آخر تحديث: الجمعة 16 أغسطس 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
التوبة: سبيل الفلاح للدولة والشعب

التوبة: سبيل الفلاح للدولة والشعب

تاريخ الإضافة: 2011/05/13 | عدد المشاهدات: 2900

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون، يا أيها المواطنون، يا أيها الأحبّة:

لا بد في البداية كما في كل أسبوع ومنذ شهرين من أن نترحم على الشهداء، وأن ندعو للوطن بالحفظ والحماية والرعاية، وأن يؤمننا ربنا عز وجل في أوطاننا، وأن يكلأ بلادنا بعين عنايته.

أيها الإخوة: مَنْ منا لا يريد أن يكون فالحاً في الحياة ؟ ومَنْ منا لا يريد أن يكون من أولئك الذين يتَّسمون بالفلاح ؟ مَنْ ؟ ومَنْ منا لا يريد أن يحبه الله ؟ قل لي بربك: أتريد أن تتسم بالفلاح في حياتك، وأن تكون من المفلحين ؟ ثم حدثني بربك أتريد أن تكون محبوباً لربك ؟ إن كان الجواب: نعم. فها أنذا أدلك على طريق يؤدي بك إلى الفلاح، ويؤدي بك إلى أن يحبك الله، هذا الطريق وهذه الوسيلة بمكنتك واستطاعتك، وبإمكانك أن تقوم بها الآن وأنت في مجلسك، أرأيت إنها وبكل بساطة: التوبة: ﴿وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ أتريدون الفلاح ؟ إذن توبوا إلى الله: ﴿وإن يتوبوا يك خيراً لهم﴾ ألم يقل ربنا أيضاً: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾ ؟ إن أفلحت نجحت، وإن أحبك الله تولاك، أفلا تريد أن تكون فالحاً ناجحاً محبوباً لربك مُتوَلاً من قبله. نحن اليوم نُسَرُّ عندما يتولانا إنسانٌ مقتدر، عندما يتعهدنا إنسانٌ قوي، عندما يعقِد إنسانٌ ما عقداً بالتولي والعناية والرعاية، ونكون نحن موضوع هذا العقد، فما بالك إذ يتولاك ربك تولي المحب لمحبوبه: ﴿إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين﴾. أتريد أنموذجاً أعظم للذي أفلح ونجح في حياته وتولاه الله عز وجل وأحبه، إنه رسولك وحبيبك وحبيبنا ورسولنا ونبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهل ثمَّة من هو أنجح وأفلح منه، وهل ثمَّة مَنْ هو متولاً من قبل الله عز وجل أكثر منه ؟ لكن هذا الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم كان يتوب إلى الله عز وجل، أما أنت فما أظنك تتوب إلى الله كما كان سيدي رسول الله يتوب، يقول أحد الصحابة كما في الترمذي: (كنا نعُدُّ على رسول الله في المجلس الواحد مئة مرة: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم) فهل أنت تقول في مجلسك: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم ؟ هذا الرسول الذي هو الناجح، بل الأنجح، وهو المتولى من قِبَلِ الله والمحبوب كان يقول عن نفسه كما في مسلم: (يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإني أتوب إليه في اليوم مئة مرة) وكان يقول كما في البخاري: (إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة) فهل أنت تفعل هذا أم أنك في غيب وغياب عمَّا يجب أن تفعله من توبة ؟ سيدك وسيدنا وحبيبك وقائدنا كان يتوب في اليوم مئة مرة، ويستغفر الله أكثر من سبعين مرة، ويُعَدُّ عليه في المجلس مئة مرة: ربِّ اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم، فما لي أراك مقصراً ؟

ستقول لي: وممَّ أتوب ؟ وهنا تكون البلية عظيمة حينما تسألني وممَّ أتوب ؟ كلنا في هذا الوقت مُلئنا ذنوباً وآثاماً، ومن أجل ألا أكون ضبابياً في كلامي ها أنذا أتوجه إلى الدولة والشعب مطالباً إياهم بالتوبة.

أما الدولة، فيا أيتها الدولة: توبي إلى الله من الفساد والإفساد إلى الصَّلاح والإصلاح، توبي، والتوبة واجبة وعلى الفور.

أيها الشعب: تُب إلى الله من الفوضى، وما أعتقد أن أحداً يخالفني حين أقول: أيها الشعب تُب من الفوضى ومخالفة القانون إلى النظام والانضباط والالتزام بالقانون الإلهي والوضعي الذي يخص تنظيمنا وحياتنا ووضعنا، تُب إلى الله من الفوضى التي استعمرتك واستعمرت قلبك وعقلك، فنحن أمة اليوم، نحن شعب بشكل عام في العالم العربي والإسلامي عنوانه الفوضى، لئن كان عنوان الدولة الفساد، فعنوان الشعب الفوضى، توبي أيتها الدولة من الفساد والإفساد إلى الصلاح والإصلاح، أيها الشعب تُب من الفوضى إلى الانضباط وإلى الالتزام، وليحاسب كلٌ منكم الآخر بعد أن يقوم بواجبه. أتوجه إليكما معاً إلى الدولة والشعب، توجهت إلى الدولة بالتوبة من الفساد والإفساد إلى الصلاح والإصلاح، وإلى الشعب بالتوبة من الفوضى إلى الانضباط والالتزام.

أتوجه إلى الاثنين معاً لأقول لهما: توبا إلى الله عز وجل من الكسل والروتين وضياع الوقت إلى الجد والعمل، إلى معرفة قيمة الوقت، إلى النهوض بالواقع الذي نحن فيه ليكون واقعاً راضياً مرضياً، وليحاسب كل منكما الآخر بعد أن يقوم المحاسب بواجبه.

وأغتنمها هنا فرصة لأقول: أيها المواطن، لك حق طالب به وتوجه إلى حيث يُحقَّق هذا الطلب، لا أريدك أن تكلمني من أجل أن ترجع الفتاة المنقبة إلى مدرستها، قد صدر قرار برجوع المنقبات إلى مدارسهن، راجعي أنتِ بكل قوة الدائرة التي تنتسبين إليها، فلقد وجَّه رئيس الدولة مشكوراً وجَّه الوزراء من أجل أن يستقبلوا كل الناس، ومن باب أولى استقبلوا أيها المسؤولون حيثما كنتم استقبلوا كل الناس، وأنتَ أيها المواطن لك حق، عليك أن تكون قوياً بالمطالبة به بعد أن تقوم بواجبك، بعد أن تتوب من الفوضى، لا أريدك فوضوياً وتطالب بحقك وأنتَ لم تقم بعد بواجبك، لك حق اذهب إلى هذا المسؤول واقرع عليه الباب بقوة وقل: لي حق، اذهب أنت وهذا الذي يشاركك في هذا المطلب إلى هذا المسؤول المباشر، وهو سيتولى بعد ذلك الطلب من الذي أعلى وهكذا دواليك، اذهب أنت، لك مشكلة في مديرية التموين، اذهب ولكن أريدك أن تتأكد من أن طلبك حق أولاً. وثانياً أريدك أن تقوم بواجبك، أن تلتزم القانون الذي يخصك لا أن تكون فوضوياً بعد ذلك كن قوياً. يأتيني أحد الأشخاص إنسانٌ هنا وإنسانٌ هناك، اذهب أنت وبكل قوة وقف عند باب المسؤول، وإن تأخر عليك المسؤول فطالبه بالإسراع بكل أناقة وقوة، بكل انضباط وجرأة، وهذا ما يجب أن نكون عليه بعد التوبة، اذهب ولا تقل لهذا الذي بجانبك، اذهب فأنت صاحب حق بالشروط التي ذكرناها: ﴿وتوبوا على الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون﴾، لك مشكلة طالب بها بقوة، لكن أؤكد على أن تتأكد أن هذا حق وهذا لك، وعلى أن تقوم بواجبك وعلى أن تكون ملتزماً بالقانون الذي يَلفُّك ويكتنفك، وأن تكون مطالبتك بقوة وبأناقة وبجرأة وبانضباط. نحن نريد منكم ومن أنفسنا أن نكون كذلك، يأتيني هذا، ويأتيك هذا، والثالث والرابع.. اذهب يا أخي فهذا المسؤول من أجلك، من أجل خدمة المواطن، وأنت البوصلة التي على أساسها يعمل هذا المواطن، وإلا فهذا المسؤول خائن أو مقصّر، ونحن لا نريد لخائن أن يكون مسؤولاً ولا لمقصّرٍ أن يكون مسؤولاً، علينا أن نعي هذه القضية: ﴿وتوبوا على الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ نريد توبة من الدولة ومن الشعب من المواطن من كل أولئك الذي يتسلمون أمراً، نريد توبة من الطبيب من الغش ومن الطمع، نريد توبة من التاجر من الاحتكار ومن الغش، من عدم إخراج الزكاة، من عدم الصدقات، نريد توبة من الطالب من الإهمال ومن التقصير، نريد توبة من الأستاذ من الإهمال والتقصير، نريد توبة من الشيخ من الرياء ومن الممالأة إن للدولة أو للشعب، فثمة شيوخٌ يمالؤون الدولة، وثمَّة شيوخٌ يمالؤون الشعب، وكلا الأمرين مرفوض، نريد أن نتوب جميعاً، تُب أنت أيها الأب من سطوتك، تُب أنت أيها الولد من عقوقك، توبي أنت أيتها المرأة من عدم إطاعتك زوجك، تُب أنت أيها الزوج من بغضك امرأتك من أخلاقك السيئة مع امرأتك، تُب أنت أيها الموظف من تقصيرك من روتينك، من إهانة الناس الذين هم أمامك، فهؤلاء المواطنون الذين هم أمامك تكلَّم معهم كما تتكلم مع رئيس الدولة، لأن هذا المواطن ما كان أمامك إلا لأنه يمثّل الدولة ورئيسها وشعبها، يمثل الوطن كله، إياك أيها الموظف أن تحتقر مراجعاً، إياك أن تتعامل مع مراجع تعامل المستهين المستغل، إيانا، تُب أيها الإعلام من تضليلك من فسادك، تُب أيها الإعلام من غشِّك من تحريضك، تُب أيها المسؤول أيها الإنسان حيث كنت من تقصيرك من خطاياك من تقصيرك: ﴿وتوبوا على الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ وإن تبت الآن وعقدت العزم على التوبة فالله قال: ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً﴾ غفّار فعّال صيغة مبالغة، بينك وبين نفسك قل لربك: تبت إليك يا رب، وأنت ربما كنت تاجراً أو طبيباً أو محامياً أو أستاذاً أو طالباً أو صاحب إعلام أو مديراً أو وزيراً كن ما كنت وكن حيثما كنت إن تبت إلى الله الآن فالله قال: ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً﴾ التوبة ليست عزماً فقط، وإنما العزم جزءٌ من التوبة، لكن التوبة عزم وإيمانٌ وعمل: ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً﴾.

ما أجمل التوبة في رحاب الحق التواب العظيم، يا رب اقبل توبتنا ووفقنا لإيمانٍ يرسخ في دواخلنا ووفقنا لعمل صالح تنتجه جوارحنا، يا رب اجعلنا من التائبين من الشحناء والبغضاء إلى الوحدة والتعاون والألفة والمودة، هيئ لنا من أمرنا رشداً، احفظنا واحفظ بنا، وفق أبناء وطني من التوبة من الإساءة للوطن حتى يكونوا محسنين، وفقهم إلى الإحسان إلى الوطن، لأن الوطن أحسن إلينا جميعاً فلنحسن إليه، تقبل منا يا ربنا ما كان صالحاً وأصلح منا ما كان فاسداً وأصلحنا ظاهراً وباطناً، يا أرحم الراحمين، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 13/5/2011

التعليقات

سامي أحمد

تاريخ :2011/05/15

أرجو من الإدارة نشر هذا التعليق، سيدي وشيخي الكريم، وفقك الله إلى كل خير، وكما علمتمونا فإن للتوبة شروط، واسمح لي بهذا التعليق، بأن شروط التوبة بالنسبة للأفراد والشعب معروفة، أما بالنسبة للدولة فأعتقد - وهذا رأيي - بأن التوبة تتجسد فيما يلي: قيام الدولة بالتنفيذ الفعلي لإيقاف العمل بقانون الطوارئ، ومحاربة الفساد من أعلى هرم السلطة إلى أدناها، وتقييد سلطات الأجهزة الأمنية، وتعزيز حكم القانون، وحقن الدماء اللي سالت، ومحاكمة من أمر بإطلاق النار سواء على المتظاهرين أو على رجال الأمن والجيش، ومن قام بتخريب الممتلكات العامة والخاصة، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، والسماح بالحريات السياسية، فهل هذه المطالب حرام علينا؟ ونحن الدرع الحصين ضد كل أعداء الدولة، وأرواحنا فداء للوطن ولقادة الوطن الشرفاء

درعا

تاريخ :2011/05/15

أُأيِّديكم في أن على المواطن أن يطالب بإيجابية و أن لا يكون ردُّ المسؤول كردِّ عاطف نجيب و شكراً

مغترب

تاريخ :2011/05/16

السلام عليكم حضرة الدكتور محمود عكام عند أنتشار مرض السرطان في جسم الأنسان وهو في مراحلة الأولية فيمكن المعالجة بدواء لكن أذا كان الأنتشار لدرجة تصعب معه المعالجة العادية فيلجأ الى بتر المنطقة المصابة وأحيانا يكون قد أنتشر في الجسد كله فيصعب معه العلاج يا سيدي فبأي مرحلة ترى شعبنا وبأي مرحلة ترى دولتنا أنا اترك الجواب لكم وللأخوة القراء نرجو النشر لتعم الفائده

شاركنا بتعليق