آخر تحديث: السبت 04 ديسمبر 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
النصر طريقه الصبر

النصر طريقه الصبر

تاريخ الإضافة: 2004/08/06 | عدد المشاهدات: 3086

أما بعد ، أيها الأخوة المسلمون المؤمنون :

سألني أخٌ بالأمس عن طريق النصر فقلت باختصار :
النصر طريقه الصبر : واعتمدت في هذه الإجابة على قول سيدي وقرة عيني محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في الترمذي وبسند صحيح : " وأن النصر مع الصبر ، وأن الفَرَج مع الكرب ، وأن مع العسر يسراً " قلت لهذا السائل : الصبر طريق النصر ، والصبر ليس هُمُوداً ولا انكساراً ، والصبر ليس خنوعاً ولا ذلاً ، والصبر ليس ضياعاً ولا انهياراً . الصبر : عمل دؤوب ، ثباتٌ على المبدأ ، تضحيةٌ من أجل هذا المبدأ ، الصبر : حركة إيجابية ، لا ينتابها سلب ولا سلبية . قال لي سائلي متابعاً : وهل نحن اليوم أمة صابرة ، وبالتالي نعرف فيما إذا كنا سننتصر أم لا ؟ قلت : إليك شيئاً من التفصيل . نحن أمة صابرة بحسب الادّعاء ، لكننا في حقيقتنا – ولا أعمم – ويظهر أن كمية الصبر المطلوبة من الأمة حتى تنتصر لم تتحقق ، وإنما الذين لم يصبروا منا سلكوا طريق الانتقام ، والانتقام ليس طريق النصر . لأن الصبر منهاج ، والانتقام جزاء ، والذي ينتقم هو الله ، وليس أنت ، ويوم يعتدي الإنسان على إنسانيته يدَّعي لنفسه ما الله تفرد به ، فيقول : أنا ربكم الأعلى ، وبالتالي يمارس الانتقام . انظر في القرآن الكريم جاء الصبر طريقاً إلى النصر ، وذُكِر النصر بعدد مرات الصبر ، وهذا يدل على أن النصر والصبر يشكل أحدهما سبباً ويشكل الثاني مسبباً ، يشكل أحدهما طرف المعادلة التي نطلبها ويشكل الثاني الطرف الآخر لتلك المعادلة بتوازن وانتظام . هنالك فرق بين الصبر والانتقام : الصبر منهاج ، والانتقام جزاء ، الصبر أَمَرنا الله عز وجل أن نسلكه في أكثر من مائة آية ، لكن الانتقام تفرد به ، واقرؤوا آياتٍ ذكر فيها الانتقام ، فالمنتقم هو الله ، لأن الانتقام جزاء ، ويوم يعتدي الإنسان على إنسانيته يمارس طريق الانتقام ولا يمارس طريق الصبر ، ولهذا وُصِف في القرآن غير المؤمنين من المعتدين والكافرين بالانتقام ، قال ربي عز وجل :
﴿ وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد البروج : 8 النقمة والانتقام ليست إليك ، وإنما إليك الصبر ، فاصبر ، فاثبت وتحمل ، واسعَ إصابة الحق ، وضَحِّ من أجل ذلك .
مما يفرزه الصبر الضياء : فهو كما قال عنه سيدنا المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم : " الصبر ضياء " جاء ذلك في حديث رواه الإمام مسلم ، والانتقام من العباد للعباد ظلام ، وحين نريد أن نفرق بين الضياء والنور نقول : إن الضياء نورٌ ذاتي ينوِّر غيره ، فالشمس ضياء ، والقمر نور ، والشمس هي التي تضئ القمر ، والصبر ضياء ، وهو الذي يُضئ بقية الفضائل ، الصبر يفرز ضياءً تنور كل الفضائل ، تنور الصلاة ، تنور الجهاد ، تنور العمل ، تنور الصدق ، تنور الأمانة ، تنور كل خلق حميد ، وإذا لم يشع الصبر من ضيائه على سائر الفضائل فإن الفضائل ستضمحل وستخبو شيئاً فشيئاً :
﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين البقرة : 45 نريد أمة صابرة ولا نريد أمة منتقمة ، نريد مقاومة صابرة ولا نريد مقاومة منتقمة . دعوا الانتقام لأعداء الله ، فالمنتقمون من البشر سيسقطون كما سقط أولئك الذين أرادوا أن يعذبوا المؤمنين الصابرين في الأخدود ، سقطوا هم في الأخدود . دعوا الانتقام يمارسه أعداء الله . وأنتم أيها العاملون المؤمنون المسلمون : طريقكم صبر ومصابرة ﴿ اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله آل عمران : 200 ، ﴿ والعصر . إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر العصر : 1- 3 .
الصبر يفرز الرحمة : جاء في البخاري ومسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : كأني أنظر إلى النبي عليه وآله الصلاة والسلام يحكي نبياً من أنبياء بني إسرائيل ضربه قومه فأدموه فجعل يمسح الدم عن جبينه ويقول : " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " وفي رواية : " اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون " الصبر يفرز رحمة ، والانتقام بحد ذاته نقمة ، ولا يورث الانتقام نصراً ولا ضياء ولا رحمة وإنما يورث الانتقام خذلاناً وضياعاً وخسراناً .
ليس كلامي هذا من أجل علم نتعلمه ، لكنني أنادي من خلاله نفسي وإياكم وكل المسلمين شعوباً وقادة ، حكاماً ومحكومين : الصبر طريق النصر ، والانتقام لا يؤدي إلا إلى الخذلان ، الانتقام سُبة ، والله قال :
﴿ ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم الأنعام : 108 السُّبَّة والسباب انتقام ، ولذلك لا يورث الانتقام إلا الخذلان . جاء في حياة الصحابة أن سيدنا الإمام علي كرم الله وجهه لَحِق مشركاُ في معركة جهادية صابرة ، تمكن منه فلما هوى بسيفه عليه وإذ بذاك الرجل المشرك المقاتل يبصق في وجه الإمام علي ، والإمام علي كان قد تمكن منه لم يبق بين سيف الإمام وبين رقبة هذا إلا اليسير ، وبمجرد أن بصق في وجهه تركه الإمام علي ، فقيل له : يا إمام : لم تركته ؟ قال لهم : أرأيتم ! لما لحقته كنت أسعى من أجل أن أنتقم لله ، أن أجاهد في سبيل الله ، فلما بصق في وجهي خشيت أن يخالط انتقامي لنفسي انتقامي لربي فتركته .
أيها المقاتلون ، أيها المقاومون : هل مقاومتكم تنبثق من الصبر أم تنبثق من الانتقام ؟! أعداؤنا ينتقمون لكننا نصبر ، ولا يعني الصبر ترك الجهاد ، وإنما الجهاد من الصبر ، لكننا نجاهد راحمين ، ونقاتل راحمين ، ونصبر راحمين . الصبر يفرز الرحمة .
والصبر يفرز الأمل والتحمل : روى البيهقي في سننه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عَرَضَ له سفيه من سفهاء قريش ، فألقى التراب على وجه النبي عليه وآله الصلاة والسلام ، فذهب النبي إلى بيته ، فجاءت إحدى بناته ، فجعلت تمسح التراب من على وجه النبي عليه وآله الصلاة والسلام وهي تبكي . فقال لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " أي بنية ! لا تبكي ، إن الله مانعٌ أباك " ناصره . أيها المسلمون اصبروا ، وإياكم والتفكير في الانتقام ، فالانتقام لا يؤدي إلى نصر ، لا نريد أن ننتقم ، لا نريد أن نكون أصحاب ردة فعل ، لكننا نريد أن نكون فاعلين .
الصبر يفرز عدلاً : يفرز تحرياً للعدل ، قال عليه وآله الصلاة والسلام كما في البخاري ومسلم : " ستكون بعدي أَثَرة وأمور تنكرونها " قالوا : يا رسول الله فما تأمرنا ؟ قال : " تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم "
﴿ ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا المائدة : 8 نحن نريد أن نصبر ، والصبر يفرز العدل ، يفرز عطاء كل ذي حق حقه ، ولذلك نقول : إن التوجه إلى الكنيسة بحد ذاتها لضربها ليس من مفرزات الصبر . نقول لإخواننا في كل مكان : ضرب الكنيسة ليس من مفرزات الصبر ، فلا نريد إخواننا إن كانوا قد فعلوا – وإن كنت أشك في أنهم هم الذين فعلوا ، ربما ظننت وظني يقارب اليقين بأن الذين ضربوا الكنائس في العراق إن هم إلا أولئك الذين تجندهم المخابرات الإسرائيلية والأمريكية ، لكنهم يريدون أن ينسبوا ذلك لأفراد منا – على كل نحن نقول لإخواننا : فليفرز صبركم عطاء للحقوق ، إنصافاً وعدلاً ، فالكنيسة بالنسبة لنا لا تضرب ولا يجوز أن تضرب . وهذا تعليق أحببت أن أقوله حتى يتبين الناس المواقف ، وأقول للناس إياكم أن تكون أحكامكم مستنبطة من فكرة الانتقام ، إيانا وإياكم أن يكون الانتقام هو عنوان حركتنا ، إيانا وإياكم أن نكون سائرين في طريق الانتقام ، لا ، نحن نسير في طريق الصبر ، لأن الصبر طريق النصر .
الصبر يفرز ابتعاداً عن المواجهة المسلحة ما استطعنا إلا إذا فرضت علينا : ودليلي على ذلك ما جاء عن سيدي رسول الله عليه وآله الصلاة والسلام كما يروي البخاري ومسلم : " لا تتمنوا لقاء العدو ، واسألوا الله العافية ، وإذا لقيتموهم فاصبروا " الإسلام لا يريد الحرب ولا يحب الحرب ، وربي يقول :
﴿ كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله المائدة : 64 الإسلام إطفائية ، يطفئ الحرب ، والإسلام يريد الجهاد ، والجهاد مقاتلة مدعون إليها اضطراراً ﴿ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا الحج : 39 لكننا لا نبادر بالقتال قبل أن نلقى من يقاتلنا ويستجرنا للمقاتلة . فالصبر يفرز ابتعاداً عن المواجهة المسلحة إلا إذا اضطررنا " وإذا لقيتموه فاصبروا ، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف " هكذا قال النبي عليه وآله الصلاة والسلام عندما نضطر إلى المواجهة بالسيف ، عند ذلك ستكون الجنة تحت ظلال السيوف " اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم يا مجري السحاب ، وهازم الأحزاب انصرنا عليهم " إنه حديث متكامل يبين لنا منهاجاً ينبغي أن لا نحيد عنه قيد أنملة .
أقول هذا الكلام حتى نعيد النظر في مسيرتنا العملية والأخلاقية والجهادية . ترى هل نحن نتصرف على أساس من انتقام أو على أساس من صبر ، إن كان الأمر على أساس من انتقام فلا نَصْرَ أمامنا ، إن كان على أساس من حقد ، فلا نصر أمامنا ، وإن الأمر كان على أساس من صبر وعلى أساس من إرادة الخير لكل الناس فالنصر لنا ، لأننا نريد لكل الناس الخير ، أولسنا أتباع الرحمة المهداة ، أولسنا أتباع من قال الله عنه :
﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين الأنبياء : 107 وهل الرحمة تلتقي مع الحقد والانتقام ؟ لا يا إخوتي ، بل تلتقي مع الجهاد حينما نضطر إليه ، حينما يعتدي علينا من يعتدي كأولئك الذين يعتدون على أطفالنا في القدس ورفح وغزة وطولكرم ، الذين يعتدون علينا في الضفة والقطاع وعمق القدس ، في المنطقة الخضراء ، هؤلاء معتدون جردوا سيوقهم وألجموا ألسنتهم ، وقالوا : لا مناص إلا القتال ، فنحن مضطرون لقتال هؤلاء ، ولكن بأخلاق الإسلام ومن منطلق الصبر لا من منطلق الانتقام ، فمن آمن منهم قبلناه ، ومن رمى السلاح تركناه ، ومن واجهنا واجهناه مثلاً بمثل من غير تعد ﴿ وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين البقرة : 190 كلامنا هذا ينطبق على كل عدو للإسلام والمسلمين يشهر السيف في وجوهنا ولا يسمح للساننا أن ينطلق ليعبر عن الصبر وعن مكنون صدورنا من إرادة خير لكل الناس ، فنحن رسالة الرحمة ، نحن رسالة الأمان ، نحن رسالة الاطمئنان ، نحن رسالة التمكين ، نحن رسالة التمتين ، نحن رسالة التمدين ، نحن رسالة الحضارة . هذا الذي قلته ينسجم مع طبيعة الرسالة وإلا فلا ينسجم .
يا رب : أسألك بأسمائك الحسنى أن تجعلنا من الصابرين ، أسألك أن تجعلنا من الراحمين ، أسألك أن تجعلنا من المضيئين ، أسألك أن تجعلنا من المنتصرين ، أسألك أن تجعلنا من العادلين الذين يعدلون في كل ما وَلُوا ووُلُّوا ، أسألك أن تجعلنا من الذين يبتعدون عن ساح المواجهة السلاحية ابتداء ومبادرة إلا إذا اضطروا ، عند ذلك فأنت الذي أذنت لهم . يا رب العباد ، نعم من يسأل أنت ، ونعم النصير أنت ، أقول هذا القول وأستغفر الله .

التعليقات

شاركنا بتعليق