آخر تحديث: الثلاثاء 17 مايو 2022
عكام


خطبة الجمعة

   
اختبارات سلامة القلب

اختبارات سلامة القلب

تاريخ الإضافة: 2022/04/16 | عدد المشاهدات: 78

أمَّا بعد، فيا أيُّها الإخوة المسلمون المؤمنون إن شاء الله:

قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كُتِبَ عليكم الصِّيامُ كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون)، وعلى الصَّائم أن يطرح على نفسه سؤالاً: هل أدَّى صيامُه وصومُه به إلى التقوى ؟ هل أضحيتَ بعد هذه الأيام التي مرَّت من رمضان من المتقين ؟ هل تستطيع أن تطلق على نفسك التقي ؟ فالله قال: (لعلَّكم تتقون) هل حقَّقت النتيجة من صيامك هذا ونحن في النصف من رمضان، ولعلك تسألني عن التقوى فأقول: التقوى كما قال صلَّى الله عليه وسلم (ههنا) وأشار إلى قلبه: (التقوى ههنا) ثلاث مرات، هل قلبك تحلَّى بالتقوى ؟ عليك أن تفحص قلبك فيما إذا كان قد تحلى بالتقوى أو سكنت فيه التقوى، أو أطلق عليه بأنه تقي، إذا شككت بصحة جسمك وبدنك غدوت إلى الطبيب لتطمئن من خلال فحوصات معينة، فهل تطمئن على صحة قلبك، وهل تختبر قلبك، هذا الذي هو محل التقوى، أم أنك في غيبوبة عن هذا الأمر، مع أنه أمر أساس وأصيل، أنت بقلبك، اختبر قلبك من خلال أمور فإذا نجحت في هذه الأمور فاعلم بأن قلبك صحيح من حيث المعنى، سليم، تقي، نقي.

الاختبار الأول: الطاعة: هل أنت مطيع لربك في المنشط والمكره ؟ في الشدة واليسر ؟ في كل شؤون حياتك ؟ هل أنت مطيع لربك في الصَّعب والسَّهل، في الغالي والرخيص، في الجسم والمال، في القريب والبعيد: (وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون) هل أنت مطيع لربك كتلك الطاعة التي تجلَّت في فعل سيدنا إبراهيم عليه السلام وفي استجابة سيدنا إسماعيل عليه السلام، هل تصل بك الطاعة إلى هذا الحد، إذاً قلبك سليم: (يا بُنيَّ إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبَتِ افعل تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين) هذه طاعة، اختبارات للطاعة، أما أن تطيع في صلاة التراويح فحسب، في امتناعك عن الطعام والشراب فحسب، في طاعتك وأنت تصلي ركيعات، أو تصوم سويعات، فاسمح لي أن أقول بأن هذا لا يُعدُّ اختباراً صحيحاً. الطاعة يوم تقول لربك بكل ذراتك: لبيك اللهم لبيك، لبيك بروحي، لبيك بمالي، لبيك بكل ما أملك من أجل أن ترضى: (إن لم يكن بك غضبٌ عليَّ فلا أبالي) ما بالنا نستثقل الطاعة حتى في الفرائض في حدِّها الأدنى، وأضربُ مثالاً على ذلك في الزكاة: أين أولئك الذين يُطيعون ربهم إذ يناديهم: (من ذا الذي يُقرض الله قرضاً حسناً) أين هم أولئك الذين يطيعون ربهم كما أطاع الصديق رضي الله عنه حين قدَّم ماله كله في سبيل الله فقال له سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما تركت لأهلك يا أبا بكر ؟) قال: تركت لهم الله ورسوله. إن كنتَ مطيعاً تلك الطاعة التي تحدثنا عن بعض ملامحها فاعلم بأنك تمتلك قلباً تقياً.

الاختبار الثاني: التعلق بالدنيا: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته أحبَّني الله وأحبني الناس قال له سيدي رسول الله: (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس) فهل أنت ممن يزهد في الدنيا، ممن يرى الدنيا كما رآها حبيبك وسيدك وقائدك صلى الله عليه وسلم إذ قال: (ما لي وللدنيا، ما أنا والدنيا إلا كراكبٍ استظل بشجرة ثم راح وتركها) ما بال الدنيا تُعشِّش في أدمغتنا وتملأ قلوبنا، ولم يعد هنالك مكان في قلوبنا للآخرة، لربنا، سُئل الإمام عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه عن الإخلاص فقال: "الإخلاص أن تقول (الله) وليس في قلبك سواه" سكنت الدنيا قلوبنا، أنا لا أقول دَعُوا الدنيا واتركوها ولكن أخرجوها من قلوبكم ولا تجعلوها همَّكم فـ "من كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه". نحن نعيش حالة استهلاكية، نفتش عن المادة بعقولنا وقلوبنا من غير أن نفكر بإنتاجها أو بتطويرها أو بالإبداع فيها، ولكن من فقط من أجل استهلاكها، انظروا إلى موائدكم في رمضان، ولا تقل لي نعيش الآن حالة فقر، لا تلتفت للفقر فأنت عبدٌ لله عز وجل سيرزقك ربك وقد تكفَّل هذا ربُّك: (وفي السماء رزقكم) لا شك بأن الله يرزقك ولكنك أنت لم تعُد تقنع بما يكفيك ورُحت تطلب وتبحث عما يملأ قلبك ويطغيك. هذه الدنيا نتطلع إليها على أنها المآل والمقصد والهدف والغاية، وأن يجمع الإنسان ثروةً هذا أقصى ما يتمناه، وأن يكون للإنسان أَطْيانٌ وأموال وأملاك هذا ما يريد أن يؤمِّن به مستقبله على حَدِّ زعمه، وينسى أن الله أمره باتخاذ الأسباب، وطلبَ منه أن يعتمد على الله عز وجل: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء) ما بالكم تتنافسون على جناح البعوضة، لم أُسَمِّها أنا هكذا وإنما سماها النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم بجناح البعوضة. اختبر قلبك هل هذا القلب متعلق بالدنيا أم أنه متعلق بربك ولسان حال قلبك يقول: (لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر) على أن أترك ربي، على أن أكون غافلاً عن ربي (ما تركته) هل تقول مثل هذا الكلام يا أخي ؟

الاختبار الثالث: هل تلجأ إلى الله بصدق، هل تلجأ إلى ربك بقوة وإلحاح وأمانة ووفاء: (أنتم الفقراء إلى الله) هل تلجأ إلى الله بعد الشدة وبعد اليسر، بعد الرخاء وبعد الكراهية وبعد الصعوبات والتحديات، هل تخصِّص وقتاً تقول فيه لربك: أنا الفقير إليك يا رب، التجأت إليك يا رب، هل تصلي صلاة الحاجة، هل تسجد سجدة الشكر ؟ أنت تأكل وتفطر، هناك من لا يستطيع أن يأكل لمرض ألم به فهل بعد الطعام تسجد سجدة شكر ؟! وهل تقول: الحمد لله والشكر لله بعد العسر عليك أن تلجأ إلى الله، وبعد اليسر عليك أن تلجأ إلى الله، وقبل العسر وقبل اليسر عليك أن تلجأ إلى الله وأن تكون مفتقراً إلى الله في كل لحظة، أنت تقرأ الفاتحة على الأقل في اليوم أكثر من عشر مرات: (إياك نعبد وإياك نستعين) هل تلجأ إلى ربك وتقول: (يا الله) بصدق وإيقانٍ بالإجابة:

إِنْ جَلَّ خَطبٌ قُم له سَحَراً             ونَاجِهِ بعظيمِ لُطفِك يا هُو

نَادِ الإلهَ بمُقلةٍ فيَّاضةٍ                    ما خَابَ وايمُ الحقِّ مَن نَاداهُ

أضحت عيوننا قاسية وأضحى قلبنا مُلبَّداً بغيوم المادة الداكنة، أصبحنا بعيدين عن ربنا إلا من حيث الظاهر والشكل، ظاهرنا يدعو ولكنَّ القلبَ منا غافلٌ ولاهٍ، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فإنَّ الله لا يقبلُ دعاءً من قلبٍ غافلٍ لاهٍ) نرفع أيدينا لكن قلوبنا تثَّاقل إلى الأرض، نرفعُ أيدينا في الوتر في صلاة التراويح ونظن أننا قد أدَّينا واجب الدعاء والالتجاء إلى الله عز وجل لكن القلوب منا أضحت مفرغة لشؤون الدنيا التي لا يمكن أن نفرغ لها حتى بعض أجسامنا.

إذا كنت تفتقر إلى الله ليلاً نهاراً، إذا كنت تدعوه وأنت موقن بالإجابة، إذا كنت تلجأ إليه، رسول الله وهو يعلم علم اليقين أنَّ الله ناصره في غزوة بدر عَلِمَ عِلمَ اليقين بإعلام الله بأنَّ الله ناصره، وعلى الرغم من هذا وقف يدعو ربه وراح يرفع يديه وقد ارتفع قلبه إلى ربه: "اللهم نصركَ الذي وعدت". نحتاج إلى دعاء القلب قبل اللسان، نحتاج إلى أن نخشع قبل أن نخضع، نحتاج أن نرفع وجائب القلب قبل أن نرفع أصابع اليد، نحتاج إلى أن نقول يا الله من أعماقنا وذراتنا وأؤكد لكم سيكون هذا وقد اتخذنا السبب المشروع بإتقان: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه).

هذه اختباراتٌ ثلاثة لمن أرادَ أن يعلم فيما إذا كان قلبه سليماً تقياً سكنته التقوى، فيا إخوتي يا أبناءَ رمضان، يا أبناءَ القرآن نريدُ إصلاحاً، أنا لا أتكلم هنا على هذا المنبر ولا يتكلم غيري على منبر آخر من أجل سماع خطبة تمر على الآذان مر السحاب ثم نقف لنقول الحياة صعبة والحياة شاقة ونستسلم، لا، هنالك (الله) خُذ َّ وقُم بالسبب وتوكل على الحي الذي لا يموت، أُذكرِّكم في كل أسبوع وأقول لكم: (أليسَ الله بكافٍ عبده) وتجيبون "بلى" فهل هذه الكلمة تخرج من قلوبكم أم تخرج من أفواهكم وقلوبكم غافلة، اللهم إني أسألك صحوةً ويقظة لقلوبنا، أسألك يا الله أن نكون من الذين يلتجؤون إليك ويعتمدون عليك، من الذين يفضلون الآخرة على الدنيا، من الذين يتوجهون إليك بقلوب سليمة توجَّهت إليك، احفظ بلدنا من كل بلاء وغلاء ووباء، أقولُ هذا القول وأستغفر الله.

أُلقِيت في جامع "السيِّدة نفيسة عليها السلام" بحلب الجديدة بتاريخ 15/4/2022

لمشاهدة فيديو الخطبة، لطفاً اضغط هنا

https://fb.watch/cpEdWd38Cc/

ندعوكم لمتابعة صفحتنا عبر الفيس بوك بالضغط على الرابط وتسجيل المتابعة والإعجاب

https://www.facebook.com/akkamorg/

ندعوكم لمتابعة قناتنا عبر برنامج التليغرام بالضغط على الرابط وتسجيل الدخول والاشتراك.

https://t.me/akkamorg

التعليقات

شاركنا بتعليق