آخر تحديث: السبت 04 فبراير 2023
عكام


خطبة الجمعة

   
الأيام صحائف آجالكم -2

الأيام صحائف آجالكم -2

تاريخ الإضافة: 2022/12/30 | عدد المشاهدات: 81

أمَّا بعد، فيا أيُّها الإخوة المسلمون المؤمنون إن شاء الله:

إن العمر سِجِل أو كتاب أو دفتر، صفحاته الأيام، وها أنت ذا قد قَلَّبت عدداً من الصَّفحات بحسب عمرك، يمكن أن تكون قد قلَّبت مئة صفحة، مئتين، خمسمئة صفحة، آلاف من الصفحات، وبقي لك عدد من الصَّفحات في هذا السِّجل لم تكتب فيها حتى الآن شيئاً، أتُراك فكرت في كتابةٍ تكتبها بهذه الصفحات القادمة ?ّ أم أنك في غفلة عن صفحاتك الآتية القادمة، هل فكَّرت كيف تُعَبِّئ وكيف تملأ هذه الصفحات التي هي الأيام القادمة بالنسبة لهذا اليوم الذي أنت فيه، وبالنسبة ليوم الغد، للأيام التي تلي هذا اليوم إلى آخر ما يمكن أن يكون العمر عليه. قلت لكم: إن الإمام علياً رضي الله عنه وأرضاه نُسِبَ إليه قوله: "الأيام صحائف آجالكم، فَخَلِّدوها بأحسن أعمالكم".

الصَّحابة الكرام كانوا يسألون رسولَ الله صلى الله عليه وآله كانوا يسألونه عن العمل الذي هو الأحسن والذي هو الأفضل والذي هو الأحب من أجل أن يملؤوا به هذه الصفحات التي هي أمانة في أعناقهم، اليوم هل يُفكِّر الواحد فينا ومنَّا بهذا الذي كان يُفكر به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ? لم يأتِني مَن يسألني ما العمل الأحسن حتى أقوم به لأملأ من خلاله صفحات أيامي، لم يأتني أحد، أنا لا أقول عن نفسي، ولكن اسألوا أنتم أنفسكم، هل جاء ولدك فسألك عن عمل هو الأفضل هو الأحسن من أجل أن يسلكه وأن يطبقه وأن يقوم به ليملأ به صفحة اليوم وصفحة الغد وصفحة ما بعد الغد وصفحة كذا وكذا، أي الأيام القادمة. لم نَعُد نرى في الوقت الذي - كما قلت لكم - كان الصحابة الكرام رضي الله عنهم، على سبيل المثال جاء صحابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لم يسأله تَفُكُّهاً ولم يسأله هكذا من أجل أن يعرف معرفة من أجل المعرفة ذاتها ولكن من أجل التطبيق. قال يا رسول الله: أي العمل أفضل ? هل جاء أحد منكم، هل سأل أحد منكم شيخاً أستاذاً أباً أماً عارفاً ؟ أي العمل أفضل يا رسول الله ؟ أريد أن أعرف أي العمل أفضل حتى أقوم به وأعمله. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (إيمانٌ بالله ورسوله) هذا هو العمل الأفضل. ربما قال قائل منكم: الإيمان ليسَ عملاً ! أقول الإيمان هو العمل فعلاً، لأن الإيمان مِن عمل القلب، ولا عمل يعلو على عمل القلب، للقلب عمل، وعمل القلب هو الإيمان، وأهمُّ عملٍ للقلب هو الإيمان بالله عز وجل، فإذا ما عمل القلب عمله الصحيح آمن، وإذا ما آمن كان هذا القلب مُستقراً مُطمئناً: (الذين آمنوا وتطمئنُّ قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب). إن رأيت نفسك مُضطَّربا فانظر قلبك لأنه هَمَد وجَمَد ولم يَعُد يعمل. أيُّ العمل أفضل ? إيمانٌ بالله ورسوله، ولهذا قال القرآن الكريم: (يا أيها الذين آمَنوا أمِنوا) يا من آمنتم تقليداً آمِنوا اعتقاداً وتجديداً آمنوا، أعملوا قلوبكم، إيمان بالله ورسوله. قال هذا الصَّحابي: ثم ماذا ? قال: (الجهاد في سبيل الله)، والجهاد في سبيل الله بُرهانٌ على قوة الإيمان، عندما يكون الإيمان قوياً، وعندما يكون الإيمان مُستَحكِماً وعندما يكون الإيمان مُستقراً فأنت تشعر بقيمته، وبالتالي تُدافع عنه، تجاهد في سبيل الله لأنك أحسستَ بعظمة الإيمان، وبقوة الإيمان، وبِدَور الإيمان، وبالتالي أنت تجاهد بنفسك ومالك وكلماتك دفاعاً عن هذا الإيمان الذي جعل قلبَك مُطمئناً مُستقراً. (الجهاد في سبيل الله)، قلت: ثم ماذا ? قال: (حَجٌ مبرور)، أيضاً من أجل دعم الإيمان بالله ورسوله، ومن أجل دعم هذا العمل الذي هو الأفضل الإيمان، الجهاد بُرهان على قوة الإيمان فيك وعلى حِرصك على الإيمان، والحجُّ المبرور من أجل تقوية هذا الإيمان، لأن الحج عبارة عن شعائر ليس لها من دِلالة سوى أنها تجعلك تقول: آمنتُ بك يا رب، وها أنذا أقوم ببعض الشعائر والأعمال التي لا دِلالة لها سوى الامتثال لأمرك، ما معنى الطَّواف ? تمتثل أمر الله عز وجل. ما معنى السَّعي ? تمتثل أمر الله عز وجل. ما معنى الوقوف بعرفة ? تمتثل أمر الله عز وجل، وتتوِّج هذا الامتثال بقولك الذي ينبغي أن ينُبع من قلبك: "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، لبيك إن الحمد لك، والملك لك، لبيك وسعديك" قال: (حج مبرور)، هذا صحابي، صحابي آخر، وهو ابن مسعود رضي الله عنه، يأتي النبيَّ عليه الصلاة والسلام، لم يسأله عن العمل الأفضل، يسأله يا رسول الله: (أي الاعمال أحب الى الله ?) أريد أن أعمل عملاً يحبه الله أكثر من أي عمل آخر. تفتش الصحابة عمَّا يحبه الله ليقوموا به، فهل أنت تفتش يا أخي، هل أنت تسائل نفسك عن عملٍ هو الأحب إلى الله ?! هل تدور وتبحث بينك وبين نفسك، في خَلَدك لتسأل من تسأل عن عملٍ هو الأحب إلى الله عز وجل ؟ يا إخوتي: القضية قضية جِد وليست القضية قضية عُبور مع غفلة، إما أن نكون جادِّين في هذا الانتماء، وإما أن نكون عابرين، وهؤلاء العابرون عابرون عبور غفلة وعبور تمضية وقت وعبور "فَض عتب" كما يقال. تسألني: ما الفرق بين العمل الأفضل والعمل الأحب إلى الله بحسب ما سنرى. أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل ? قال له النبي صلى الله عليه وسلم: (الصلاة على وقتها)، قال ثم أي ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بِرُّ الوالدين)،  قال ثم أي ؟ قال: (الجهاد في سبيل الله). يقول بعض الناس: ثمَّة تعارض بين الحديث الأول والحديث الثاني ! أقول: ليس ثمة تعارض، هناك تعارض لو كان الحديثان يتحدثان عن الأعمال الأحب، الحديث الأول: أي العمل أفضل، أما الحديث الثاني: أي الأعمال أحب إلى الله ? العمل الأفضل بالنسبة لك، يعود نفعه عليك بذاتك، هذا العمل الأفضل، يعود نفعه عليك، ولذلك إيمانٌ بالله ورسوله، يعود أثره الطيب عليك، الجهاد في سبيل الله، تُبرهن أنت على إيمانك، حَجٌّ مبرور أيضاً يقوي إيمانك، هنا أي الأعمال أحب ؟ الله يحب العملَ الذي له ارتباطٌ بِسِواك، بغيرك، عندما يتعدَّى عملك نفسَك، وعندما يكون هذا العمل الذي يصدر عنك له علاقة بغيرك، فهذا العمل هو الأحب إلى الله، الصلاة على وقتها لأن هذا العمل يتعدَّى نفسَك ليكون صابغاً للعلاقة مع ربك، أثر الصلاة لا يقتصر عليك واإنما يتعدَّى لعلاقتك مع ربك، العمل الأحب إلى الله هو ذاك العمل الذي يرتبط بالآخر، وأول هؤلاء الذين نتحدَّث عنهم وهم آخر بالنسبة لنا الله عز وجل، الصَّلاة على وقتها، ثم أي ؟ قال: بر الوالدين، يتعدَّى الأمر نفسك ليصل إلى والديك وهما أقرب الناس إليك، حتى قال مَن قال من علمائنا الصوفية رضي الله عنهم: "بسم الله الرحمن الرحيم" بسم الله، "الله" لفظٌ مُفرَد عَلَم على الله يَدُلُّ على الله عز وجل، "الرحمن" يتجلَّى من خلال الأم، "الرحيم" يتجلَّى من خلال الأب، (مَن أحقُّ الناس بحُسن صحابتي ؟ قال: أمك، قال: ثم من ? قال: أمك، قال: ثم من ? قال: أمك، قال: ثم مَن ? قال: أبوك) (بر الوالدين)، قلت: ثم أي ? قال: (الجِهاد في سبيل الله) لتُدافع عن صِلتك بالله وعن برك والديك، (مَن قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قُتل دون عِرضه) وأهم الأعراض والداك، (ومن قُتل دون عِرضه فهو شهيد، ومن قُتل دون دِينه فهو شهيد) وأهمُّ دينك صِلتك بربك، أهمُّ شعائر دينك وأهم مُتطلبات وإسقاطات وتجليَّات دينك صِلتك بربك، الصلاة على وقتها، لأنك ستكون من أول الوافدين، واللهُ عزَّ وجل هو المستقبل لك وأنت وافدٌ عليه، أول الوافدين، الصلاة على وقتها، بر الوالدين والجهاد في سبيل الله.

أذكِّر - أيها الإخوة - بأنَّ العملَ الأحب هو ذاك العَمل الذي يتجاوزُ أثره نفسَك ليكون مُرتبطاً بغيرك، سنُكمل المشوار في العمل الأحبّ عندما يتجاوزُ أثر هذا العمل إلى الناس الذين حولَك في الأسبوع القادم إن شاء الله، وأسأل الله عز وجل أن يجعلنا ممن يَسعَون سَعياً جادَّاً لملء صفحاتِ أيام سِجلِّهم العُمُري بالعمل الأفضل والعمل الأحب، تقبل منا ما كان صالحاً، أقولُ هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت في جامع السيدة نفيسة عليها السلام بحلب الجديدة بتاريخ 30/12/2022

لمشاهدة فيديو الخطبة، لطفاً اضغط هنا

https://fb.watch/hKIRpmhm8n/

ندعوكم لمتابعة صفحتنا عبر الفيس بوك بالضغط على الرابط وتسجيل المتابعة والإعجاب

https://www.facebook.com/akkamorg/

ندعوكم لمتابعة قناتنا عبر برنامج التليغرام بالضغط على الرابط وتسجيل الدخول والاشتراك.

https://t.me/akkamorg

التعليقات

شاركنا بتعليق