آخر تحديث: الإثنين 26 تشرين الأول 2020
عكام


أخبار صحـفيـة

   
وهل يستطيع القلب ألا يحب - جريدة الجماهير

وهل يستطيع القلب ألا يحب - جريدة الجماهير

تاريخ الإضافة: 2006/04/20 | عدد المشاهدات: 1977

نشرت صحيقة الجماهير الصادرة في حلب بتاريخ: الخميس 20-4-2006 في زاوية: قلعة بلا أبواب المقال التالي:

وهل يستطيع القلب ألا يحب ؟!

ويسألني الناس عن منطقية التكليف بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم الوارد في قوله تعالى :‏ ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا﴾ التوبة: 24. وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده و وولده والناس أجمعين) والحب لا يخضع لذلك !!‏ أقول:‏

مادام المكلف الله الخالق فلا إشكال، فقد كلف بعد إذ فطر القلوب على ذلك، فقال مختاراً : ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾ الانعام: 124. وعلق الاختيار بالحبيب محبباً: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ القلم: 4. فاتجهت القلوب صدقاً وعدلاً الى صاحب الخلق العظيم، فمن الناس من أظهر وصدق، ومنهم من ستر وكفر : ﴿ومن ضلّ فإنما يضلّ عليها﴾ الزمر: 41. ﴿ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ البقرة: 283.

عجباً للناس، يقولون: إن حب المال فطري ! وما ورد في ذلك عقلاً ونقلاً لا يعادل ما ورد في فطرية حب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فعبر العقلاء وقصر غيرهم. التوراة بشرت به، والإنجيل حكى عنه، والقرآن نزل عليه، وغدا اسمه يذكر مع اسم الله جلت قدرته.‏ وصفه يجذب، وخلقه يقرب، وصدقه يشد، وأمانته تحبب، وعقله أرجح من أن تقارن به عقول العقلاء مجتمعين أو متفرقين.

فأما الوصف: فقد جاء على لسان من رأوه صادقاً محققاً موثقاً مؤكداً، لأنهم كثر متفاوتون عقلاً وتفكيراً ورأياً، فقال قائلهم، وهو أبو هريرة رضي الله عنه: "ما رأيت شيئاً أحسن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، كأن الشمس تجري في وجهه". وقال آخر، وهو حسان بن ثابت الشاعر رضي الله عنه:

متى يبد في الليل البهيم جبينه‏                    يلح مثل مصباح الدجى المتوقد‏

فمن كان أو من قد يكون كأحمد‏                    نظام لحق أو نكال لملحد‏

وعلى هذه الشاكلة توالوا‏.

وأما الخلق: فأعظم بتعظيم الله لخلقه، إذ قال عنه: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾ القلم: 4. وأنعم بمن توشى بكلام الله، فتخلق به، ولقد قالت زوجه السيدة عائشة رضي الله عنها: "كان خلقه القرآن، يغضب لغضبه ويرضى لرضاه".‏ وها هو ذا يعلن عن مهمته فيقول : "بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، وفي رواية : "بعثت لأتمم صالح الأخلاق".‏ وقد ورد عن عطاء بن يسار قال : "لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة. فقال: أجل . إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن:‏ "يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفا".‏

وأما الصدق: لم يكن لدى بشر سواه، تسمى به تحققاً، ولقب به تعاملاً، وايم الله ما تجسد الصدق في غيره تجسده فيه، فكأنه شخصه الذي يعاير عليه، ونموذجه الذي ينسب اليه، ما نطق لسانه إلا به، ولا خالف عمله قوله. ناداه أعداؤه "يا صادق" ولمس أصحابه بقلوبهم، قبل آذانهم، منه أصدق الحقائق. دخل عليه عبد الله بن سلام في المدينة فقال:‏ "انجفل الناس إليه - أي الى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - فكنت فيمن جاءه، فلما تأملت وجهه واستبنته، عرفت أن وجهه ليس بوجه كاذب".

وأما الأمانة: التي تحبب فسجيته التي انطوت عليها سريرته ، اؤتمن فأدى ، وأمن ليبلغ عنه ، عن الأمانة العظيمة صدر ، والى الأمانة الانسانية هدى .‏

نظر اليه أبو بكر رضي الله عنه فقال :‏

أمين مصطفىً للخير يدعو‏

كضوء البدر زايله الظلام‏

وخاطب في حجة الوداع من أمامه ، وأشهدهم على أدائه الأمانة ، فشهدوا : (ألا هل بلغت ؟ اللهم فاشهد) .‏

وبالرغم من عداوة أعدائه له ، إلا أن نعته بالأمين لم يختف من كلامهم وعبائرهم ، واستئمانه على أموالهم وودائعهم لم يرتفع من تصرفاتهم ، حتى إنهم ليأتمرون على قتله ، وهم مؤتمنونه على ما يحبون ويتعلقون من أموال ، وأشياء ثمينة ، وودائع لها قيمة عندهم .

وعقله ، وما أدراك ما عقله !:‏

فقد بلغ الكمال لأنه حمل رسالة التمام والكمال .‏

قال التابعي الثقة وهب بن منبه : »قرأت في واحد وسبعين كتاباً ، فوجدت في جميعها أن الله تعالى لم يعط جميع الناس ، من بدء الدنيا الى انقضائها من العقل ، في جنب عقل محمد صلى الله عليه وسلم إلا كحبة رمل من جميع رمال الدنيا ، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم أرجح الناس عقلاً ، وأفضلهم رأياً« .‏

ويدخل عليه أعرابي فطري ، ويستمع إليه ، فيخرج مسلماً ، فيقول له قومه : كيف عرفت أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : »ما أمر محمد صلى الله عليه وسلم أمر قال العقل : ليته نهى عنه ، ولا نهى عن شيء قال العقل : ليته أمر به« .‏

بعد هذا كله فليس غريباً ، بل هو عين الصواب والحق ، اتجاه القلوب اليه وتعلقها وارتباطها به ، وتعبيرها عبر اللسان تعبيراً فريداً ليس له نظير في عالم المحبين لسواه من الناس .‏

يأتيه ثوبان رضي الله عنه فيقول : » يا رسول صلى الله عليه وسلم. إنك لأحب إلي من نفسي وإنك لأحب إلي من ولدي ، وإني لأكون في البيت فأذكرك ، فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك ، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك في الجنة مع النبيين وأني لست كذلك ، فبكيت خشية ألا أراك « .

فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً ، حتى نزل جبريل بهذه الآية : ((ومن يطع الله ورسوله فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا)) النساء /69 .‏

وارتسمت فرحة الأمل باللقاء على محيا ثوبان ، وعاد قرير العين .‏

فيا سيدي يا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏

الحب لك ، والصلاة والسلام عليك ، والشفاعة لنا منك .‏

سلام عليك في الأولين .‏

وسلام عليك في الآخرين .‏

وسلام عليك الى يوم الدين .

الدكتور الشيخ محمود عكام

التعليقات

شاركنا بتعليق