آخر تحديث: الثلاثاء 17 مايو 2022
عكام


خطبة الجمعة

   
معالم سلامة القلب

معالم سلامة القلب

تاريخ الإضافة: 2008/07/18 | عدد المشاهدات: 3523

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

لعلك أيها المسلم، ولعل هنا ليست للتقريب وإنما هي أقرب للتحقيق، لعلك حينما تسأل إنساناً ما عن صحته، تريد أن تطمئن عن أكثر الأعضاء أهمية عنده، فإن قال لك إنه مريض في رجله في يده آلمك ذلك واهتممت بذلك، لكن الاهتمام لن يكون بذاك الاهتمام عندما يقول لك بأن قلبه مريض، عندما تجد حادثاً تسأل عن هذا الذي أصيب في هذا الحادث ما العضو الذي أصيب فيه ؟ فإن قيل لك كسرت رجله أصابك اطمئنان وإن قيل لك كسرت كتفه لم يبقَ كما يقال في لغتنا العامية بالك مشغولاً كثيراً، ولكن إن قالوا لك إن قلبه قد أصيب عند ذلك تتخوف وتضطرب وتقلق، أقول هذا الكلام بالنسبة للأمور المادية الجسمية، لكن عندما تنتقل الأمور إلى الأمور المعنوية هل تتفقد أنت قلبك كما يتفقد هذا الذي أصيب بحادث قلبه ؟ هل أنت في زمن عجَّ بالفساد وفي زمن أصابه من ويلات الفساد ما أصابه، هل تتلمس في هذا الزمن الصعب الذي كثر فيه الفساد وغلب الضياع على أكثر أهله وشبابه، هل تتلمس هذا العضو أو هذا المحل الذي هو المحل الأهم والعضو الأشرف، هل تتلمسه من أجل أن تتأكد من صحته وعدم صحته ؟ بعبارة أخرى هل أنت من أولئك الذين يحاولون صباح مساء الاطمئنان على قلوبهم من أن يصيبها ما أصاب الجو العام من فساد ومن ضياع ومن إثمٍ ومن بغيٍ ومن معاصٍ ؟ هل قلبك سليم ؟ هذا الأمر الأهم بالنسبة لنا جميعاً، هل قلبك هو ذاك القلب الذي سيجعل صاحبه يوم القيامة في مأمن من أن يكون مع المعذبين مع المجرمين: ﴿يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم﴾ هل تختبر قلبك هل تتأكد من قلبك ؟ هل تبحث عن صحة قلبك ؟ هل تهتم بقلبك المعنوي اهتمامك بجسدك ؟ هل تهتم به كما تهتم بطعامك وشرابك ؟ هل تهتم بقلبك من أجل أن تلقى ربك وقلبك سليم وأنت لا تعلم متى ستلقى ربك ؟ فكم من ممسٍ لا يصبح وكم من مصبحٍ لا يمسي وكم من إنسان عاش الساعة ولم يعش التي بعدها، وكم من إنسان عاش الدقيقة ولم يعش بعدها، تسألني بالنسبة للقلب المادي الإنسان يتأكد من سلامته من خلال فحوصاتٍ طبية من خلال تصوير من خلال أمور أخرى، فكيف أتأكد أنا من سلامة قلبي المعنوي ؟ هنالك أجهزة تفحص وهنالك تحليلات تُعمَل وهنالك تصوير يُصار، أما بالنسبة للقلب المعنوي، ما المعايير التي على أساسها يمكن أن أعلم أن قلبي سليم أو أن قلبي لا سمح الله غير سليم ؟ أقول لك قد سجلت خمسة معايير:

المعيار الأول: إن وجدت نفسك مطيعاً لربك فاعلم أن قلبك أقرب إلى السلامة، إن وجدت نفسك مطيعاً لله عز وجل في صباحك ومسائك، في تعليمك في متجرك هل تطيع ربك في عملك في تجارتك ؟ هل تبحث عما طلب منك ربك أن تعمل فتعمل ؟ هل أنت في سياستك تطيع ربك ؟ هل أنت في ثكنتك تطيع ربك ؟ هل وضعت أمامك مطالب ربك منك من أجل أن تطبقها في عملك  في صلواتك في ذهابك في مجيئك ؟ أنت تعلم نفسك أكثر مما يمكن أن أعلمه عن نفسك لذلك إن وجدت نفسك مطيعاً فاعلم أن هذا معيار من معايير سلامة القلب، قرأت منذ أكثر من ثلاثين سنة أن رجلاً غنياً كان عنده أمَة استيقظ مرة فوجد هذه الأمة تصلي وتقول في سجودها اللهم بحبك لي أعطني كذا وكذا، سمعها فالتفت إليها بعد أن أنهت صلاتها وقال لها: يا فلانة غلطتِ. فقالت: وكيف غلطتْ ؟ قال لها قلتِ اللهم بحبك لي، كان عليك أن تقولي اللهم بحبي لكَ لأنك لا تعلمين هل يحبك ربك أم لا، التفتت إليه وقالت لم أغلط. قال لها وكيف عرفتِ ذلك ؟ قالت له لولا حبه لي لما أيقظني وأنامك في هذه الساعة.

أتريد أن تتأكد من سلامة قلبك انظر طاعتك ربك، هل تطيع ربك حققت المعيار الأول لسلامة القلب. ما أحوج الجنود والمعلمين السياسيين إلى أن يكون قلبهم المعنوي سليماً وأن يكونوا طائعين لربهم.

المعيار الثاني: عدم التعلق بالدنيا، إن وجدت قلبك متعلقاً بالدنيا إلى حد الإنهماك وإلى حد الضياع وإلى حد عدم الالتفات إلى ما يجعل منك إنساناً سوياً فقلبك غير سليم، جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الترمذي: (إذا أحب الله عبداً حماه من الدنيا كما يحمي أحدكم سقيمه الماء) قل لي بربك ما السلامة إذا كان قلبك متعلقاً بالدنيا وإذا كنت مشغولاً مع قلبك وعقلك وفكرك بالدنيا ؟ روى ابن ماجه أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول: الله دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني الناس ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس) فهل أنت متعلق بقلبك بالدنيا، ذكرت لكم على هذا المنبر منذ سنوات كثيرة عبارة قرأتها منسوبة للسيد عبد القادر الجيلاني رحمه الله قال: "أيها المؤمن أخرج الدنيا من قلبك ولا تلقها ولكن ضعها في يدك وفرغ قلبك لربك".

المعيار الثالث: الصبر، (إذا أحب الله عبداً ابتلاه ليسمع تضرعه إليه) كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسند الفردوس وحسنه علماء الحديث. هل أنت صابر ؟ ﴿إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب﴾ هل أنت صابر محتسب على بلاء ألمَّ بك على بلاء نزل بساحتك على بلاء جعل عيناك تشخصان على بلاء كان ملء إهابك أم أنك لا تعرف للصبر طريقاً أم أنك لا تعرف ما الصبر ولا ما يكون عليه الصابر ؟  (عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء، صبر فكان خيراً له) كما في مسلم. هل أنت من الصابرين المحتسبين: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل. فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء﴾ الصابر من الذين يحبهم الله عز وجل وبالتالي سيكون قلب الصابر سليماً، إني أرى أمة لم تعد تصبر، إني أرى أمة لا يسمون أفرادها صابرين، إني أرى أمة أصبحت ضجرة، أين صبرك ورضي الله عن الإمام الحسن بن علي عندما كان يدعو ويقول: "إلهي نعمتني فلم تجدني شاكراً، وابتليتني فلم تجدني صابراً، فلا أنت أزلت النعمة بترك الشكر ولا أنت أدمت الشدة بترك الصبر، إلهي أنت الكريم ولا يكون من الكريم إلا الكرم". ﴿أتصبرون وكان ربك قديراً﴾.

المعيار الرابع: الشكر، من منا يستيقظ صباحاً فيشكر الله على ما أنعم عليه ؟ من الذي حينما يُرزق يشكر الله عز وجل ؟ من الذي حينما يأوي إلى فراشه يذكر ربه جلت قدرته ؟ من الذي بلسانه وحاله يقول أمام أولاده وأمام طلابه الحمد لله، الشكر لله ملء الجوارح ملء القلب.

الشاكر صاحب قلب سليم فهل تشكرون ربكم بلسانكم بحالكم بقالكم أم أننا عن الشكر معرضون ؟ عندما يقدِّم لك إنسان ما أمراً هدية... تحتار كيف تقدم له كلمات الشكر أفتنسى شكر ربك صباح مساء ؟ ماذا عليكَ لو استيقظت قبل الفجر مرة كل أسبوع على الأقل من أجل أن تشكر ربك ؟ ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ الشكر لك يا رب على نعمة الصحة على نعمة المال على نعمة الكفاية على نعمة الإيمان على نعمة الإسلام على نعمة الأمان على نعمة الأولاد على نعمة القرآن الذي هو كتابي والذي هو شفيعي والذي هو دستوري، من الذي يستيقظ مرة في الأسبوع قبل الفجر من أجل أن يشكر ربه ؟ ها قد صدرت نتائج الامتحان فإما أن تكون راسباً فما عليك إلا أن تصبر وإما أن تكون ناجحاً فما عليك إلا أن تشكر، فهل صبرت يا راسب وهل شكرت يا ناجح ؟ هل شكرت ربك هذا الذي علمك، أما تتوجه إلى ربك من أجل أن تشكره من أجل أن ترفع يديك إليه فتقول: ﴿رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين﴾ اشكروا ربكم من أجل أن تكونوا إلى جانب الحق ومن أجل ألا تنساقوا في مهاوي الردى مع أهل الباطل، الشكر من مقتضياته ولوازمه أن تجعل النعمة التي أنعم بها ربي عليك في إرضاء ربك لا أن تجعلها فيما يغضب ربك عليك، ليكن لكم ورد في كل يوم ترفعون من خلاله كل آيات الشكر لرب العباد ﴿ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنه ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير﴾.

المعيار الخامس محبة الله، سؤال مختصر هل تحب ربك أم أنك تدعي أنك تحب ربك ؟ إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي، هل تقول هذا لربك عندما تصاب بأي أمر ؟   إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي، ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا﴾ هل تحب ربك ؟ جاء رجل إلى الحسن البصري رحمه الله قال له: يا إمام كيف أعرف مكانتي عند ربي ؟ فقال له الإمام الفاهم: انظر مكانة الله عندك.

أتريد أن تتأكد فيما إذا كان قلبك سليماً أو غير سليم ؟ هل تحب ربك إذن قلبك سليم والمحبة ليست ادّعاء وإنما المحبة ولاء وثناء إنما المحبة عهد مع رب العزة أن يا رب أنت أحب إليَّ من كل شيء.

عجبا لهم في الليل في خلواتهم     غسلوا الثياب بمدمع مدرار

طلبوا الحبيب بأنفس قدسية      محفوفة الإيراد والإصدار

ما الفخر إلا للذين تواضعوا       لله وانقطعوا عن الأغيار

غير ربك يسكن قلبك فقلبك غير سليم ربك يسكن قلبك فقلبك سليم، نقرأ أشعار المحبين، أشعار ابن الفارض، أشعار البوصيري، أشعار الرواس... فنرى في هذه الأشعار المحبة عارمة والتوجه إلى الله عز وجل بالثناء والولاء عارماً، وكلهم قبسوا من سيد المحبين لربهم من سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم، اقرؤوا أشعارهم من أجل أن تزداد قلوبكم محبة لربكم بعد إذ تقرؤون القرآن الكريم بعد إذ تقرؤون السيرة النبوية الشريفة بعد إذ تقرؤون سيرة الصحابة بعد إذ تقرؤون سيرة أولئك الذين قطعوا العهد من أجل أن يجعلوه مع ربهم عز وجل لا إله إلا أنت، لا محبوب إلا أنت حق المحبة وإذ تحب الله فإنك ستحب كل من يحبه الله.

أريد من كل واحد منا أن يعرض قلبه على هذه المعايير فإن كانت مستوفاة فقلبك سليم، هل تطيع ربك ؟ هل معرض عن الدنيا قلبك ؟ هل تصبر ؟ هل تشكر ؟ هل تحب ربك ؟ إذا توفرت فيك هذه المعايير وأخذ في كل معيار نسبة نجاح فاعلم أن قلبك سليم وإلا فتدارك ولا سيما معشر الشباب وليكن لك في ليلةٍ في الأسبوع على الأقل خلوة مع ربك من أجل أن تقول له متعني بقلب سليم، متع لساني بذكرك وقلبي بمحبتك وعقلي بمعرفتك وجوارحي بطاعتك وجسدي وجسمي بعافية منك يا رب العالمين.

اللهم إني أسألك السلامة لقلوبنا يا رب العالمين، سلم قلوبنا لك واجعل قلوبنا متجهة إليك، لا تفتنا ولا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب، نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ: 18/7/2008

التعليقات

سعيد - لبنان

تاريخ :2008/07/23

ما أجمل تلك المعالم التي قدمها العالم الجليل سماحة الدكتور حفظه الله.. جزاكم الله كل خير وتحية لكم من الشعب اللبناني الذي يقدم لكم كل التقدير لعلمكم ومقامكم الكريم..

د.إياد - امريكا

تاريخ :2008/07/23

جزاكم الله كل خير على هذه الخطبة الرائعة..

محبة يوم الجمعه

تاريخ :2009/03/22

جزاك الله كل خير على الخطبه......

شاركنا بتعليق