آخر تحديث: الإثنين 19 أغسطس 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
الوفاء بالعهود

الوفاء بالعهود

تاريخ الإضافة: 2010/12/24 | عدد المشاهدات: 2436

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

إن مما يمتاز به الإنسان على غيره، إن مما تمتاز به أنت أيها الإنسان عن غيرك أن لك عهداً وعقداً، أي أنك تستطيع أن تتخذ لك عهداً وأن تعقد العقد، في حين أن المخلوقات الأخرى لا يمكن لهم أن يتخذوا عهداً ولا أن يعقدوا عقداً، لذلك قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ التي عقدتموها، وقال تعالى: ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها﴾ والفرق بين العهد والعقد أنك في العهد تقوم بينك وبين نفسك، تأخذ العهد على نفسك وربما أخذت العهد على غيرك، لكن العقد تقوم بعقده بينك وبين آخر مثلك، فهل اتخذت عهوداً، وهل عقدت عقوداً ؟ خبرني عن عهودك وعقودك، هل وفيت عهودك وعقودك امتثالاً لأمر الله عز وجل واستجابة لفطرتك الإنسانية ؟ وها أنذا أذكرك ببعض العهود ولا شك في أنك اتخذت هذه العهود، وسترى بعد إذ أذكرك أنك فعلاً اتخذت هذه العهود لكننا ربما كنا مقصرين بالوفاء بمثل هذه العهود.

العهد الأول الذي اتخذته، وأعتقد أنك اتخذته لكننا قد نكون مقصرين فيه: العهد الأول الذي اتخذناه مع ديننا، أولم تتخذ العهد مع دينك ؟ لعلك تسألني وما مضمون هذا العهد مع الدين ؟

أعتقد أن عهدك مع دينك ينطوي على أمرين اثنين:

الأمر الأول: اتخذت العهد مع دينك على أن تلتزم به عن معرفة: ﴿إذ قلتم سمعنا وأطعنا﴾ سمعنا أي عرفنا، وأطعنا التزمنا، اتخذت العهد مع دينك على أن تلتزم عن معرفة فهل أنت ملتزمٌ عن معرفة بدينك ؟ هل أنت تصلي عن معرفة ؟ هل تصوم عن معرفة ؟ هل تزكي عن معرفة ؟ هل تبيع وتشتري أيها التاجر على أساس من معرفتك دينك ؟ أنت أيها الموظف هل تقوم بعملك على أساس من معرفة بأحكام دينك المتعلقة بأحكام وظيفتك ؟ الالتزام عن معرفة، هذا أول مضمون للعهد بينك وبين دينك الالتزام عن معرفة، تأكد من هذا.

الأمر الثاني: ألا تبتدع في دينك، ألا تزيد في دينك وألا تنقص من دينك، ولذلك قال سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في مسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) مردودٌ عليه، عهدك مع دينك ينطوي على أمرين: الالتزام عن معرفة، وألا تبتدع في هذا الدين شيئاً من عقلك، عليك أن تكون منضبطاً بما جاء به الدين وبما صحت نسبته عن هذا الدين، وإلا فأنت تعمل عملاً ليس عليه أمر هذا الدين وسيُرَدُّ عليك، وفي رواية أخرى: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌ) انظر مضمون عهدك مع دينك هل تقوم بالوفاء بهذا العهد - بالله عليك - بينك وبين نفسك حاسب نفسك، بينك وفي خلوتك حاسب هذه النفس وتلك الذات، فلربما كنا خائنين للعهد ولا ندري، أو ربما كنا ندري، ولكننا نمعن بالمخالفة لأننا نعيش اليوم أو يعيش بعضنا ولا أعمم بوحي من أوهامنا، بوحيٍ من ترهاتنا، يظن أن هذا الأمر منسوبٌ للدين والحال أن الأمر لا يمتُّ إلى الدين بصلة، تأكدوا من أفعالكم.

أريد أن أذكر أمراً ثانياً اتخذت العهد معه، فهل وفيت هذا العهد وأعطيته حقه من الوفاء، مع دينك أولاً، وثانياً مع وطنك: أنت مواطن، أنت تعيش في هذا الوطن، فهل أنت اتخذت العهد مع هذا الوطن ووفيت هذا العهد ؟ ما العهد الذي يجب أن نتخذه مع الوطن ؟ هذا العهد ينطوي على أمرين اثنين:

الأمر الأول: الحماية، أن تحمي وطنك من كل مكروه، أن تكون قائماً على حماية وطنك من المستعمر من الأذى من كل ما يؤذي هذا الوطن، لأن إماطة الأذى عن أرض الوطن من شعب الإيمان، أوليس النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في الصحيح: (الإيمان بضعٌ وسبعون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) ؟ والأذى الذي يُراد إماطته هو أذى مادي وأذى معنوي، أوليس النبي صلى الله عليه وسلم قال كما في سنن أبي داود والنسائي: (من قُتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد) والأهل والمال وطن، الوطن يضمّ أهلك ومالك ويضم بيتك الذي تملك وأهلك الذين يحوطون بك، فهل اتخذت العهد مع الوطن وهل قمت بالوفاء بهذا العهد من حيث الحماية ؟

وأما الأمر الثاني: فالرعاية لهذا الوطن، ورعاية الوطن بناؤه، ورعاية الوطن عمارته، ورعاية الوطن تحسين زراعته، ورعاية الوطن تحسين صناعته، ورعاية الوطن تحسين تجارته، ورعاية الوطن تحسنٌ وتقدمٌ وازدهار، وهذا كله ناتجٌ عن الحب، كان سيدي رسول الله يحب وطنه، أوَما سمعتم وقرأتم ما جاء في السيرة النبوية لابن هشام وسواه، وعن ابن اسحاق وسواه: عندما هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة وقف ينظر إليها ويقول وعينه تدمع: (والله إنك لأحب بلاد الله عندي، ولولا أن قومك أخرجوني ما خرجت). أحبَّ رسول الله وطنه، أحب بلده، أحب مكة وأحب المدينة، وإذا أحببت وطنك فسترعاه فستفديه فستحافظ عليه فستصونه، إذا أحببت وظنك فستكون خادماً له من أجل أن يرقى الوطن ومن أجل أن يكون هذا الوطن عزيزاً متقدماً حراً كريماً مجيداً، وإلا فأنت خائنٌ للعهد مع وطنك.

العهد الثالث: الذي أريد أن أذكره في هذا اليوم مع المواطنين مع كل المواطنين، عهدك مع المواطنين من كان منهم مسلماً ومن لم يكن مسلماً، العهد مع المواطنين يقوم على أمرين أيضاً:

الأمر الأول: يقوم على الاعتراف بالحقوق والواجبات، لهم ما لنا وعليهم ما علينا، هكذا قرر سيد الكائنات المواطن الأصدق في حياة الأمم صلى الله عليه وآله وسلم، الاعتراف المتبادل بالحقوق والواجبات.

والأمر الثاني: الاحترام المتبادل فيما بيننا، اسمعوا ما يقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن كما جاء في البخاري ومسلم: (ذمة المسلمين واحدة يجير عليهم أدناهم، فمن أخفر مسلماً – أي فمن نقض ذمة مسلم – فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين)، أنت مسلم وقد جاءك ضيف من غير هذه البلاد، فقد دخل في ذمتك وذمتنا، لأن ذمتك ذمتنا، ذمة المسلمين واحدة، فلا يجوز أن أعتدي عليه ولا يجوز أن أسيء إليه لأنه جارك لأنه ضيفك. أنت تاجر وتتعامل مع إنسانٍ ما هنا وربما كان هذا الذي تتعامل معه لا يدين بدينك ولا يتمذهب بمذهبك، لكنه دخل ذمتك لأنك أنت مسلم وذمة المسلمين واحدة يجير عليهم أدناهم وأقل واحدٍ من المسلمين كأكبر واحد من المسلمين لا فرق في الإجارة في أن يجير هذا أو يجير ذاك.

الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال كما في البخاري: (من قتل معاهداً – وأبناء الوطن كلهم معاهدون بيننا وبينهم عهد المواطنة على اختلاف توجهاتهم الدينية والمذهبية – لم يُرِح رائحة الجنة، وإن رائحة الجنة لتوجد من مسيرة أربعين عاماً) وفي رواية لتوجد من مسيرة كذا وكذا.

عهدك مع المواطن اعترافٌ متبادل بالحقوق والواجبات واحترامٌ متبادل، أرأيتم إلى سيدي رسول الله عندما دوّن دستور المدينة، قال في المادة الأولى كما تروي كتب السير، قال في المادة الأولى هذا النبي الكريم سيد من يفي بالعهد وسيد من يفي بالعقد، فيا أتباع هذا السيد كونوا على مستوى اتباعكم من حيث الوفاء بالعهد والعقد، وإيانا وإياكم أن نخون العهد الذي عاهدناه مع الدين، مع الوطن، مع المواطنين، يقول سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المادة الأولى من هذا الدستور العظيم الذي وضعه بيديه الشريفتين صلى الله عليه وآله وسلم: (وأن المسلمين مع مَنْ معهم أمة واحدة على من عداهم) أمة واحدة على من عداهم ومن آذى ذمياً فقد آذاني، إياك أن تكون ناقضاً للعهد مع المواطن والوطن والدين.

فيا أيها الناس ديننا راقٍ وديننا عظيم ومبادؤنا سامية ومبادؤنا رفيعة بيد أننا لسنا على مستوى هذا الرقي لهذا الدين ولسنا على مستوى هذا السمو لهذه المبادئ التي جاءت منبثة في كتاب الله المجيد وعلى لسان السيد السند العظيم.

اللهم إني أسألك بحق هذا النبي الكريم أن توفقنا للوفاء للعهد وأن نكون من الذين لا ينقضون الأيمان بعد توكيدها، وأن نكون من الذين يقدمون كل ما ينفع الوطن، وكل ما ينفع المواطن، وكل ما يجعلنا إلى الدين أقرب، يقدمون ذلك في سلوكهم وأقوالهم.

أخي أيها المسلم أنت عاهدت ضمناً وعاهدت صراحة فهيا من أجل أن تكون وفياً بهذا العهد أولست تصلي ؟ الصلاة معاهدة، أولست تقرأ الفاتحة ؟ والفاتحة عهد بينك وبين ربك، أولست تقرأ القرآن ؟ أولست تذهب إلى الحج والعمرة ؟ الطواف معاهدة والسعي معاهدة ورجم إبليس معاهدة والوقوف بعرفة معاهدة، عاهدت ربك كثيراً، كثرت منك العهود، فهل كان الوفاء على مستوى كثرة العهود أم أن الوفاء في وادٍ والعهود في وادٍ أخرى ؟

اللهم اجعلنا من الأوفياء بعهودنا وعقودنا، تكلمنا عن العهد والكلام عن العقد متروكٌ إليكم من أجل أن تكونوا أوفياء لعقودكم التي تسجلونها والتي تمضونها بأيديكم والتي توقعونها والتي تدونونها بأيديكم كونوا أوفياء لعهودكم وعقودكم، وأسأل الله عز وجل أن نكون بهذا الوفاء ممن يستحق الرحمة والعطاء، نعم من يسأل ربنا ونعم النصير إلهنا، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت في الجامع الأموي الكبير بحلب بتاريخ 24/12/2010

التعليقات

شاركنا بتعليق