آخر تحديث: الأحد 24 أكتوبر 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
وإنك لعلى خلق عظيم – الحياء -

وإنك لعلى خلق عظيم – الحياء -

تاريخ الإضافة: 2021/10/08 | عدد المشاهدات: 146

 

أما بعد، فيا أيها الإخوة المسلمون المؤمنون إن شاء الله:

أعتقدُ أن نسبة كبيرة من الناس إذا ما سُئلوا عن الأزمة سيقولون بأنَّ الأزمةَ أزمةُ أخلاق، ولا يكاد أحد من الحاضرين ولا من السامعين يُعفي نفسه من هذا الحكم، فيا أيها الإخوة: إذا كانت الأزمة أزمة أخلاق فإلى متى سنظلُّ نتحدَّث عن هذه الأزمة ؟! وإلى متى سنبقى نقولُ لمن معنا وحولنا بأننا نعيش أزمة أخلاق، إلى متى سنبقىى نتحدَّث عن الدَّاء ونبتعدُ عن تناول الدواء ؟!

لا شكَّ بأن ربيعَ الأول يُظللنا وقد ظلَّلنا والحمدُ لله والشكر لله على هذا الشهر الذي ولد فيه سيد الناس من دون تردد ولا شك ولا ريب محمد صلى الله عليه وسلم، وإذ نذكر هذا النبي الأعظم نقول: إنَّ الله مدحه فقال: (وإنَّكَ لعَلَى خُلُقٍ عظيم)  والسؤال: لو أننا قلنا: هلَّا فامدحوا المسلمينَ اليوم، فبالله عليكم هل سيقول المادحون إن المسلمين على خلق عظيم، وكم ستكون النسبة من هؤلاء المادحين الذين يقولون إنَّ المسلمين على خُلق عظيم. بالله عليك هل تقولُ هذا أنت عَمَّن يأتي إلى المسجد، هل تقول أنت إن الذين يأتون إلى المسجد على خلق عظيم، وهؤلاء هم صفوة الناس. هل تقول عن الذين يُدرِّسون إن المدرِّسين على خلق عظيم، هل تقول إن الباعة، هل تقول إن التجار على خلق عظيم، هل تقول إن الإدارة، إن الوزارة إن إن... على خلق عظيم، أسألك فعلاً وأنتظر منك الجواب، ولا أُملِي عليك الجواب، ولكن قُل بصدق. هل تقولُ حتى عن أسرتك التي تعيش فيها إن أسرتي على خلق عظيم، هل تقول أنتَ عن نفسك بصدقٍ وأمانة: إنني على خلق عظيم ؟!

أيها الإخوة: نحن هنا في خُطب الجمعة إنما نتدارس ونتعاون ونتداولُ الحديث، وليست خطبة الجُمعة كلاماً يُلقَى يسمعه مَنْ يسمعه ثم يُولِّي إلى البيت ليأكل ويشرب وينام، نحن هنا في مكانٍ للتداول والحوار، وهكذا كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، لذاك يا إخوتي: لو قيلَ لي: تحدَّث عن الأخلاق في كل أسبوع لقلتُ نعم، سأتحدَّث عن الأخلاق، ولكن اسمعوا مني طَرحاً: ماذا لو أنَّنا في كل فترة وفترة قسَّمنا الوقتَ على فَترات وخَصَصنا لكل فترةٍ خُلقاً، لكل شهرٍ يتحدَّث فيه كل فئات المجتمع عن خلق، في المدرسة نتحدَّث عن هذا الخلق، وكذا في البيت وفي الجامع نتحدث عن هذا الخلق ، حيثما كنا نخصِّص كل فترة زمنية للحديث عن خلقٍ من الأخلاق، وهنا قال لي صاحبي بالأمس: بهذه الفترة ما الخلق الذي تريد أن تحدِّثنا عنه، أو الذي نتحدَّث عنه في بيوتاتنا وشوارعنا ومدارسنا وفي محلاتنا ومتاجرنا ومصانعنا ووزاراتنا وثكناتنا ؟ قلتُ له ما خطر ببالي هو ما قاله الشاعر:

فلا وأبيكَ ما في العيشِ خيرٌ                 ولا الدُّنيا إذا ذهبَ الحياءُ

يعيشُ المرءُ ما استحيا بخيرٍ                   ويبقى العودُ ما بقيَ اللِّحاءُ

الحياءُ للحياة كاللحاء للعود من أجل أن يبقى رطباً. قلت لهذا الذي سألني: الحياء. قال لي: ما الحياء ؟ قلتُ أنت الذي يجبُ أن تجيبني. كم عمرك ؟ قال لي: تجاوزتُ الخمسين. قلت له: ما الذي تحتويه ذاكرتك ووعيك عن معاني هذه الكلمة ؟ قد لا تستطيع التعبير لكن يستحيل أن لا تعرف شيئاً عن الحياء. ما وقع في ذهنك وأنت تقول كلمة الحياء وأنا أحدِّثك هو هذا الذي أريده. فإن أردتَ تعريفاً كما يُعرِّفه علماء الأخلاق أقول لك: إذا أردتَ أن تحفظ من أجل أن تحفظ وأن تطبق وأن تلقن وأن تُعلِّم وأن توجه: خُلُقٌ يحمِلُ صاحبه على تركِ القَبيح وعلى عدم التقصير في أداء الحقوق. يحمل صاحبه على ترك القبيح، فلا قبيحَ في القول، ولا قبيحَ في الفعل، لا يتلفظُ بكلمةٍ شائنة، ولا يفعلُ فعلاً شائناً، لا يفعلُ حراماً ولا مكروهاً، ولا يفعل عيباً، ولا يفعل ما لا يُقرُّه الناسُ العقلاء الشرفاء، يحمل صاحبه على ترك القبيح في الصغيرة والكبيرة، وعلى عدم التقصير في أداء الحقوق: لزوجك عليك حق، لولدك عليك حق، لوالدك عليك حق، عليك أن تؤديَ هذه الحقوق بدقة وأمانة وبأسلوب وبرفق وبلطف وذوق. الذي يقول لوالده "يا حاج"، وأنا آتي بالمستوى الأقل، بالمستوى الذي لا ينتبه إليه الناس: (ولا تقل لهما أُفٍّ) أتى بالكلمة التي لا يُؤبَه لها، لو قال الولدُ لوالده "يا حاج" فهذا الولد ارتكبَ نقضاً للحياء، عليكَ أن تقول له يا "والدي، يا أبي، يا بابا"، وأن لا تقول له "يا حاج، يا أبا فلان"، أتيتُ بالحدِّ الأدنى لندرك تماماً ماذا يعني عدم التقصير في أداء الحقوق، لو قلت لأستاذك مازحته فأنت قد جافيتَ الحياء، لو أتيتَ إلى المسجد ولم تأبه لمَنْ حولك ودخلت إليه وكأن المسجد عبارة عن مكانٍ أنت الذي صنعته لاستراحتك، استراحة فلان لأنه تبرع للمسجد وأعطى للمسجد، هذه الفعلة مجافاة للحياء، حدثوا يا إخوتي عن أمثلة، والأمثلة كالشلال لا تكاد تنتهي، وهذا ما نراه فضلاً عن الحياء في الشوارع، فضلاً عن الحياء في المدارس، فضلاً عن الحياء في الأسواق، فضلاً عن الحياء في الأماكن العامة، فضلاً فضلاً... وأنتم ترون، وأنا لا أقُرِّع ولا أتكلم بصيغة الانفعال الذي ينمُّ عن شيء من التقريع أو التهوين، حاشا لله، ولكن أطرح على مسامعكم ما ترونه وأراه، أتدرون ما قاله النبي الأعظم الذي نحتفل بمولده وولادته هذا الشهر صلى الله عليه وسلم عن الحياء ؟ وهذا حديثٌ ما أعتقد أن أغلبكم سمعه، قال: (إن لكل دين خلقاً، وخلق الإسلام الحياء) فهل المسلمون اليوم يتخلقون بخلق دينهم ؟! عن صحابيٍّ جليل يُدعى مُرة بن إياس قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر في مجلسه الحياء فقالوا يا رسول الله: الحياءُ من الدين ؟ سؤالٌ بصيغة جملة إخبارية، ماذا قال سيدي رسول الله ؟! قال عليه الصلاة والسلام: (بل هو الدين كله). أتدرون كيف وصفَ الصحابة الكرام رضي الله عنهم سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم في هذا الشأن، في هذا الخلق ؟! يقول أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: (كان رسول الله أشدَّ حياءً من العذراء في خدرها) من منا يُوصَفُ بهذا الوصف ؟! (كان أشد حياء من العذراء في خدرها وإذا كره شيئاً ما قاله وإنما عرفناه في وجهه) يستحي أن يقول لفلان كذا وكذا، ويقول أنس بن مالك: كان رسول الله قلَّما يواجه مَن صَدر عنه شيء أو مكروه يواجهه بمكروه، وهذا ما جعله أشد حياء من العذراء في خدرها.

النهاية والختام: فلنستحي من الله، ولنستحي من أنفسنا، ولنستحي من الملائكة، ولنستحي من جوارحنا، جوارحنا أمانة، فلنستحي منها حتى لا نضعها فيما لا ينبغي أن نضعها فيه. يدك ستقف أمام الله في مواجهتك لتقول لك إن لم تتقِ الله فيها: يا رب هذا لم يستحي فقد استخدمني كما يستخدم الذين لا يملكون الحياء، وهكذا الرجل والعين والأنف، ألا فلنستحي و:

يعيش المرءُ ما استحيا بخير                   ويبقى العُودُ ما بقي اللحاءُ

اللهم اجعلنا من الذين يستحيون يا ربَّ العالمين، نِعمَ من يُسأل ربنا ونِعمَ النَّصير إلهنا، أقولُ هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت في جامع السيدة نفيسة عليها السلام بحلب الجديدة بتاريخ 8/10/2021

لمشاهدة فيديو الخطبة، لطفاً اضغط هنا

https://fb.watch/8vZhXVehp3 /

ندعوكم لمتابعة صفحتنا عبر الفيس بوك بالضغط على الرابط وتسجيل المتابعة والإعجاب

https://www.facebook.com/akkamorg/

ندعوكم لمتابعة قناتنا عبر برنامج التليغرام بالضغط على الرابط وتسجيل الدخول والاشتراك.

https://t.me/akkamorg

التعليقات

شاركنا بتعليق