آخر تحديث: الجمعة 26 تشرين الثاني 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
ذكر الله حصن وملاذ

ذكر الله حصن وملاذ

تاريخ الإضافة: 2003/06/20 | عدد المشاهدات: 1963

أما بعد ، أيها الإخوة المؤمنون :
يقال : من أحب أحداً أو شيئاً ذكره ، ومن خاف من أحد أو من شيء ذكره أيضاً ، وذكرُك المحبوب يستتبع إرضاءَه ليزيد الحب في قلبك نحوه وليزيد حبه إياك أيضاً ، كما أن ذكرك مَن تخاف يستتبع عدم مخالفته لتنجو من عقابه ، والذي أريد أن أقوله بعد هذا : ومن أولى من الله محبوباً ، فلنذكره وليكن ذكرنا إياه يستتبع إرضاءه ، وما نريد من إرضائه إلا إرضاءه ، وسيزيد حبه في قلوبنا ، وستزداد محبته لنا ، ومن ناحية أخرى أيضاً : ومَنْ أولى من الله بأن نخاف منه ، وذلك إذا ذكرناه على سبيل الخوف فمن أجل أن لا نخالف أوامره لننجو من عقابه .
أقول هذا بعد أن انتهى طلابنا من امتحاناتهم - أعني طلاب المرحلة الإعدادية والثانوية ، بعد الابتدائية – أقول لهم :
ألا نحتاج إلى حصنٍ نلوذ به لنحتمي من الفساد الذي يتشكل بتشكُّلات كثيرة ويريد أن يقتحمنا ؟! نحن بحاجة إلى ملاذ حتى نحمي أنفسنا مما قد تسببه مفرزات الحياة اليوم من اعتداءات على الأخلاق ، اعتداءات على القيم ، اعتداءات على الفضيلة ، اعتداءات على الخير ، نحن بحاجة إلى أن نقوي مناعتنا الإيمانية والأخلاقية والسلوكية والفكرية ، حتى لا تتأثر هذه المناعة بجراثيم الضلال والفساد والانهيار والضياع والتفكك ، وهاأنذا اليوم أعرض على شبابنا وطلابنا حصناً من الحصون وملاذاً من الملاذات قدَّمتُ له ألا وهو ذكر الله عز وجل .
أيها الشاب ، أيها الطالب ، أيتها المرأة ، أيها الموظف : هيا إلى ذكر الله عز وجل ، هيا إلى اقتطاع جزء من يومك لتودع فيه ذكراً لربك عز وجل ، وربك عز وجل إما أن تذكره على سبيل الحب ، فذكرك إياه على سبيل الحب يستتبع إرضاءه ، وذكرك إياه على سبيل الخوف يستتبع عدم مخالفة أوامره ، فنحن نعيش في فترة – شئنا أم أبينا - نتعرض صباح مساء فيها لجراثيم الضياع والفساد والانحلال ، وحرصاً على أمتنا ومستقبلها ، فشباب أمتنا يعني مستقبلها ، وطلاب أمتنا يعني مستقبلها ، حرصاً على شباب أمتنا ، حرصاً على مستقبل أمتنا ، أتوجه إلى هؤلاء الشباب لأقول لهم : ادخلوا حصن ذكر الله حتى تأمنوا من بوائق الرذيلة ، حتى تأمنوا من آثار الفساد ، من آثار الاعتداء الآثم من قبل الشر وأهله ، ومن قبل الإثم وأهله ، ومن قبل الضياع والتضييع وأهله ، ادخلوا حصن ذكر الله .
حدثتكم منذ أسبوعين عن المسجد وعن دوره في تحصين الشباب ، وعن دوره في تقوية المناعة الإيمانية ، وهاأنذا اليوم أقدم حصناً آخر لندخله من أجل أن نقوي قلوبنا بالإيمان ، ألسنتنا بالذكر ، عقولنا بالمعرفة ، أجسامنا بالصحة والعافية ، جوارحنا بالطاعة والانصياع ، لأوامر الله عز وجل .
أذكرك أخي الشاب بضرورة الذكر كلَّ يوم ، وليكن لك وِرد ، ولطالما ذكرتك بهذا عبر سنوات مرت قضيناها في كل جمعة على هذا المنبر ، فبين الفينة والأخرى لنا تذكير لأنفسنا ، ولمن نحب ، ولشبابنا ولعدتنا ولوطننا ولمسؤولينا ولجيشنا ولضباطنا ولعسكرنا ولكل الذين يشكلون مستويات مجتمعنا ، نقول لهم : اذكروا الله ، فذكر الله حصن ، وذكر الله مناعة ، وذكر الله عز وجل ربح وعطاء وفوز ونجاح واطمئنان وأمان .
اذكر الله أيها الطالب صباح كل يوم ، ولعلي أذكرك بما قلته لك عبر سنوات ، هنالك أذكار تسمى بأذكار المناسبات فلا تنسها ، ومن أذكار المناسبات : اذكر الله إذا خرجت من بيتك من أجل أن تعبِّر عن حبك لربك ومن أجل أن تعبر عن خوفك من ربك : " ويُسلَّط على ابن آدم ما خاف ابن آدم ، ولو أن ابن آدم لم يخف إلا الله لم يسلط عليه سواه " اذكر الله عز وجل أذكار المناسبات ، إن خرجت من بيتك فاذكر ربك حسب ما ورد في الأثر الصحيح ، وإذا دخلت بيتك ، وإذا بدأت عملك ، وإذا كنت في جامعتك ، وإذا كنت في تجارتك ، هنالك أذكار مناسبات عليك بها لتكون لك حصناً ، وهيهات أن تذكر الله وينساك الله عز وجل ، اذكر الله ذكر المناسبات أي في كل مناسبة ، نريد لشبابنا إذا أووا إلى فراشهم أن يتذكروا ويذكروا ما ورد في هذه المناسبة وإذا استيقظوا كذلك ، وإذا أكلوا كذلك وإذا شربوا كذلك ، فمع الطعام باسم الله ، ومع الاستيقاظ : " الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور " وهكذا دواليك..
أيها الأخ المسلم ، أيها الشاب : إلى حصن متين من حصون الله لنحتمي مما قد يأتينا من فساد ، من ضلال ، من انزياح عن خط مستقيم ، هيا إلى هذا الحصن المتين ، اذكر الله عز وجل ذكر المناسبة ،واذكر الله الذكر العام ، فإنك إن ذكرت ربك فإن ربك عز وجل سيعطيك . جاء في صحيح الإمام مسلم أن الله عز وجل قال في الحديث القدسي : " عبدي ! اذكرني بعد الفجر ساعة وبعد العصر ساعة ، أكفك ما بينهما " وجاء في صحيح البخاري أيضاً أن النبي عليه وآله الصلاة والسلام قاتل : قال الله عز وجل في الحديث القدسي : " لا إله إلا الله كلامي ، وأنا هو ، فمن قالها دخل حصني وأمن من عذابي " ويقول عليه وآله الصلاة والسلام كما جاء في صحيح البخاري عن رب العزة جلت قدرته : " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين " اذكر ربك يعطك ، أنت بحاجة إلى ربك ، فإذا أردت من ربك حاجة فاذكره .
أتاني شاب منذ يومين ، وقد وقع في مشكلة فقلت له : هل صليت ركعتي الحاجة ، وهل دعوت بدعاء الحاجة ؟ قال لي : وهل هنالك دعاء يسمى دعاء الحاجة ؟ قلت له : نعم . لقد جاء هذا الدعاء عن سيد الكائنات محمد عليه وآله الصلاة والسلام فاذهب يا أخي وصل ركعتين وادع دعاء الحاجة : " اللهم إني أسألك وأتوجه بنبيك محمد نبي الرحمة ، يا محمد إني توجهت بك إلى ربك في حاجتي لتقضى ، اللهم شفعه فيَّ بجاهه عندك " اذكر ربك أيها الطالب ، يمنحك ، واذكر ربك أيضاً يحبك ، ولقد ورد عن النبي عليه وآله الصلاة والسلام كما جاء في سنن الدارقطني قال موسى يا رب : وددت لو أني أعلم من تحب من عبادك فأحبه . قال : إذا رأيت عبدي يكثر ذكري فلأنا أذنت له وأنا أحبه ، وإن رأيت عبدي لا يذكرني فأنا حجيجه وأنا أبغضه " اذكروا الله في الرخاء ، وتعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة ، ألست بحاجة إلى محبة الله ؟! لا شك في ذلك ولا ريب . اذكر الله يغفر لك ، وذنوبنا كثيرة ، ونحن بحاجة من أجل أن يغفر الله لنا هذه الذنوب ، يروي الإمام مسلم أن النبي عليه وآله الصلاة والسلام خرج مرة إلى أصحابه فوجدهم مجتمعين جالسين فقال لهم : ما أجلسكم ؟ قالوا : جلسنا نذكر الله ونحمده على ما من به علينا وهدانا للإسلام . فقال النبي عليه وآله الصلاة والسلام : آللهِ ما أجلسكم إلا هذا ؟! لم أستحلفكم تهمة لكم ، ولكن أتاني جبريل فأخبرني بأن الله يباهي بكم الملائكة " نريد جلسات ذكر لشبابنا تكون بديلاً لجلسات التضييع واللهو الذي لا فائدة فيه بل المضرة أحياناً وأحايين . نريد أن يجتمع شبابنا في بيت ، في مسجد يذكرون الله ، يحمدونه على ما من به عليهم ، وعلى ما هداهم إلى الإسلام . نريد لشبابنا ونريد لوسائل إعلامنا أن تدعم الذكر والذاكرين وأن تكون فيها برامج لدعم الذكر والذاكرين ، لطلب الناس من أجل أن يذكروا الله لتوضيح معنى الذكر ، لتوضيح غاية الذكر ، لتبيان فائدة الذكر ، لتبيان آثار الذكر ، ما دامت وسائل الإعلام تريد لمستقبلنا الخير فنقول لها : هذا ملمح من ملامح الخير ، هذا طريق من طرق الخير ، وهذه وسيلة من وسائل تدعيم الخير لشبابنا ، لمستقبلنا .
اذكر الله سيطمئن قلبك ، ولقد قال ربي عز وجل :
﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب الرعد : 28 وجاء في الترمذي أن رجلاً جاء إلى النبي عليه وآله الصلاة والسلام فقال : يا رسول الله ! إن شرائع الإسلام كثرت عليَّ ، فمرني بشيء أتشبث به . فقال عليه وآله الصلاة والسلام : " لا يزال لسانك رطباً بذكر الله " وأؤكد ما بدأت به لأقول : ما أجمل الشاب ، ما أرقى هذا الشاب الذي لا يفتر لسانه عن ذكر الله ! ما أروع هذا الشاب الذي يبتدئ عمله حيث كان بذكر الله ! ما أروع هذا الشاب الذي يصدر طمأنينة لمن حوله من خلال ذكره ربه ! ما أرقى هذا الشاب ! انشروا الطمأنينة في مجتمعكم فالطمأنينة مطلوبة ، والطمأنينة تنتشر بذكر الله ، تنتشر الطمأنينة في مدارسنا بذكر الله ، في ثكناتنا بذكر الله ، في شوارعنا بذكر الله ، في مطاعمنا بذكر الله ، في كل مكان بذكر الله . علموا أطفالكم وأبناءكم وشبابكم أن ذكر الله وسيلة للارتباط بالله عز وجل ومن ارتبط بالله فقد حقق القوة المعنوية الكبرى وعليه أن يسعى لتحصيل القوة المادية الأخرى والقوة قوتان معنوية منبعها القلب المؤمن ، ومادية تعمل وتصنع على الأرض ولكن بإشارة ودعم من الإيمان .
أسأل الله عز وجل أن يجعلنا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات ، وأن يجعل ألسنتنا رطبة بذكره ، أسأل الله عز وجل أن يحفظ أمتي ، أن يحفظ شبابها ، أن يحفظ القائمين عليها ، أن يجعلهم من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات ، اللهم أيدنا بذلك ووفقنا لذلك ، نعم من يسأل أنت ، ونعم النصير أنت ، أقول هذا القول وأستغفر الله .

التعليقات

شاركنا بتعليق