آخر تحديث: الإثنين 15 يوليو 2024
عكام


خطبة الجمعة

   
الصبر

الصبر

تاريخ الإضافة: 2001/08/17 | عدد المشاهدات: 3193

أمَّا بعد، أيُّها الإخوة المؤمنون :
في أيام تدق ساعاتها أزمات ، وتشيع في سمائها وأرضها اضطرابات ، وتظهر في ملامحها ومعالمها مصائب وآهات ، يشعر الإنسان في مثل هذه الأيام - ولعل الوصف الذي ذكرت ينطبق على أيامنا التي نعيش - يشعر الإنسان في مثل هذه الأيام بضرورة الالتجاء إلى القرآن الكريم ، ليأخذ منه ليعينه على إتمام المسيرة وفق ما يرضي الله عز وجل . وعند عودتنا إلى القرآن الكريم وجدنا أن الإنسان محكوم عليه بالخسران ما لم يكن مؤمناً بالله عز وجل وعاملاً للصالحات ومتواصياً بالحق ومتواصياً بالصبر . أَوَليس الله قد قال : ( والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) ، وإذا كان الإنسان يسعى لانتهاءٍ من الخسران ، أو لخلاصٍ من وضع مريب متدهور ، فما عليه إلا أن يلتزم الحكم الإلهي الوارد في هذه السورة الصغيرة من حيث عدد كلماتها ، الكبيرة في توجيهها ، في عطائها الفكري ، في عطائها الإيماني . فتعالوا - أبناء أمتي - لنثبت إيماناً بالله في قلوبنا ولنمحص أعمالاً تصدر عنا ، من أجل أن تكون صالحة ، تعالوا نتواصَ بالحق ، والحق هو الأيمان بالله عز وجل ، وتعالوا نتواصَ بالصبر ، وأعظم الصبر أمراً نتواصى به وعليه : ما أجمل الصبر من أجل أن يكون محل وموضوع وصية بيني وبينك أنت أيها الأخ المسلم هيا لنمتثل قول الله عز وجل : ( اصبروا وصابروا ورابطوا ) ، وأنا أتوجه بهذه الآية إلى كل أفراد الأمة الإسلامية في كل مكان لأقول لهم اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله .
أيها الاخوة : الصبر يحبه الله عز وجل ، والصابرون يحبهم الله عز وجل ، والله قال ( والله يحب الصابرين ) والسؤال : لمَ يحب الله الصابرين ؟ والجواب : يحبهم الله لأن الصبر أساس كل فضيلة ، فالعفاف صبر على الابتعاد عن الشهوات ، والشجاعة صبر على القتال في سبيل الله ، والطاعة صبر على العبادة . إذا ما ذكرت الفضائل كلها رأيت الصبر أسُّها ، ورأيت الصبر نواتها ، ورأيت الصبر مضمونها الذي تقوم عليه ، ورأيت الصبر الأس الذي ينبت بالخير في مجال من المجالات ليكوِّن هذه الفضيلة . الصبر أساس الفضائل والله يحب الصابرين ، وإن الصابرين بفضلهم أسسوا لكل الفضائل وتمتعوا واتصفوا بكل الفضائل ، وقد ورد في سنن البيهقي أن سيدنا علي رضي الله عنه قال : " الصبر من الإيمان كمنزلة الرأس من الجسد " . أوَليس الرأس هو المحور أوَليس الرأس هو الأس أوَليس الرأس هو الدليل ، وكذلك منزلة الصبر من الإيمان ، يحب الله الصابرين لأن الصبر أساس كل فضيلة هذا أولاً . 
ثانياً : يحب الله الصابرين لأن الصابر امتثل ونفذ أمر الله الأقسى في صورته وحقيقته ولما يعلم أمر الله ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ) ، يحب الله الصابرين لأن الصابرين يطلبون المعية الإلهية في أعلى وأرقى تجليها ، يطلبون المعية الإلهية الربانية في أرقى تجليها ( إن الله مع الصابرين ) ، ( والله مع الصابرين ) . أليس الله القائل ( واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ) ، أوَليس الله قد قال هذا ؟! فالصابرون يطلبون المعية في أعظم تجليها ، المعية الإلهية ، وأرقى صور مظاهرها وسطوعها وبروزها ، لأن الله قال - وقد ذكرت المعية الإلهية مع الصابرين أكثر من أي آخرين يتصفون بصفات أخرى - قال : ( إن الله يحب الصابرين ) ، لأن الصابر يتمثل الصبر ، والصبر يتمثل كل فضيلة ، لأن الصابر ينفذ الأمر الأقسى في صورته وحقيقته ، لأن الصابر يطلب المعية الإلهية في أعلى صورها ، كيف نصبر ، ما مستلزمات الصبر ،كيف يمكن أن تكون صابراً ؟ يستلزم الصبر أيها الاخوة مبدأً صحيحاً ، وأنه لا يمكن لذي المبدأ الباطل أن يصبر وأن يثبت ، الصبر يستلزم مبدأً صحيحاً ليثبت عليه ، وإلا إن لم يكن لك مبدء صحيح تثبت عليه وتصبر عليه فعلى أي شيء ستصبر ؟ يستلزم الصبر ثانياً - أيها الاخوة - اقتدار ومعايشة للصابرين ، إن لم تكن صاحب اقتدار فلا يمكن أن تصبر ، وأعني بالاقتدار الشجاعة ، وأعني بالاقتدار القوة ، وأعني بالاقتدار الاستطاعة ، ونحن نأكل ليس من أجل حركة فوضوية لا قيمة لها في عالم الإيمان ، نحن نشرب ليس من أجل حركة عبثية لا وجود لها في عالم الإيمان ، نحن نروض أجسامنا ونقوم بالرياضة ليس من أجل صحة جسدية تتناول الأشياء الدنيوية لتعيش مرتاحة في الدنيا ، إنما نأكل ونشرب ونعمل الرياضة من تكوين محتمل قادر على الصبر ، والصبر إنما يكون على المبدأ ، والصبر إنما هو الثبات على المبدأ الذي ارتضيته أنت وأعتقد انك ترتضي لنفسك المبدأ الذي ارتضاه لك ربك وهو الإسلام لا شك في ذلك ولا ريب . الصبر يستلزم اقتداراً ، الصبر يستلزم الشجاعة ، الصبر يستلزم مبدأً :
وإذا العقيدة لامست قلب امرءٍ كانت له في التضحيات روائعُ
أرأيتم إلى إخواننا الاستشهاديّين ، أرأيتم إلى هؤلاء ؟ لقد استلزم صبرهم مبدأً فكان مبدؤهم الإسلام فثبتوا عليه وقدموا أنفسهم في عمليات استشهادية ، قدموا أنفسهم في عقد النصر الذي أبرموه مع الله جلت قدرته ، والثمن دم حر يراق في سبيل الله على تراب الوطن وقد فعلوا هذا . 
أيها الاخوة : نَعَم . الصبر يستلزم مبدأً ، والصبر يستلزم اقتداراً ومعايشة للصابرين ، ومعايشة لسيد الصابرين يوم قال - وكلنا يردد هذا الكلام لكننا نريد أن يرددها أبناؤنا إبان الامتحان أعني إبان الاختبار الإلهي عندما يُعرض الأمر عليه بشكل حقيقي ولا أريد أن يرددوا هذا فقط في الفراغ أو في ساحات الثقافة التي لا تتطلب تضحية ولا فداء ، لا أريد لهم أن يرددوا كلمات سيد الصابرين في صفحات دفاتر الإنشاء أو في ساحات كتب التعبير فقط لكنني أريد لهم وأريد منهم ومن نفسي أن يرددوا هذه الكلمات ، كلمات الشجاعة والصبر عند الامتحان ، وكلُّنا معرضون للامتحان ، والامتحانات نتعرض لها صباح مساء إلا أن أحجامها تختلف ، كل واحد منا يتعرض لامتحان الصلاة أو عدم الصلاة ، يتعرض لامتحان الدراسة أو عدم الدراسة ، يتعرض لامتحان الغش أو عدم الغش، يتعرض لامتحان النفاق وعدم النفاق ، يتعرض لامتحان الكلمة التي يشجع بها ظالماً على ظلمه أو عدم تشجيع الظالم على ظلمه ، كلنا ونريد لهؤلاء أن يصبروا في امتحانهم هذا ، والصبر امتحان مع بذل من أجل رفعة هذا المبدأ ومن أجل سعادة يجنيها الصابر في الدنيا والآخرة . تذكر كلمة سيد الصابرين أيها الشاب ، أيها التاجر ، أيتها المرأة ، أيها المسؤول ، أيها المثقف ، أيها الإعلامي ، تذكر كلمة سيد الصابرين التي قالها إبان الامتحان فصبر ، وكانت كلمته رائدة وإماماً لكل الصابرين من أجل أن ينسجوا من خيوط كلماتها ، وخيوط كلمة الصبر التي قالها سيد الكائنات تمد الأمة إلى أخراها إلى يوم القيامة - قال : " والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن اترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أن اهلك دونه ". 
أيها الاخوة يستلزم الصبر - ثالثاً - أملاً . الصابر يعيش بالأمل ، الأمل من أين ؟ هل تأخذ الأمل من إنسان لا يدري إن كان سيستمر في الحياة إلى المساء أو إلى الصباح ؟ الأمل من الحي القيوم . يستلزم الصبر أملاً مستمداً من الله ، وإلا لا يمكن للصبر أن ينتج آثاراً . مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ياسر والد سيدنا عمار رضي الله عنهم جميعاً ، وكان ياسر يُعذَّب - وأنا إذ أذكر هذا أُذكِّر إخواننا في فلسطين الذين يُعذَّبون ، والذين يقتلون ، والذين يشردون ، قال ياسر والعذاب يتوالى عليه من أيد مجرمة أثيمة لا تعرف الإنسانية ولا تعرف قيمة الإنسانية في الإنسان ، التفت ياسر إلى المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم قائلاً له : يا رسول الله الدهرَ هكذا ؟! هل سنبقى طوال الدهر نعذب ؟! قال له النبي عليه وآله الصلاة والسلام : " صبراً آل ياسر فإن موعدكم الجنة " . الأمل من رسول الله ، ورسول الله يتكلم بوحي من الله . وأنا استمد من هذه الكلمة المشرقة والمستمرة الإشراق لأقول لأخواننا في فلسطين لأنه أتانا منهم من يقول : الدهرَ هكذا ؟! فأني أقول لهم صبراً آل فلسطين فإن موعدكم الجنة ، وإن موعدكم النصر . 
أيها الاخوة : الصبر يستلزم أملاً تربطه بالله ، الأمل بالله في كل بقاع العالم الإسلامي ، لا أمل إلا بالله ، ولا رجاء إلا من الله ، وسنستيئس من كل ما سواه ، وسيبقى الأمل بالله عز وجل . جاء خباب - كما في البخاري - إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكان النبي متوسداً بردته في ظل الكعبة ، جاء خباب وقال يا رسول الله : ألا تستنصر لنا ؟ ألا تدعو لنا ؟! وكان النبي متكئاً فجلس ثم قال : " إنه كان فيمن قبلكم يؤتى بالرجل يُمتحن ، فانه يوضع في حفره وينشر في منشار الحديد ما بين لحمه وعظمه لا يصده ذلك عن دينه " ولتفعل إسرائيل ما شاءت فلن يصدنا ذلك عن ديننا ، ولن يصدنا ذلك عن قضيتنا ، ولن يصدنا ذلك عن خيار المقاومة الذي اخترناه ولا خيار سواه ، ولتسقط كل الخيارات ، لا خيار إلا خيار المقاومة ، ولا خيار إلا خيار الحرب ، ولا خيار إلا خيار الانتفاضة ، ولتسقط كل الخيارات ، وليسقط كل الخائنين في كل بقاع الأرض . ألا تدعو لنا ألا تستنصر لنا وكان متكئاً فجلس : انه كان فيمن كان قبلكم يؤتى بالرجل فيوضع في حفره فينشر بمنشار الحديد ما بين لحمه وعظمه لا يصده ذلك عن دينه والله - وهو كلام الأمل - والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون " النصر آت ما دمتم تعملون ، النصر آت ما دمتم تُضحُّون ، النصر آت ما دمتم بالله تؤمنون : ( ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون ) ، الصبر يستلزم أملاً - أيها الاخوة - أرأيتم كما بدأت الحديث إننا بحاجة إلى تواصٍ بالصبر بعد التواصي بالحق ، فلنتواصَ وليوصي كل منا الآخر بالصبر الإيجابي ، بالصبر الإسلامي ، بالصبر القرآني . وأسأل الله أن يوفقنا جميعاً من أجل نصرٍ أساسه صبر ، " واعلم أنَّ النصر مع الصبر " هكذا قال سيد الصابرين محمد عليه وآله الصلاة والسلام : " واعلم أن النصر مع الصبر ، وأن الفرج مع الكرب ، وأن مع العسر يسراً " واعلم أن النصر مع الصبر ، نريد نصراً أساسه صبر ، ونريد صبراً ينتج صبراً ، ونريد تواصياً بالصبر فيما بيننا . فيا ربنا وفقنا لنتواصى بالحق ولنتواصى بالصبر بعد أن نؤمن بك وبعد أن نعمل صالحاً نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت أقول هذا القول واستغفر الله .

التعليقات

شاركنا بتعليق