أمَّا بَعدُ، فيَا أَيُّها الإخوةُ المسلمونَ المؤمنونَ إِن شَاءَ الله:
قال لي أحدهم منذ فترةٍ طويلة في مثل هذه المناسبات التي نَعيشُها: ضَعْ عُنواناً من كلمةٍ واحدة لهذا الدِّين الحنيف، يُعبِّر هذا العنوان عن حَقيقته، عن أحكامه، عن عَقيدته، عن كُلِّ ما يتكوَّن منه، فما وجدتُ عنواناً يُناسب هذا الدِّين الحنيف إلا "الرحمة"، فالإسلامُ دين الرحمة، لأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ رَحمنٌ رَحيم، ولأنَّ القرآن (ونُنَزِّلُ مِن القُرآنِ مَا هُو شِفاءٌ ورَحمةٌ)، ولأنَّ صاحبَ الذِّكرى (وما أرسلناكَ إلا رَحمةً للعالمين)، ولأننا إذ نبتدئ كُلَّ عَمَلٍ ما نقول: (بسمِ الله الرَّحمنِ الرَّحيم)، ولأنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يقول: (ورَحمَتي وَسِعَت كُلَّ شَيء)، وسبقت رحمةُ اللهِ عَزَّ وجَلَّ عذابَه وغَضَبه.
الرسول عليه الصَّلاةُ والسَّلام لَم يَكُن رَحيماً فحَسْب، وإنَّما كانَ الرَّحمةَ عَينَها، (وما أرسلناكَ إلا رحمةً للعالمين). هذا التشريعُ رحمة، (ومَا جَعَلَ عَلَيكُم في الدِّين مِن حَرَج)، (يُريدُ اللهُ بِكُم اليُسرَ ولا يُريدُ بكم العُسر)، الرسولُ عليه الصَّلاةُ والسَّلام قالَ عن نَفسِه: (لم أُبعَث لعَّاناً، وإنَّما بُعثتُ رَحمة)، ويقول عن نَفسِه صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: (إنَّما أَنا رَحمةٌ مُهداة)، ويدعُو أمَّته إلى التَّراحُم فيقولُ في أحاديثَ كَثيرةٍ نذكُرُ منها: (الرَّاحمونَ يرحَمهم الرحمن، ارحَمُوا مَن في الأرض يَرحَمْكم مَن في السَّماء)، أو: (يَرحمُكم مَن في السَّماء)، ويقولُ عليه الصَّلاةُ والسَّلام: (مَنْ لا يَرحم لا يُرحَم)، ويقولُ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم: (لا يَدخُلُ الجنَّةَ إلا كُلُّ رَحيم)، والرسولُ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم كانَ في حياتِه رَحيماً بالنَّاسِ كَافَّة، رَحيماً بالمؤمنين، (لقَد جاءَكُم رَسولٌ مِن أنفسكم عَزيزٌ عَليهِ مَا عَنِتُّم حَريصٌ عَليكُم بالمؤمنين رَؤوفٌ رحيم) لن تجدَ أرحمَ مِن رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم في الناسِ قَاطبة، كانَ رَحيماَ بالعِيال، (ما رأيتُ أحداً أرحمَ بالعيالِ مِن رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم) يقولُ هذا الكلام خَادِمُه سيدُنا أنس رضي الله عنه وأرضاه، وتقول زوجُه السيدةُ عائشة رضي الله عنها وأرضاها: (كانَ أرحمَ الناسِ بَسَّاماً ضَحَّاكاً) صلوات اللهِ وسَلاماته عليه.
والسؤال الذي يَطرحُ نفسَه يا أمة الرَّحمةِ المهداة: هل تَتراحمونَ فيما بينكم استجابةً لِدعوةِ نبيِّكم الرحمة المهداة: هل يرحمَ كَبيرُكم صَغيرَكم ? هل يرحمُ مسؤولكم مَن هُم تحتَ مسؤوليته ؟ هل يرحم أستاذكم طلابكم ? هل يرحم شيخكم مريديه ? هل يرحمُ الزَّوج زوجته ? هل ترحمُ الزوجةُ زوجَها ? هل يرحمُ الأبُ أولادَه ? وهل يرحمُ الأولادُ آباءهم وأمهاتهم ؟ هنا في هذه الآية التي سأتلوها، أسميتُ هذه الآيةَ مِعياريَّة، هذه الآية نقرؤها كثيراً، ولكنَّني وجدتُ فيها ميزاناً ومعياراً، فاسمعوها: (مُحمَّدٌ رَسولُ الله والذين مَعَه) هل أنتَ مع النبي، مع رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم ? إذا كُنتَ معه كما تَدَّعي فهناك مِعيارٌ، هُناكَ قاعِدة، مَن كانَ مع النبيِّ، مَن كان بِمعِيَّة النبي فمِعياره: (أشِدَّاءُ على الكُفَّارِ رُحماءُ بينَهم) إذا كُنتَ شَديداً على الكفار المجرمين المعتدين رَحيماً بالمؤمنين وإن خالفوك في المذهب، وإن خالفوك في بعضِ الأحكامِ الفقهية، أو في بعضِ الأحكامِ التَّشريعية، إن كُنتَ شَديداً على إسرائيل، على هذا الكِيان الغَاصِب ومَن لَفَّ لَفَّه، وكُنتَ رَحيماً بالمسلمين، بمن يقول: "لا إله إلا الله محمد رسول الله" بِغَضِّ النَّظر عن مَذهبه، بغض النظر عن فِقهه، بغضِّ النَّظر عن أحكامه الشرعية فأنتَ مع رسول الله، وإلا يا أخي، وإني لألحَظُ هذا الأمر واضحاً اليوم، لو طَبَّقنا هذا المعيار وهذا الميزان لوجدنا أن جُلَّنا لسنا بمعية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، لأننا رُحماء على أعدائنا، نُطَبِّعُ معهم، نُهرول إليهم، نمدحهم تارة بأسلوب مباشر وغير مباشر، أما المسلمون الذين يقولون: "لا إله إلا الله محمد رسول الله" فنتوجه إليهم بالنقد وبالتكفير أحياناً، وبالإخراج من مِلَّة الإسلام، وانظروا جلساتكم وأحاديثكم ولقاءاتكم ووسائل إعلامكم، وما تَرونه على وسائل التواصل الاجتماعي. أتريدُ أن تكونَ بمعية رسول الله ? إذاً انظر نفسَك، هل أنت رحيم بالمؤمنين، بالمسلمين، بكل مَن قال: (لا إله إلا الله)، وهل أنت شديدٌ على المعتدين الآثمين الذين يُدَنِّسون الأقصى ويُدنِّسون فِلسطين، ويقتلون أبناءنا، ويقتلون نساءنا، ولا زلنا نختلفُ بعد كل هذا فيما إذا كان هذا الذي ينتمي إلى غير مذهبنا هل هو مسلمٌ أم لا ? إذاً لستَ بمعية رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم. المعيار: (مُحمَّدٌ رسولُ الله والذينَ معَه أشِدَّاءُ على الكُفَّارِ رُحَماءُ بينهم)، (مَن لا يَرحَم لا يُرحَم)، مَن لا يرحمُ رحمةً عامة لكل المسلمين ولغيرِ المسلمين من أجل أن يكونوا مسلمين إذا لم يكونوا معتدين آثمين.
ايها الاخوة عنوان إسلامنا الرحمة، فهل أنت مِمَّن يُعَنوَنُ بهذه الكلمة ? العنوان كانَ الرحمة، هل يُطلَق عليك بأنَّك رحيم، وهل حين تُفتَقدُ يُتحدَّث عن رحمتك وعَن وَجودك الرحموي فيما إذا كنتَ موجودا ؟ هذا ما أتركُ الجوابَ عليه لكم أنتم يا أمةَ الرَّحمة المهداة صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم، اللهمَّ اجعَلنا على خَطِّ الرَّحمة المهداة، رُحماءُ فيما بَينَنا يا ربَّ العالمين، نِعْمَ مَنْ يُسأَلُ أَنت، ونِعْمَ النَصيرُ أَنت، أقولُ هذا القولَ وأستغفِرُ الله.
ألقيت في جامع السيدة نفيسة عليها السَّلام بحلب الجديدة بتاريخ 20/9/2024
لمشاهدة فيديو الخطبة، لطفاً اضغط هنا
ندعوكم لمتابعة صفحتنا عبر الفيس بوك بالضغط على الرابط وتسجيل المتابعة والإعجاب
https://www.facebook.com/akkamorg/
لمتابعة قناتنا عبر برنامج التليغرام بالضغط على الرابط وتسجيل الدخول والاشتراك
التعليقات