسان: إن هذا القرآن هو كتابك هو شعارك هو منهجك مهما تعالى أو تواضع قدرك وقدر ثقافتك، إن هذا القرآن لا يزال يضمر في آياته وفي طياته بعداً إعجازياً اليوم وبعد اليوم وإلى المستقبل، إن هذا القرآن العظيم هو المعجزة الوحيدة التي كلما تنامى عقل الفرد وربما تعاظمت حكمته وكلما تكامل المجتمع وتطور كان قادراً على أن يدرك إعجازه وعظمته بمستوى أعمق وأدق وأكبر بحيث يجعله ذا أثر بالغٍ في المجتمعات المتقدمة ذات النظرة الواقعية ربما بنحو أكثر منه أثراً في المجتمعات البسيطة ذات النزعة والنظرة التسليمية.

إن هذا القرآن ليس معجزة كسائر المعجزات، ليس معجزة توقدت منذ ألف وخمسمئة عام في كبد السماء هكذا ثم خمدت بمجرد أن اتجهت إليها الأنظار، إن هذا القرآن ينبوعٌ فياض تفجر من باطن الأرض أو تنزل من قدسية السماء ليظل رواؤه وينبوعه فائضاً وفياضاً على الإنسانية كلها في كل عصر وفي كل مصر ولتزدحم على ضفافه زمر الباحثين عن الحق والحقيقة يردونه دائماً بلهفة مضاعفة وباشتياقٍ مستمر وبظمأ لا يروى، إن هذا القرآن يدخر لمستقبله أكبر مما ادخره في ماضيه والله عز وجل ينبئنا هذا بصراحة ووضوح: ﴿ولتعلمن نبأه بعد حين﴾ إن معجزة القرآن الكريم في حالة صيرورة وتحقق مستمر والقرآن معجز ومدهش اليوم وغداً كما كان معجزاً ومدهشاً في أول عهد الناس به: ﴿ولتعلمن نبأه بعد حين﴾.

أخيراً: أيها الناس، أيها المؤمنون، يا أمة القرآن ألا يا أهل القرآن لستم على شيء حتى تقيموا القرآن وحتى تقيموا ما فيه من تعاليم وتوجيهات ومراشد وحتى تقيموا ما فيه من أوامر ونواهٍ، ألا يا أهل القرآن هذا كتابكم: ﴿لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم أفلا تعقلون﴾ فيه ذكركم فيه حضارتكم فيه سيادتكم فيه تنميتكم فيه رقيّكم أفلا تعقلون والمفعول مقدّر محذوف أي أفلا تعقلونه أفلا تباشرونه بعقولكم كما تباشرونه بألسنتكم ؟ ورمضان فرصة ومناسبة كما قلت بداية، والقرآن فيه كما يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحاكم والدارمي وغيرهما القرآن في هذا الشهر مأدبة الله، فاقبلوا من مأدبته ما استطعتم.

اللهم عرّفنا قدر قرآنك العظيم وناسب بيننا وبينه كيما نستحق نزوله ومقامه بين أظهرنا اليوم، علّنا نليق بشفاعته غداً يوم العرض عليك، نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 20/8/2010

التعليقات

شاركنا بتعليق