آخر تحديث: الأحد 18 أغسطس 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
سمات تلاميذ محمد صلى الله عليه وآله وسلم

سمات تلاميذ محمد صلى الله عليه وآله وسلم

تاريخ الإضافة: 2011/02/18 | عدد المشاهدات: 2418

 أما بعد، فيا أيها الإخوة المسلمون المؤمنون:

لا زلنا نعيش في رحاب الذكرى، ذكرى مولد سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

أيها الإخوة المؤمنون، أيها الإخوة المحبون لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

لو قلت لكم هل تنتسبون لمحمد على أنكم أتباع، على أنكم تلاميذ، على أنكم منتمون ؟ أعتقد أن الجواب سيكون: نعم وألف نعم ننتسب لهذا النبي وننتمي أليه.

إذا كان الأمر كذلك فالقضية لا تقف عند حدِّ الادِّعاء وعند حد الكلام، وإنما ثمة براهين وعلامات تؤكد هذا أو - لا سمح الله - تنفيه.

لقد مضى جيل كان يُسمّى وسميته بالجيل الرائد، قال بملء فمه وبملء ذراته بأنه يحب محمداً وينتسب إليه وينتمي إليه ويتبعه ويسير وراءه ويحبه، واتصف بصفات دلَّت على ذلك.

تسألونني ما الصفات التي يجب أن يتصف بها أولئك الذين ينتسبون على أنهم أتباع لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم أو على أنهم منتمون لمحمد أو على أنهم تلاميذ محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

تسمعون في المديح المنشدين يخاطبونكم يا تلاميذ محمد، أتريد أن تكون منتمياً حقاً لمحمد ؟ انظر نفسك، هل تتصف بالصفات التي استخلصتها من هذا الجيل الذي أثبت انتماءه بحق لهذا النبي والذي أكّد انتسابه بصدق لهذا النبي والذي كان تلميذاً وفياً لهذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟

اسمع مني تلك الصفات التي تؤكد انتسابك وتحقق انتماءك وتؤكد على أنك من تلاميذ محمد صلى الله عليه وآله وسلم صدقاً وحقاً.

السمة الأولى لهؤلاء الذين ينتسبون لمحمد على أنهم أتباع وعلى أنهم تلاميذ: إيمانٌ عميقٌ واعٍ، وأعني بالإيمان العميق الواعي: ﴿الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا﴾ أعني بالإيمان العميق الواعي إيماناً  لا يعرف الريب: ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾، ﴿ثم لم يرتابوا﴾ أعني بالإيمان العميق الواعي أنه ليس إيماناً سطحياً ولا تقليدياً: ﴿يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا﴾ إيمان عميق يثبت أمام التحديات مهما كان نوعها ومهما كان جنسها ومهما كان شكلها، إيمانٌ عميق كذاك الذي تحدَّى به سحرة فرعون يوم دخل الإيمان قلوبهم فقالوا وهم يسمعون التهديد والترويع والتخويف: ﴿آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أيّنا أشد عذاباً وأبقى﴾ كان الجواب إيمان منكشف من عمق ومن وعي: ﴿قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى﴾.

بلال رضي الله عنه حينما عُذّب وحينما راودوه عن إيمانه كان يقول وهو تحت وطأة العذاب: "أَحدٌ أحد". محّص نفسك أيها الإنسان يا من تدَّعي الانتساب لمحمد على أنه قائدك على أنه معلمك على أنه رسولك على أنه محبوبك، وتأكد من نفسك من إيمانك فإن كان إيمانك عميقاً وواعياً فاعلم بأنك حُزتَ الصفة الأولى من صفات هذا المنتمي الصادق.

أما الصفة الثانية: إخلاص لا يشوبه تصنّع ولا رياء، إخلاص يمتثل قول الله عز وجل: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين﴾ إخلاصٌ يمتثل فيه المخلص قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في الصحيحين: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه).

يروي ابن جرير في تاريخه وصاحب المغازي أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما قُدم عليه بسيف كسرى وحُليّه من الغنائم بكى عمر وقال: "إن قوماً أدوا هذا لذووا أمانة". قاتلوا من أجل الله ولم يقاتلوا من أجل مغنم، قاتلوا من أجل أن يكون الخير عامّاً، قاتلوا من أجل أن يكون الإنسان كريماً، قاتلوا من أجل أن يكون الإنسان حراً، لم يقاتلوا من أجل مال ولا من أجل دريهمات. أخلصوا لله في قتالهم وفي عملهم فقدموا هذه الغنائم بعفة وإخلاص فقال لهم عمر: "إن قوماً أدّوا هذا لذووا أمانة". لم يلههم بريق السيف ولا بريق الحلي. فالتفت الإمام علي كرّم الله وجهه إلى عمر فقال له: "عففتَ فعفَّت رعيتك".

أيها المسؤلون في كل مكان: إن عففتم عفت رعيتكم، أيها الباحثون عن عفة في المال، في الجنس، في الجاه، في كل مكان... أيها المدير، أيها المسؤول أتريد أن يكون من معك ممن يعمل في دائرتك وفي مديريتك عفيفاً مخلصاً ؟ إذن عليك أن تسابقه إلى العفة والإخلاص، وإلا لا يمكن للتوجيه المجرد عن الفعل والحال أن يؤثر في قلوب الرجال أو أن يؤثر في قلوب من تتوجه إليهم بالكلام.

لا تنسوا الصفات التي يجب أن يتصف بها من يدعي للانتساب لمحمد: إيمانٌ عميق واعٍ، إخلاص لا يشوبه التصنع والرياء.

الصفة الثالثة: عملٌ صالحٌ دؤوبٌ دون انقطاع، عملٌ يَصبُّ في مَصبِّ نفع الناس، انظر عملك سواءٌ أكنت تاجراً أم صانعاً أم زارعاً أم موظفاً أم طبيباً أم مهندساً أم محامياً أم قاضياً، العمل الصالح الدؤوب الذي يصب في مصب نفع الناس صفة من أرد أن يتحقق بالانتساب لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿فإذا فرغت فانصب. وإلى ربك فارغب﴾ إذا فرغت من عمل فقم لعمل آخر وتابع العمل: ﴿كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون. وبالأسحار هم يستغفرون﴾ وصفهم من وصفهم بقوله: "كانوا رهباناً في الليل، فرساناً في النهار"، وكانت تدعم فَرْسَنة النهار رَهْبَنة الليل، كانوا يعملون في النهار كله العمل الصالح المتواصل. أيها الموظف أراك تملّ بعد أن تعمل ساعة أو ساعتين تردُّ أولئك المراجعين، لا تقبل مراجعتهم وأنت في عملك، عليك أن تقبل مراجعتهم حتى ولو كان الوقت المخصص قد انتهى، فما لي أراك تردّ الناس في الوقت المحدد لعملك، أصبحنا ننام حتى الضحى بل والظهر، بله العصر، ونحن ندَّعي بأنا أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذي دعا كتاب ربه الذي أنزل عليه إلى العمل، إلى النشاط، والذي دعا هو صلى الله عليه وآله وسلم بحاله وقاله إلى ذلك. هل تعمل بشكل دؤوب ومتواصل عملاً صالحاً ينفع الناس ؟ إذن فقد حزت الصفة الثالثة من صفات أتباع محمد ومن صفات المنتمين حقاً والمنتسبين صدقاً لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم.

الصفة الرابعة الشجاعة والتضحية والثبات، ﴿الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله﴾ الشجاعة في عملك، الشجاعة في إخلاصك، الشجاعة في إيمانك، الشجاعة في حركاتك التي تتحركها، الشجاعة والثبات على المبدأ الذي اعتقدت صحته واعتقدت فيه نجاعته، الشجاعة في مواجهة التحديات في مواجهة الإغراءات السلبية والإيجابية في مواجهة الإغراءات والتخويفات، علينا أن نتحلى بالشجاعة ونحن نعمل ونحن نؤمن ونحن نتعرف.

تذكروا هذا القول الذي قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم وقف على بغلته البيضاء في غزوة حنين وقد انفضَّ عنه من انفض: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب). شجاعة، وهكذا كان أتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم الجيل الذي سميناه الجيل الرائد، كانوا شجعاناً، ما عرفوا الخَوَر ولا الخنوع، فما لي أرى الناس اليوم أصابهم الخور والخنوع، أتدرون لماذا ؟ لأن الإيمان غير عميق ولأن الإخلاص شابه الرياء والتصنع، لأن العمل لم يعد دؤوباً ولا صالحاً ولا يصب في مصبِّ خير الإنسان، لذلك أين ستكون الشجاعة إن لم يكن هنالك إيمانٌ عميق وإن لم يكن هنالك إخلاص لا يشوبه الرِّياء ولا التصنع وإن لم يكن هنالك عمل دؤوب فأين ستكون الشجاعة ؟ الشجاعة إن لم تكن مرتكزة على صفات فيك فلن تكون ثمة شجاعة، إن لم تكن مؤمناً فكيف ستكون شجاعاً ؟ إن لم تكن مخلصاً فكيف تكون شجاعاً ؟ إن لم تكن عاملاً دؤوباً صادقاً فكيف تكون الشجاعة ؟

روى ابن خلدون في كتابه التاريخ عن قتيبة الباهلي وهو يدخل الصين فاتحاً قال له قائل لقد أوغلتَ في بلاد الصين والحوادث بين أجنحة الدهر تقبل وتدبر ؟ فقال: "بثقتي بالله توغلت، وإذا انقضت المدة لم تنفع العُدة ولن تنفع العدّة". العُدّة أي العتاد، والعِدَّة أي عد الأيام.

الصفة الخامسة العلم الموثق المحقق والمعرفة الجادة، نحن نريد تلاميذ محمد أصحاب معرفة، نحن نريد أن يتذكر أولئك الذين ينتمون لمحمد أن ثمة فريضة قال عنها سيدي رسول الله في الحديث الذي يرويه ابن ماجه: (طلب العلم فريضة على كل مسلم) طلب العلم بشكل عام، نحن نريد لأولئك الذين ينتسبون لمحمد أن يتذكروا قول الله عز وجل: ﴿وقل ربِّ زدني علماً﴾ أن يتذكروا قول الله عز وجل: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ نريد أن يتذكروا قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما في أبي داود: (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل  الله له به طريقاً إلى الجنة). نريد علماً يا شباب، يا طلاب المدارس، يا أيها المثقفون. روى الطبراني في معجمه أن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إذا أتى عليَّ يوم لا ازداد فيه علماً يقربني إلى الله فلا بورك لي في شمس ذلك اليوم) فهل تتعلم في كل يوم مسألة أنت أيها القانوني، أنت أيها التجاري، أنت أيها الشيخ، أنت أيها الطبيب، أنت أيها المحامي، أيها الأستاذ، أنت أيها المدرس، أنت أيها المعلم، أنت أيها القاضي... هل تزداد علماً في كل يوم، هل تفحص وتمحّص نفسك فيما إذا كنت تزداد علماً في كل ساعة لتكون على قدم هذا النبي الكريم يوم دعا ربَّه بحاله وقاله وقال: ﴿وقل رب زدني علماً﴾ ؟ فهل أنت تدعو ربك بحالك وقالك أم أنك تقضي الأيام تقتلها تبيدها تصرعها في اللهو، في السعي في الفراغ، في التلهي مع من معك دونما جدوى بكلامٍ يمتُّ إلى السياسة الرَّعناء، بكلام يمتُّ إلى لا نفع في أحسن الأحوال، في كلامٍ يصبُّ في مصب التحليل الموهوم لسياسات أو لحركات تراها تقضي وقتك وأنت أمام التلفاز، وقلت لكم مرة إن دراسة أجريت على سكان هذه المدينة بيَّنت هذه الدراسة أن متوسط المشاهدة من قبل الناس للتلفاز أربع ساعات في اليوم ودراسة أخرى قالت إن متوسط المشاهدة للتلفاز تزداد في كل يوم أكثر من عشر دقائق أفيجوز هذا ؟ ولا تقل لي أيها الإنسان المسلم يا من ترفع صوتك قائلاً:

يا هذه الدنيا أصيخي واشهدي                 إنا بغير محمدٍ لا نقتدي

تقول هذا الكلام ثم بعد ذلك تقتدي بغيره، بل تقتدي بالأدنى والأدنى والأدنى والذي لا يعرف شيئاً عن حياته، تقتدي بأولئك الذين يضيعون أوقاتهم باللهو واللعب والفراغ، فإيانا أن نكون كذلك.

إذا أردتم أن تكونوا من تلاميذ محمد وأتباع محمد صلى الله عليه وآله وسلم فصفاتهم: إيمانٌ عميقٌ واعٍ، إخلاص لا يشوبه التصنع والرياء، عملٌ دؤوب صالح يصبُّ في خير الإنسان، شجاعة في الحق وثبات وتضحية، علمٌ صحيح سديد موثق محقق ومعرفة جادة. تلكم هي الصفات التي يجب أن يتصف بها من يدَّعي الانتساب ليتحقق، أنت تدعي فعليك أن تتحقق بعد الادعاء، هذه هي الصفات والسِّمات والعلامات والبراهين والأدلة على انتسابنا وعلى صدق انتسابنا لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم.

اللهم حققنا بذلك، نعم من يسأل أنت، ونعم النصير أنت، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت في الجامع الأموي الكبير بحلب بتاريخ 18/2/2011

التعليقات

شاركنا بتعليق