آخر تحديث: الثلاثاء 10 كانون الأول 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
دروس من ذكرى الإسراء والمعراج

دروس من ذكرى الإسراء والمعراج

تاريخ الإضافة: 2011/07/01 | عدد المشاهدات: 2336

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون، ويا أيها الإخوة المواطنون، ويا أيها الإخوة المسلمون:

لا بد في البداية من أن نذكر الشهداء بالرحمة، وأن نذكر الوطن بالحفظ والحماية والأمان والهناء والرعاية والفضل، اللهم أمّنا في أوطاننا، اللهم احفظ أوطاننا، وأسألك يا رب أن تفرج عنا وأن تفرج عن المسلمين وأن تفرج عن الدنيا كلها، يا أرحم الراحمين.

أيها الإخوة: مرّت علينا وبنا منذ يومين ذكرى الإسراء والمعراج، صحيح أن خلافاً كبيراً بين علمائنا فيما يتعلق بوقت هذه المعجزة، هل كان في رجب ؟ هل كان في رمضان ؟ هل كان في السنة العاشرة ؟ هل كان في السنة الثانية عشرة من النبوة ؟ المهم أن تحديد الوقت لا يهمنا وإنما الذي نريد أن نوجه الاهتمام إليه هو أن هذه المعجزة حدثت وأسري بسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم من مكة المكرمة إلى بيت المقدس، وسجلت آية توضح هذا الذي وقع: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير﴾، ومن ثمَّ كان العروج إلى السموات العلا، عُرج بسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بيت المقدس إلى السموات العلا، وكأنّ بيت المقدس هو المطار ليعرج به إلى السموات العلا إلى سدرة المنتهى: ﴿إذ يغشى السدرة ما يغشى﴾، لا أريد ان أسرد عليكم وقائع الذكرى العظيمة فأنا أعتقد ان جلَّكم يعرف مجملها، وأنا أعتقد أن جلكم بعد هذه الخطبة سيغدو إلى كتاب سيرة موثوق من أجل أن يقرأ تفاصيلها، وسيجد الإنسان منا وهو يقرأ هذه المعجزة وقائع وأحداثاً سيجد في داخله تطلعاً ملؤه المحبة وملؤه الاشتياق وملؤه التقدير وملؤه الإكبار لهذا النبي العظيم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

أريد أن ألخص من هذه المعجزة التي مرت بنا ذكراها بعض الدروس والعبر عسانا أن نفيد من الذكريات التي تمر بنا وعلينا، فمن مرت به الذكرى من غير درس مأخوذ أو من غير عبرة يُنظر إليها على أنها درسٌ يذكّر فهذه الذكرى ستكون ضدك ولن تكون في صالحك، لذلك آمل أن نعيش الذكريات بتدبر وأن نعيش الذكريات باعتبار وأن نعيش الذكريات بتمعن وأن نعيش الذكريات من أجل أن تكون لنا دروساً وعبر.

الدرس الأول من هذه المعجزة: محّص وجهتك، رسول الله عُرج به إلى السموات العلا، أين تتجه أنت في أعمالك وأقوالك ؟ هل تتجه إلى السماء، أي إلى الله، أم تتجه إلى الأرض ؟ هل تتجه في شؤونك إلى ربك أم تتجه إلى إنسان أمامك من أجل أن ترضيه ؟ محّص وجهتك وحقق وجهتك: ﴿إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين﴾ حنيفاً يميل عن أن يوجه وجهته لغير الله، ولا يشرك مع الله أحداً سواه في وجهته وتوجّهه، فهل أنت في حركاتك وسكناتك ممن يقول بحاله: ﴿إني وجهتك وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين﴾.

وأغتنمها فرصة لأقول للمعارضة والموالاة: ما لم تتوجهوا إلى ربكم فلن يكون طريقكم سليماً، أحسنوا التوجه إلى الله واطلبوا في كل حركاتكم مرضاة الله، وقولوا في كل سكناتكم: إلهنا أنت المراد وأنت المطلوب وأنت المقصود: ﴿إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين﴾ يا رب اجعل نياتنا خالصة لك، اجعل وجهتنا إليك، اجعل توجهنا إليك يا رب ارزقنا الإخلاص، ارزقنا حسن التوجه إلى ذاتك العلية إلى صفاتك الأزلية أنت ربنا عليك اعتمدنا وعليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك توجهنا ولا نسعى إلا من أجل ان تكون أنت راضياً عنا، محّص وجهتك، هذا هو الدرس الأول.

الدرس الثاني: اطمئن إلى دينك ورسولك: إلى قرآنك ورسولك، فورب الكعبة إنه لحق، أي القرآن، ورب الكعبة إن رسول الله لحق، وورب الكعبة إن القرآن يهدي للتي هي أقوم، فيا أمة الإسلام، ويا أمة العرب، ويا أيها المواطنون هذا كتابٌ أمامكم هيا فالجؤوا إليه واطمئنوا إليه، الحل فيه، وقد قلت لكم عبر خطب سابقة الحلول المجملة العامة فيه، اطمئنوا إليه، واطمئنوا إلى هذا الرجل العظيم السيد السند الكريم محمد، فو الله إنه لرحيمٌ بكم، وإنه ليريد الخير لكم أكثر مما تريدونه لأنفسكم، إنه لأمين، إنه لصادق، إن لم يكن قلبك مطمئناً إلى دينك فلن تكون أنت ممن يمكن أن يكون مفيداً ونافعاً لمجتمعه.

اطمئنوا إلى قرآن ربكم وإلى نبيكم على أنه القدوة، روى الترمذي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما أُسري به أُتي بالبراق ليركبه ليكون في بيت المقدس، وإذ بالبراق يستصعب على النبي، فيخاطبه جبريل فيقول له: (ما حملك على هذا ؟ والله ما ركبك قط أحدٌ أكرم على الله من محمد. فارفضَّ البراق عرقاً). اطمئنوا إلى هذا النبي الذي أعلن في غزوة حنين:

أنا النبي لا كذب        أنا ابن عبد المطلب

ربكم الذي يحبكم يقول لكم: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً﴾.

يا أيها السوريون: بالله عليكم على اختلاف أديانكم، على اختلاف طوائفكم، على اختلاف أعراقكم، أدعوكم إلى القرآن إن كنتم تؤمنون به على أنه كتابٌ منزل أو لا، وأدعوكم إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم إن كنتم تؤمنون به على أنه نبيٌ أو لا، من أجل أن تفيدوا من القرآن ومن هذه الشخصية العظيمة محمد صلى الله عليه وسلم، فورب الكعبة ستفيدون من القرآن ومن محمد عليه الصلاة والسلام، اطمئنوا يا أيها الناس جميعاً إلى هذا القرآن على أنه كتاب إصلاح، واطمئنوا إلى هذا النبي على أنه رجل إصلاح ورجل رحمة ورجل خير. لذلك الدرس الثاني اطمئنوا يا ناس إلى هذا النبي. لما قيل لأبي بكر رضي الله عنه انظر صاحبك يزعم أنه أسري به في ليلة واحدة من هنا إلى بيت المقدس ونحن نضرب أكباد الإبل شهراً غدواً وشهراً رواحاً وهو يزعم أنه في ليلة واحدة غدا وراح ؟ قال الكلمة العظيمة الرائعة التي أتمنى من كل شاب بشكل خاص أن يقولها: "إن كان قالها فقد صدق". توثق، أنا لا أريد أن تسمع من هنا وهناك وأن تسلّم، أريدك أن تسمع ثم بعد ذلك أريدك أن تتوثق من أن هذا الذي تسمع صحيح النسبة إلى دينك، إلى نبيك، وبعد ذلك قلأ ما قاله أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "إن كان قالها فقد صدق". إن كان النبي قال كذا وكذا فورب الكعبة إنه لصادق وإنه لنافع وإنه لمفيد وإنه لعظيم. اطمئنوا إلى هذا القرآن وإلى هذا النبي.

الدرس الثالث: تاريخنا تاريخٌ إنساني مفتوحٌ على الإنسانية كلها، نحن لا نذكر تاريخنا ابتداءً من ظهور الإسلام في مكة، لا، تاريخنا منذ آدم، لأن رسولنا صلى الله عليه وسلم في الإسراء والمعراج التقى الأنبياء جميعاً، وصلّى بهم إماماً، التقى بآدم وعيسى ويحيى ويوسف وهارون وإدريس وموسى وإبراهيم، التقى كل الأنبياء فتاريخنا مفتوحٌ على كل المسافات الخيّرة، نحن ننتمي لكل فعلة خيرة وكل فعلة خيرة تنتمي إلينا، نحن ننتمي إلى كل فعلٍ خيّر وكل إنسانٍ خير ينتمي إلينا: ﴿لا نفرّق بين أحدٍ من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ كنت أقرأ وأنا صغير قول الله عز وجل الآية وكانت مخطوطة هنا في هذا المكان: ﴿وافعلوا الخير لعلكم تفلحون﴾ هذه الآية تجعلنا ننفتح على التاريخ الإنساني كله، على كل خير أينما كان من حيث الجغرافية ومن حيث التاريخ، فنحن ننتمي لمن يفعل الخير، فكّر في فعلتك التي تريد أن تفعلها، هل تنتمي للخير وبالتالي فأنت في حشدٍ واحد مع آدم وإبراهيم وموسى وعيسى ويحيى وزكريا في حشدٍ واحد مع أتباع هؤلاء الصادقين، فتاريخنا مفتوح، سئلت أين يبدأ تاريخك ؟ فقلت: منذ أن قال الله: ﴿إني جاعلٌ في الأرض خليفة﴾ تاريخي يبتدئ من هذه النقطة الزمنية، من آدم، لأن محمداً صلى الله عليه وسلم الرسول الخاتم ينتمي لآدم، وينتمي لإبراهيم، وينتمي لموسى، وينتمي لعيسى، وينتمي لكل المصلحين في العالم قبله وهم ينتمون إليه شئت أم أبيت، الإصلاحيون والمصلحون أمة واحدة، فإن كنت أنت تنتمي إلى الإصلاح والإسلام الصحيح فتاريخك مفتوحٌ على كل الإنسانية من حيث الجغرافية والتاريخ، لذلك انظر إلى التاريخ الإنساني كم مرَّ فيه من خيّرين فاسعَ من أجلنت أن تكون في ركابهم، لأن التاريخ قد طال، فإما أن تكون على خط هذا الذي أمر الله الملائكة أن تسجد له، على خط آدم الذي قال: ظلمنا ،أنفسنا وتاب إلى الله عز وجل، وأضحى نقطة البداية الخيرة، وإما أن تنتمي إلى هذا الذي رفض السجود لآدم، وقال: أنا خيرٌ منه خلقتني من نار وخلقته من طين، إما أن تنتمي لآدم وإما أن تنتمي لإبليس، إما أن تنتمي لموسى وإما أن تنتمي إلى فرعون، إما أن تنتمي إلى إبراهيم وإما أن تنتمي إلى النمرو، إما أن تنتمي إلى كل الأنبياء أو إلى قارون، تاريخنا الخير إن كنا ندعي أننا خيرون مفتوح منذ أن قال الله إني جاعلٌ في الأرض خليفة.

الدرس الرابع: نحن نقاوم لاسترداد الحق، رسالتنا أن نحقَّ الحق ونبطل الباطل، وبيت المقدس من حقنا وليس من حق إسرائيل على الإطلاق، ونحن لا نقول هذا افتراءً ولا ادّعاءً وإنما نقول هذا الكلام عن علم ومعرفة وتوثيق وتحيق ودراسة من قبلنا ومن قبل كل المنصفين والعقلاء فإسرائيل ظالمة، إسرائيل سَطَت على غير حقها، إسرائيل وضعت يدها على ما ليس من حقها، لذلك هنا تكون المقاومة مشروعة، ولا بد من أن نقاوم حتى نستردَّ حقنا وحتى يُستردُّ الحق لأربابه، المقاومة والجهاد غايتها إحقاق الحق لا أكثر ولا أقل، ولذلك انا أخشى من أن يُستغل الجهاد والقتال استغلالاً لا ينتسب للإسلام، غاية الجهاد أن تحقَّ الحق وتبطل الباطل وتعلن بكل وضوح عن أدلة تكشف أن هذا الحق حق، وأن هذا الباطل باطل، لذلك الدرس الرابع المقاومة والجهاد لإعادة الحق إلى نصابه وأهله، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون عرضه فهو شهيد، ومن قُتل دون ماله فهو شهيد. جهادكم من أجل أن نعيد الحق في فلسطين في بيت المقدس إلى أهله، مَن هم أهل بيت المقدس ؟ أعيدوا الحق إلى أهله، وأنا أخاطب المؤرخين والمحققين، وها هي المنظمات الدولية قالت كلمتها في لحظة صدق بأن إسرائيل مغتصبة، وبأن إسرائيل لا تملك حقاً في وجودها، وجودها غير مشروع. درسنا الرابع فلنلتفت إلى هذا الذي أُخذ منا وسُلب منا لا حباً الحرب، فنحن لا نحب الحرب ولكن حباً بالحق، رسول الله كان لا يحب الحرب، نحن نحارب حباً بالحق لأن الحق يقول ويستصرخ أهله ويقول في كل لحظة: مَن أنصاري إلى الله ؟ فأنت عندما ترى إنساناً حولك يعتدي على إنسان وتتوثق من أن هذا المعتدي معتدٍ، وأن هذا المُعتدى عليه مظلوم تهبُّ من أجل أن تنصر هذا المظلوم، تهب بفطرتك، بدينك، بعروبتك، بشهامتك، وعلينا وبكل اختصار أن نتحد من أجل عدو لا شك في عداوته، من أجل مقاتلة عدو أثبت الواقع أنه عدو للإنسانية وللحق وللعدالة، من أجل مقاتلة إسرائيل التي هي عدونا الأساسي، فانتبهوا إلى ذلك، وهذا العدو لا ينام، يشتغل صباح مساءـ يريد أن يحوّل العداوة المتوجهة منا إليه، إلى عداوة توجهونها على بعضكم ورب العبة، إنه يريد كذلك، ففوّتوا الفرصة عليه، وأصلحوا شأنكم جميعاً، وائتوا صفاً وقد أفلح اليوم من استعلى: ﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيانٌ مرصوص﴾. أخاطب المسلمين كافة، والسوريين كافة، والعرب كافة: يا هؤلاء أزيلوا ما بينكم من أحقاد وضغائن وعداوات، المفسد منكم فليصلح نفسه، والصالح منكم فليسعّ من أجل أن يصلح هذا الذي بجانبه بالحكمة والموعظة الحسنة، ثم أجمعوا أمركم بعد ذلك، وهذه بَدَهية يقولها طفلٌ صغير، إذ يتكلم من فطرته. عدونا شرس وذكي يجب أن نعترف بهذا، ولذلك لما تمت المصالحة بين الإخوة الفلسطينيين صفقنا لذلك وفرحنا لذلك، ودعونا الله أن تكون المصالحة مصالحة بكل ما تعنيه هذه الكلمة، فيا أهل فلسطين تصالحوا، ويا أهل سورية تصالحوا، ويا أهل الوطن العربي، تصالحوا ويا أيها المسلمون تصالحوا، ويا أيها المواطنون تصالحوا من أجل أن تعيدوا الحق الواضح الذي ثبتت أحقيته لدى كل الناس العقلاء اشتغلوا من أجل هذا.

أيها الإخوة: الدروس أربعة محّص وجهتك أيها الإنسان المسلم واجعلها لله عز وجل، وانفتح على الإنسانية كلها، واطمئن إلى القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم، وقاوم العدو اللدود إسرائيل بكل ما أوتيت بمالك إن كنت تملك مالاً، بقوتك إن كنت تملك قوة، بكلمتك إن كنت تملك كلمة، بقرآنك: ﴿وجاهدهم به جهاداً كبيراً﴾ بكل ما تملك. هذه دروس محصودة من هذه الذكرى، من هذه المعجزة العظيمة، وثمة دروس كثيرة لا أريد أن أثقل على مسامعكم بكثرة الدروس، حسبنا هذا الذي قلنا، ونسأل ربنا: اللهم أصلح فساد قلوبنا، اللهم طهر ألسنتنا من الكذب، وطهر عقولنا من الدَّخن، طهِّر قلوبنا من الحقد، طهر أعيننا من الخيانة، طهِّرنا من كل مالا يرضيك عنا يا رب العباد، احفظ بلادنا، احفظ شبابنا، احفظنا جميعاً، احفظ كل شبابنا على اختلافهم يا أرحم الراحمين، نعم من يسأل أنت، ونعم النصير أنت، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 1/7/2011

 

التعليقات

شاركنا بتعليق