آخر تحديث: الثلاثاء 24 أغسطس 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
معالم الشخصية المسلمة – 3 -

معالم الشخصية المسلمة – 3 -

تاريخ الإضافة: 2021/08/13 | عدد المشاهدات: 176

 

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون المسلمون:

ذكرنا أبعاد الشخصية المسلمة وقلنا إنها أربعة أبعاد: "نور الذكر، وقوة الفكر، وروح العصر، وسَعة الصدر". تحدَّثنا في الأسابيع السَّالفة عن نور الذكر وقوة الفكر، وإذ نتحدَّث اليوم عن روح العصر وسعة الصدر فإنا نقول:

روح العصر: عرَّف الصوفيون الصوفيَّ فقالوا: "هو ابن زمانه"، يُنظَر إليه فيُرى زمانه منه. أنتَ تمثل عصرك، فأَرِني عصرك من خلالك، وإياك إذا ما نُظر إليك أن يُرى فيك غير عصرك، قال عليه الصلاة والسلام: (من أصبح لا يهتمُّ بأمر المسلمين فليسَ منهم) وهنا يُراد بالمسلمين المسلمونَ الذين هم في عصرك، وإذا أردتَ أن تهتمَّ بمسلمي عصرك فتعرَّف عليهم وعلى عصرهم الذي يكتنفهم وعلى ظروفهم التي تُظللهم وعلى جغرافيتهم التي تحتويهم، فهل أنت ممن يهتم بأمر المسلمين ؟ إذا كان الجواب نعم، فهل أنت على اطِّلاع ومعرفةٍ بعصرِك هذا وبالمسلمين في هذا العصر، وبأعدائهم وبمشكلاتهم وبما يجب أن يكونوا عليه وبما يجب أن يسعوا إليه، وهل هذا يشغل بالك أم أنك تعيشُ نفسَك بنفسك، أم أنك تعيشُ في زنزانة مُتجوِّلة لا تتعرَّف على مَنْ حولك فضلاً أن تتعرف على عصرك وعلى من في عصرك وعلى المسلمين الذين هم في العالم على مشكلات هؤلاء المسلمين وعلى عدو المسلمين الحقيقي، من لم يعرف عصره ومن هو العدو الحقيقي لإنسان عصره فلن يعيشَ ولم يعشْ عصره. فيا شبابنا ويا مثقفينا: هل تطَّلعون على عصركم لتكونوا أبناءه وفاءً وولاءً ومعرفة أم أنكم في غيبوبة عن الذي يكتنفكم من حيث ما يتعلق بالمسلمين وبالمسلمات الذين يُشكِّلون إخوة لكم - وهكذا تقولون - كيف تزعم بأن المسلمين إخوة وأنت لا تعرف إخوتك، ومن هم إخوتك، ومن هو عدو إخوتك، وأين يقطن إخوتك، أنت لا تعرف هذا. قال الإمام علي كرم الله وجهه: "حدِّثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يُكذَّبَ اللهُ ورسوله" وهل الناس تريد أن تعرف غير عصرها على حساب معرفة عصرها، وهل الناس اليوم تريد أن تتعرف على ما كان يحدث منذ أكثر من ألف سنة على حساب ما يحدث اليوم. قل لي بربك هل تعيش عصرك، هل تعرف ما يجري في فلسطين، هل تعرف ما يخططه العدو، هل تتناقش مع أهلك عن الأوضاع التي تكتنف فلسطين، وهذا ما يجب أن يتحقق إن كنتَ تابعاً لسيِّد الكائنات عندما قال: (من أصبح لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم) هذا ما يتعلق باختصار بروح العصر.

وأما سَعة الصَّدر: فيا أخي عُرِّفت الحضارةُ تعريفاتٍ كثيرة ومن جملة التعريفات: (الحضارة سَعَة)، الحضارةُ استيعاب، وقد قلتُ مرة منذ أكثر من عشرين عاماً: "الحضارة لا تقوم على شتم الحضارات، ولكنها تقوم على تحمُّل شتم أشباه الحضارات" تحولنا من أمةٍ حضارية تتحمَّل شتم أشباه الحضارات إلى شتامين، وهل هناك شتمٌ وسبٌّ أكثر مما نسمعه في بلادنا، كلنا شتَّام وسبَّاب، في أحاديثنا سبٌّ وشتم، ولكنَّ هذا غير مقبول. الحضارة تحمل وسَعة، تحمل الشتائم والمصاعب ابتغاء مرضاة الله عز وجل ومن أجل تحقيق غايةٍ نبيلة تصبُّ في مصبِّ هذا الدين الحنيف تطبيقاً وتحققاً.

قصةٌ وأكتفي بها وقعت في عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم بعد انتهاء غزوة حنين آثر النبي صلى الله عليه وسلم بعضَ المسلمين كالأقرع بن حابس آثره بالعطاء من الغنيمة فأعطاه مئة من الإبل، وآثر أناساً من أشراف قريش، وإذ بأحد المسلمين وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي هؤلاء لحكمةٍ نبويةٍ شريفةٍ عظيمةٍ فقال: والله هذه قسمةٌ ما عُدل فيها وما أريد بها وجه الله. هكذا قال هذا الرجل عن المصطفى، عن سيد الكائنات صلى الله عليه وسلم. قال عبد الله بن مسعود: لأخبرنَّ بذلك رسول الله. فأخبره. ورسولُ الله سيد الحضارات شاءَ الناس أم أبوا، أخبرتُ رسول الله، فما الذي فعله رسول الله صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله، أنت أكرم الناس، أنت أحلم الناس، أنت أوسع الناس صدراً، أنت ألينهم عريكة، أنت أكثرهم صدقاً وأقواهم على التحمل. قال سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ويحك ! فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله ؟!) (إن لم أعدل فمن يعدل) هو سيد العدل، ثم قال بعد ذلك: (رحم الله أخي موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر).

خبروني بربكم عن أمر إن حدث بعضُ بعضِ بعضِ بعضِ ما حدث للنبي صلى الله عليه وسلم ما الذي ستفعلون ؟ ردة الفعل عندكم جاهزة سنشتم، سنسب، سنضرب، سنقتل، سنكفِّر، سنخرج من هذا الدين والإيمان، نعم هكذا نفعل، أما قائدنا وأسوتنا ورسولنا ومعلمنا هذا الذي فعل. (إن لم يعدل الله ورسوله من يعدل) (إن لم أعدل من يعدل) .

أيها الإخوة: سَعُوا بعضكم، واتَّسعوا لبعضكم، وليتحمَّل بعضُكم بعضاً، ودعوا السلاح جانباً، لقد آذانا هذا السلاح الذي حملناه فأبادنا وجعل سمعتنا في العالم بأننا أصحاب نار وبأننا أصحاب خراب، وقد سمع هذه القصة أكثر من إنسان فقد قرأتُ هذا في كتاب: "قالوا في محمد" عندما سمع هؤلاء الغربيون المنصفون هذه القصة وقف أكثر من عشرة أشخاص ليعلنوا إسلامهم بعد أن تأكدوا من ثبوت هذه الرواية. إن سبَّك أحد أو شتمك فهل ستتحمل وتقول: اللهم إني أبتغي وجهك ثم تقول لهذا الذي شتمك سامحك الله حتى وإن عاد فعُد إلى المسامحة، فالحضارة باختصار: سعة واستيعاب، وأجمل كلمة مسامحة قيلت في التاريخ هكذا قال رئيس جنوب أفريقيا الأسبق: "أعظم كلمة مسامحة قيلت في التاريخ قالها محمد صلى الله عليه وسلم لأعدائه بعد أن وقف فأصبح قادراً على عقابهم: (لا تثريب عليكم اذهبوا فأنتم الطلقاء). قل يا أخي لمن سابك أو شتمك: اذهب فأنت من الطلقاء.

اللهم ردنا إلى دينك رداً جميلاً، واجعلنا من الذين تتسع صدروهم، ومن الذين يعيشون عصرهم، نعم من يسأل أنت، ونعم النصير أنت، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت في جامع السيدة نفيسة عليها السلام في حلب الجديدة بتاريخ 13/8/2021

 

لمشاهدة فيديو الخطبة، لطفاً اضغط هنا

https://fb.watch/7mgARydID8  /

ندعوكم لمتابعة صفحتنا عبر الفيس بوك بالضغط على الرابط وتسجيل المتابعة والإعجاب

https://www.facebook.com/akkamorg/

ندعوكم لمتابعة قناتنا عبر برنامج التليغرام بالضغط على الرابط وتسجيل الدخول والاشتراك.

https://t.me/akkamorg

التعليقات

شاركنا بتعليق