آخر تحديث: السبت 13 أغسطس 2022
عكام


خطبة الجمعة

   
وصايا إلى المدرسين

وصايا إلى المدرسين

تاريخ الإضافة: 2004/09/03 | عدد المشاهدات: 3197

أما بعد ، أيها الأخوة المسلمون المؤمنون :

بعد غد سيذهب طلابنا إلى مدارسهم ، والطالب أس هام من أسس المجتمع ، والأمة التي يعطى الطالب فيها حقه من العناية والتربية والرعاية أمة متحضرة ، لذلك قررت في هذه الخطبة ، وفي التي تليها أن أوجه ندائي إلى المعلم أولاً وإلى المدرس والمدير والموجه ، ثم بعد ذلك إلى الطالب في الأسبوع القادم إن شاء الله .
ثانياً : أيها المعلم ، أيها المدرس ، أيها المدير ، أيها الموجه : أنت مؤتمن على طلابنا ، على أبنائنا ، على تلاميذنا ، على عقول تلاميذنا ، على قلوبهم ، على جوانحهم وجوارحهم ، أنت مؤتمن على مستقبل وطننا ، أنت مؤتمن على مستقبل علمنا ، أنت مؤتمن على نظافة وطننا المعنوي ، لذلك اسمح لي أيها الموجه والمعلم والمدير والمدرس أن أقول لك ، وأنا مَعنيٌ كما أنت معني . أقول : فلتنوِ العبادة إذ تعلم ؛ انوِ العبادة في تعليمك طلابك ، انو العبادة في توجيهك طلابك ، فورب العزة إنها – أي التعليم – لأعظم عبادة ، وهل يشك عاقل أو مسلم في ذلك ؟! فقد ورد عن النبي عليه وآله الصلاة والسلام كما يروي صاحب مجمع الزوائد ، وكما جاء في سنن الترمذي : " إن الله وملائكته وأهل السموات وأهل الأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير " انو العبادة ، وقد جاء في صحيح الإمام مسلم أن رسولنا عليه وآله الصلاة والسلام قال : " من دلَّ على خير فله مثل أجر فاعله " انو العبادة في تعليمك فأنت في أشرف عبادة ، وإياك أن تجعل من عملك هذا الشريف مهنة ممتهنة مهينة لا تطالها الأمانة ، ولا يطالها النبل ، ولا يطالها الخلق الحسن .
ثانياً : أعطِ الدرس حقه . لأننا نشكو من مدرسين ومعلمين ومديرين لا يعطون الدرس حقه ، ولا يعطون التوجيه حقه ، ولا يعطون الإدارة حقها . نريد أن أن تعطي درسك حقه ، فقد جاء في سنن البيهقي أن النبي عليه وآله الصلاة والسلام قال : " إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه " أعط الدرس حقه . كم نشكو من أساتيذ ومعلمين وموجهين يقضون ساعة الدرس في غير ما وُكِل إليهم ، يقدمون للطالب ما لم يطلب منهم أن يقدموه ، حتى وإن كان هذا الذي يقدمونه نافعاً ، لكنك مؤتمن على إعطاء درس في الفيزياء مثلاً إذا كنت مدرس فيزياء فلا تتجاوز ما اؤتمنت عليه ، ولا تتجاوز درسك في الكيمياء أو في اللغة العربية أو سواها . آلمني أن أحضر لبعض المدرسين الموكل إليهم تدريس دروس تتعلق مثلاً بأحكام البيع في مادة التربية الإسلامية وإذ بي أراهم يوجهون طلابهم لحضور الدروس في المساجد مثلاً ، هذا أمر نافع ، ولكن هذه الساعة التدريسية من أجل أن تعطي الدرس المخصص والمحدد . كم من أساتيذ ، وكم من معلمين لا يقدمون الدرس المخصص والمادة المخصصة في هذه الساعة ليتجاوزوها إلى أمور لم تكن الساعة هذه مخصصة لها ، أفيجوز هذا ؟! فما بالكم لو أن المدرس أو المعلم خرج عن النافع ؟! طلابنا في المرحلة الثانوية والإعدادية يشكون من تَسَيُّب المدرسين ، من تضييع المدرسين الساعة التي يتقاضون على أساسها راتباً ، يشكون من مدرس المادة الفلانية ، ففي بدء العام الدراسي يقلع المدرس إقلاعاً جيداً ، لكنه بعد الثلث الأول من العام الدراسي يتباطؤ ويتكاسل ، يقف أمام الطلاب من أجل أن يوجههم إليه . يقول صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في صحيح الإمام مسلم ، وليسمع الأساتذة والمعلمون والموجهون والمسؤولون : " ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه لم يُرِح رائحة الجنة " أنت أيها المدرس : استرعاك الله الطلاب ، أيها المسؤول الكبير استرعاك الله رعيتك إذا لم تحطها بعناية لم ترح رائحة الجنة ، وفي رواية : " لم يجد رائحة الجنة " في الثكنة العسكرية كما في المدرسة ، في المديرية الفلانية كما في المعهد ، في الجامعة كما في أي مكان يكون فيه مسؤولاً ، في البيت ، في كل ساحة تشغل فيها سُدّة التوجيه ، ومكانك التعليم والرعاية : " ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه لم يرح رائحة الجنة " .
ثالثاً : أيها المدرس اجعل العلاقة بينك وبين طلابك علاقة رحمة . الرحمةَ الرحمة يا ناس : " ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء " هكذا قال عليه وآله الصلاة والسلام كما جاء في صحيح الإمام البخاري . الرحمةَ الرحمة ، وجاء في مسند الإمام أحمد وفي السنن أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : " ليس منا من لم يرحم صغيرنا ، ويوقر كبيرنا ، ويعرف لعالمنا حقه " الرحمة هي الجسر الذي يجب أن يبنى بينك وبين موجهك أيها الموجه ، بينك وبين من تدير يا أيها المدير ، بينك وبين شعبك يا أيها الحاكم ، بينك وبين عسكرك يا أيها الضابط ، وهكذا دواليك ، قلتكن الرحمة صلة الوصل بين المدرس وطلابه .
رابعاً : أيها المدرس : لِمَ تقف عند حدود الشهادة ؟ لم لا تأتمر بأمر الله لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم حينما قال :
﴿ وقل رب زدني علماً طه : 114 أريدك أن تتابع العلم :

فأدم للعلم مذاكرة             فحياة العلم مذاكرته

أريدك أن تتابع التحصيل العلمي وأن لاتقف عند حدود الشهادة لأن المؤمن هكذا قال عليه وآله الصلاة والسلام كما جاء في صحيح الإمام مسلم : " المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف " ازدد علماً في كل يوم . أَوَنسيت قول النبي عليه وآله الصلاة والسلام كما جاء في الطبراني في الأوسط : " إذا أتى عليَّ يوم لا أزداد فيه علماً يقربني إلى الله فلا بورك لي في شمس ذلك اليوم " ازدد علماً في كل ساعة ولحظة . أرى أساتيذنا أو معلمينا يُحضِّرون ويحصلون ويتعلمون في السنة الأولى التي فيها يدرسون ، لكنهم في السنة الثانية يجترون ويكررون ويضعفون ويسأمون وييأسون ، أرى أساتيذنا في السنة الثانية من مباشرتهم التدريس لا يحضرون ، ولا إلى المراجع ولا إلى المصادر يعودون ، أفيجوز هذا ؟!
أخيراً : أيها المدرس : الإخلاصَ الإخلاص ، الإخلاص في تعليمك الطلاب ، الإخلاص لله عز وجل :
﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين البينة : 5 وقد جاء في سنن الترمذي أن النبي عليه وآله الصلاة والسلام قال : " من تعلم لغير الله – أو علم لغير الله – فليتبوأ مقعده من النار " .
أيها الأستاذ ، أيها المعلم : هذه وصاياي لنفسي ولك من أجل أن نكون صالحين جادين ، وأريدك بعد ذلك أن لا تُغَيِّب عن ذهن الطلاب الغاية التي خلقنا من أجلها ، ألا وهي عبادة الله :
﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون .
غايتنا أن نعبد الله ، كما لا أريد أن تغيب عن ذهن الطلاب قضايانا ، قضية فلسطين في الدرجة الأولى ، ولعلك تقول : إنك قلت لي أن لا أخرج عن الدرس الموكل إلي ! أقول : أنا لا أريد أن تخرج عن الدرس ، ولكنك بالأمثلة تذكر قضايا الوطن ، إذا كنت مدرساً للجغرافيا فبإمكانك أن تأتي بمثال عن فلسطين ، وإذا كنت مدرساً للكيمياء فبإمكانك أن تأتي بمثال عما تحتوي عليه أرض فلسطين ، وإذا كنت مدرس اللغة العربية فبإمكانك أن تأتي بأمثلة الإعراب والأدب والبلاغة بما يتعلق بفلسطين ، وإذا كنت مدرساً لأي مادة أخرى أعتقد أنك من خلال الأمثلة ستكون موجهاً لقضايانا الهامة . اضرب مثالاً للطلاب إذا كنت مدرساً للعلوم عن مدى تحمل الإنسان للجوع من خلال إضراب إخواننا في فلسطين عن الطعام ، اذكر لهم هذا المثال ولا تشتطَّ في حدود المثال إذا كنت مدرساً لمادة أخرى وكانت القضية في ذهنك فستكون الأمثلة مدندنة حولها . وفي آخر ما أسميه أخيراً : أتوجه إلى وسائل الإعلام ، إلى القائمين على الإعلام من أجل أن يرفدوا المعلمين ويدعموهم حتى يوجهوا طلابنا إلى العلم ، إلى الفضيلة ، إلى الخير ، إلى النجاح في ميادين العطاء النافع ، أتوجه إلى المسؤولين عن وسائل الإعلام قائلاً لهم : لا تجعلوا التلفاز ولا الإذاعة ولا المجلة وسيلة ملهية إلى حد الضياع لطلابنا ، فطلابنا أمانة في أعناقكم ، لا تجعلوا البرامج تلفت طالبنا عن طلب العلم وعن تعلم العلم ، لا أريد أن تكون وسائل الإعلام وسائل تثبيط ووسائل إفساد ووسائل تضييع ، لا نريد هذا ، لأننا نحب وطننا ، لأننا نحب أبناء وطننا ، لأننا نريد الخير لوطننا ، لأننا نريد الرفعة لوطننا ، لذلك أناشد الإعلام قائلاً لهم : وطننا خيِّر فليكن الإعلام خيراً ، وطننا نظيف فليكن الإعلام نظيفاً ، وطننا طيب فليكن الإعلام طيباً ، عند ذلك تتكاتف الجهود فنخرج طلاباً يبنون الوطن ويحفظونه ، يرعون الوطن ويكونون عليه أمناء وله أوفياء .
اللهم وفق الأساتيذ والطلاب والموجهين والقائمين على وسائل الإعلام ، وجههم يا رب ، وردهم إلى دينهم رداً جميلاً ، واجعلهم في مأمن من الفساد والسوء والضلال والضياع ، أنت ولينا وأنت حسيبنا ، فنعم الحسيب حسيبنا ، ونعم الولي ولينا ، أقول هذا القول وأستغفر الله .

التعليقات

شاركنا بتعليق