آخر تحديث: السبت 04 ديسمبر 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
مسارب السيادة

مسارب السيادة

تاريخ الإضافة: 2006/01/27 | عدد المشاهدات: 3209

 

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

أن تكون سيداً أمر مرغوب فيه، وأن تنسب السيادة إليك قضية مطلوبة بالنسبة إليك، ولكن هل فكرنا يوماً في كيفية الحصول على هذه السيادة وصفاً نظيفاً أنيقاً للإنسان الذي نتحدث عنه نحن.

السيادة تأتي عن طريقين: إما أن تكون اصطفاءً ربانياً، والله أعلم حيث يجعل التسييد أو التسويد، الله أعلم حيث يجعل فلاناً سيداً، والطريق الآخر من خلال فرز اجتماعي وهذا في مُكنتك أنت ولكن ما السبيل إلى أن تكون سيداً بالمعنى المشروع الذي جاء به ديننا الحنيف؟

هنالك ثلاثة مسارب من أجل أن تكون سيداً:

المسرب الأول: عليك أن تجانب وأن تبتعد عن المحذورات التى تتعلق بذاتك وأهم هذه المحذورات التي يجب أن تبتعد عنها وهي متعلقة بذاتك: الكذب، فالكذاب لا يكون سيداً ولذلك قال عليه وآله الصلاة والسلام كما جاء في البخاري: "إياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار" وهل يكون الفاجر سيداً؟ وهل تتوقعون من الفاجر أن ينسب إلى السيادة؟!

الأمر الثاني من المنهيات والمحذورات المتعلقة بذاتك: الظلم ، صحيح أن الظلم يتجاوزك إلى غيرك ولكنه صفة قائمة بالذات فاجتنبها من أجل أن تكون سيداً، ولقد روى أبو داود بسند صحيح أن نبينا عليه وآله الصلاة والسلام قال: "إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة".

المسرب الثاني من أجل أن تكون سيداً: عليك أن تجتنب المنهيات والمحذورات التي تتعداك إلى سواك، وأهم هذه المحذورات التي إذا ما اجتنبتها كنت مؤهلاً من أجل أن تكون سيداً: التباغض، لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب، ولا يمكن أن يكون سيداً من طبعه الغضب، ابتعد عن التباغض حتى تكون سيداً، وابتعد عن السبل التي تؤدي إلى التباغض من تجسس وتحسس وتدابر، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يدعونا من أجل أن نكون أسياداً كما روى مسلم في صحيحه: "ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا" فالتحسس والتجسس والتباغض والتحاسد والتدابر تؤدي هذه الأمور إلى التباغض وما أظن أن الحاسد يمكن أن يكون سيداً، ولا يمكن أن يكون المتجسس سيداً ولا يمكن أن يمكن أن يكون المتحسس بسائر الجوارح ما عدا العين سيداً، ولا يمكن من يحمل بغضاً للآخرين أن يكون سيداً، لذلك اجتنب التباغض وما يؤدي إلى التباغض حتى تكون سيداً وإلا فأنت غير مرشح للسيادة.

 الأمر الثاني من المحذورات التي تتعلق بالآخرين فإذا ما اجتنبتها كنت مؤهلاً للسيادة: الإيذاء، إيذاء الآخرين، لذلك دعانا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبكل قوة كما جاء في صحيح الإمام مسلم: "لا تؤذوا المسلمين –فالذي يؤذي المسلمين ليس بسيد، ولا يمكن أن يكون سيداً ولا يستأهل الوصف بالسيادة– لاتؤذوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإنه من تتبع عورة مسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله" إن إيذاء المسلمين محذور ومحظور ومنهي عنه ويجانب السيادة التي تبتغيها، فيا أيها الساعون للسيادة عليكم أن تجتنبوا محذورات تتعداكم إلى سواكم وأهمها التباغض وما يؤدي إليه من تحاسد وتحسس وتجسس وتدابر وتنازع، وإياكم وإيذاء المسلمين، وإياكم وتتبع عورات المسلمين. سل ناسنا اليوم كيف أن تتبع العورات غدا من سِيَمنا، من الأعلى تجاه الأدنى ومن الأدنى تجاه الأعلى، وحسب الواحد منا فخراً مزعوماً مزيفاً أن يحفظ عورات الآخرين وأن يحكي عورات الآخرين، إذا كنت كذلك فلست بسيد ولا يمكن أن تكون سيداَ، وهيهات أن تكون السيادة قريبة منك أو أن تكون ممتطة أو ساعية للدخول في رحابك.

المسرب الثالث من أجل أن تكون سيداً: عليك فعل المأمورات ولا سيما أمور ثلاثة أتريد أن تكون سيدا؟ كن حيياً، استحيي من الله، واستحيي من الناس، البس برقع الحياء وجلباب الحياء، كن حيياً، فالحياء حياة الإنسان وإذا انتزع الحياء من الإنسان فلا حياة له وإن كان عائشاً، "إذا لم تستح فاصنع ما شئت" روى البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" ومن لم يكن الحياء رداءه فلن يستيطع أن يلبس رداء السيادة، الحياء طريق مهمة للوصول إلى السيادة، وبعد الحياء تأتي الرحمة وكم تحدثنا عنها إن لم تكن رحيماً فلست بسيد، ودليلي على ذلك أن سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيد الرحماء:

 وإذا رحمت فأنت أمٌ أو أبٌ                   هذان في الدنيا هما الرحماء

بل إن رحمتك يا سيدي يا رسول الله لتفوق رحمة الآباء والأمهات بأولادهم، وقد تحدثت في خطبة سابقة عن الرحمة روى البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" يا ناس! أتريدون أن تكونوا أسياداً: ارحموا. لا أريد الحديث في السياسة ولكني أشير تعليقاً، كنا نتوقع أن تكون أمريكا سيدة العالم لكنها نزعت عن نفسها ثوب الحياء وثوب الرحمة، وأقصد الإدارة الأمريكية، فهيهات أن تكون سيدة، هيهات أن تسمى بالسيدة، سمعت منذ أيام تهديداً من الرئيس الفرنسي بالسلاح النووي في مواجهة الإرهاب قلت في نفسي: سبحان الله أهذه رحمة؟! وبالتالي إذا نزعت عنك الرحمة فقد نزعت جزءاً كبيراً من السيادة، إذا لم تتحلَّ بالحياء والرحمة والعدل فلست بسيد. أتريد السيادة يا أيها الإنسان؟ إذأً اجتنب المحذورات المتعلقة بك من كذب وظلم، واجتنب المحذورات والمنهيات المتعدية إلى سواك من تباغض وتجسس وتحاسد وتحسس وتدابر، واجتنب الإيذاء، واجتنب تتبع عورات الآخرين، وتحلَّ بالحياء والرحمة والعدل: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان النحل: ، ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا المائدة: ما أعظم مثل هذه الآية؟! صدقت يا ربنا. القرآن كلامك، ولولا أن الكلام كلامك ما استطعنا أن نأتي بكلام يشبه هذا الكلام فذاك دليل على أن الكلام كلامك ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا المائدة: وسيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو سيد أهل العدل، لطالما كررنا مثل هذه الكلمة عندما جاء إليه الحِبّ بن الحب، وما أعظمه من موقف، ولننتسب إلى مثل هذه المواقف ولنقايس أنفسنا على هذه المواقف، جاء إليه الحب بن الحب أسامة بن زيد رضي الله عنهما ليشفع من أجل امرأة مخزومية حتى لا يقيم رسول الله عليها الحد، كانت الإجابة من سيد العدل على مستوى البشر: "يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله؟! إنما أهلك من كان قبلكم –ولتسمع الدولة والقائمين على إنجاز العدل وتحقيق العدل في الدولة– إنما أهلك من كان قبلكم أنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. يا أسامة والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" حاشاكِ سيدتي أيتها العظيمة فإن المثل فيك صعبٌ، وبالرغم من صعوبته فإنه يريد سيد الناس والدك العظيم محمد صلى الله عليه وآله وسلم أن يعلن  حرصه على العدل حتى ولو كان هذا المثال وهذا الكلام يؤدي إلى شيء يؤثر نفسياً على العاطفة، لكن مطلب العدل أقوى، عليك ألف صلاة وألف سلام يا سيدي يا رسول الله. أنت العادل الرحيم، وأنت الحَيي، وأنت سيدٌ باقتدار وجدارة، ومن سار على دربك سيكون سيداً، ومن جانف وجانب طريقك ومنهاجك فلن يكون سيداً، على أننا لا نضيق ذرعاً في أن يكون الناس كلهم أسياداً. هيا إلى السيادة عبر مساربها التي ذكرناها.

أتمنى بعد التهنئة لحركة حماس وقد فازت في الانتخابات أهنئها وأسأل الله لها التوفيق في مسعاها وأسأل الله لها أن تحافظ وأن تزداد في السيادة من خلال هذا الذي ذكرنا، أسأل الله أن يوفق كل إخواننا في فلسطين كل الفصائل، أن يوفق حماس وفتح والجهاد وسائر الفصائل من غير أن أعدّ اسمها أو أذكر لقبها، أسأل الله أن يوفقهم جميعاً من أجل أن يتحققوا بالسيادة من خلال هذا الذي ذكرت، وإنهم على علم بهذا الذي ذكرت ولكن تذكيري لا يعدو أن يكون تذكير إنسان تذكيراً مني لأناس يعرفون ويعلمون ﴿وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين وهم مؤمنون أسأل الله أن يزدادوا إيماناً.

حفظ الله بلادنا وأوطاننا وهيأنا من أجل أن نكون أسياداً على المستوى المطلوب الذي شرحت بعضه، سائلاً العلي القدير أن يحمي الأوطان والبلاد، نعم من يسأل ربنا ونعم النصير إلهنا أقول هذا القول وأستغفر الله.

التعليقات

شاركنا بتعليق