آخر تحديث: السبت 04 ديسمبر 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
الظلم هو جذر الرذائل

الظلم هو جذر الرذائل

تاريخ الإضافة: 2007/01/26 | عدد المشاهدات: 3187

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

سألني أحدهم البارحة وهو ممن يشتغلون بالصحافة العالمية وهو أيضاً ليس بعربي ولا مسلم سألني قائلاً: ما سبب هذا الذي يقع في العالم اليوم ؟ أو بالأحرى ما التحدي الأكبر للإنسانية اليوم ؟

أجبته باختصار شديد قلت: إن التحدي الأكبر للإنسانية اليوم هو الظلم، فالظلم هو عنوان صراعنا مع العدو الصهيوني، والظلم هو الذي يخيم على ما يجري هنا وهناك فيفرز القتل والدمار والخراب، والظلم هو الذي يخيم على الأسرة التي تفككت، والظلم هو الذي يخيم على الدولة التي حدثت فيها فجوة وهوة بين الحاكم والمحكوم، والظلم هو الذي يخيم على المدرسة التي يدرِّس فيها الأستاذ إذ لا يلقى قبولاً من الطلاب ولا يلقى الطلاب قبولاً من الأستاذ أيضاً، الظلم في النهاية هو جذر الرذائل كلها، الظلم هو التحدي الأكبر للإنسانية يا سائلي ولنكن معاً متعاونين بغض النظر عن عرقنا أو عن عروبتنا أو عن ديننا بغض النظر عن هذه الأمور التي هي أساس بالنسبة لنا، لكننا نريد أن نلتقيكم على أرض مشتركة وأعتقد أن الأرض المشتركة التي يجب أن تجمعنا هي أرض عنوانها محاربة الظلم.

هل لإسرائيل حق في هذه الأرض التي هي عليها ؟ أنا لا أريد أن تنظر إلى الأمر من منظار مسلم أو عربي ولكنني أريد أن تنظر إلى الأمر من خلال منظار عاقل إنساني كبير، هم ظالمون هكذا قرأنا، وهكذا تبينا وهكذا علمنا وتأكدنا، والظلم في النهاية: تجاوز على حق الآخر مَنْ كان الآخر.

تجاوز على حق الله، فإذا تجاوزت على حق الله منك – وحق الله منك أن تعبده وأن توحده – فأنت ظالم، ولذلك قال ربي في القرآن الكريم: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ لأنك تجاوزت على حق الله عز وجل عليك، الظلم: تجاوز على حق الآخر مَنْ كان الآخر، المتعلق بالمال المتعلق بالدم المتعلق بالحرية المتعلق بالعرض...، عندما تتكلم على إنسان من غير أن تكون متأكداً من هذا الذي تتكلمه عنه فأنت ظالم، حينما تتهم إنساناً ما بتهمة ثم تقول هذا بالنسبة لي أمر غير مؤكد فأنت ظالم، أما وأنك قد قلته فأنت ظالم، حينما تعتدي على الآخر من خلال العرض أو المال أو الدم فأنت ظالم ولذلك ومن أجل ألا نكون ظالمين فنحن ندخل ساحة الاحتياط، وتذكروا أني قلت لكم منذ سنوات: إن العاقل من احتاط. أنا أترك الحق الذي لي خشية أن أتجاوز على حق غيري فيما يخص العلاقة بيننا، فما بالك بمن يطلب حقه وهو غير متأكد فيما إذا كان هذا حقه وبالتالي يعتدي على حقوق الآخرين المؤكدة في أحقيتها للآخرين من أجل وهم حقه.

الظلم الظلم اجتنبوه، الظلم الظلم أعرضوا عنه، نحن نذكر عاشوراء وفيها استشهد سيدنا الحسين وهو مظلوم، لقد ظُلم كبار منا في تاريخنا، لقد قُتل سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه مظلوماً، وقُتل سيدنا عثمان مظلوماً، وقُتل سيدنا علي مظلوماً، وقتل سيدنا الحسين مظلوماً فما بالنا نمعن في الظلم ونحن نعلم من خلال التاريخ أن الظلم رذيلة الرذائل وأن الظلم هو جذر الرذائل وأن الظلم هو جذر الخطايا لأنك بالمعصية تظلم نفسك ولأنك بالشرك تظلم العلاقة بربك وحق ربك، ولأن بكل ما يمكن أن تفعله مسيئاً مع غيرك تظلم الآخر، هل فكرت في الظلم الذي ترتكبه ولا تدري به أو تتجاهله – من الصباح إلى المساء – عُد عليك في مسائك الأمور التي تجاوزت فيها حقك إلى حق الآخرين فيما يتعلق بالمال أو العرض أو الدم فكر فيما فعلته، فكر فيما ظلمت به الآخر من خلال لسانك، فكر فيما ظلمت به الآخر من خلال الدم فكروا يا إخواننا في لبنان يا إخواننا في العراق يا إخواننا في فلسطين يا إخواننا في سورية يا إخواننا في السودان يا إخواننا في العالم الإسلامي ويا أيها الناس على اختلاف توجهاتكم وأديانكم ما أظن أن ديناً يرعى الظلم أو يقره وما أظن أن عقلاً يقر الظلم أو يرعى الظلم وما أظن أن حيواناً يقر الظلم ويسعى للظلم ما أظن أن جماداً ولا نباتا يمكن أن يقر الظلم أو يرضى بظلمه للآخر في عالمه ولو كان مخلوقاً غير المخلوق الأسمى الذي هو الإنسان.

فكروا في هذه القضية في مشكلة المشاكل وحاولوا أن تخلصوا أنفسكم منها ومن أقل قدر منها ومن أقل جزء من أجزائها ومن أقل ما يمكن أن يسمى باسمها من قريب أو من بعيد فكروا في التخلص من الظلم أيها الآباء، فكروا في التخلص من الظلم أيها الأبناء، فكروا في التخلص من الظلم أيتها البنات أيتها النساء أيها الحكام أيها القضاة أيها الأطباء أيها المحامون أيها الأساتذة أيها المثقفون أيها الشيوخ أيها العلماء فكروا في التخلص من رذيلة الظلم التي تعني التجاوز على حقوق الآخرين فيما يتعلق بالعرض والدم والمال، فكروا في هذا فإن تخلصتم من الظلم فلنعم البشر أنتم وعندها ستكونون بجدارة أصحاب وسام الاستحقاق للمواطنية العالمية الإنسانية الرفيعة وعندها ستكونون مؤهلين من أجل أن تتمكنوا في الأرض بجدارة بأحقية بلباقة بأناقة.

جمعت بعض الأحاديث التي تتعلق بالظلم وقلت بيني وبين نقسي لأقرأنها على إخوتي هنا في هذا اليوم عسى أن تؤثر فيهم أحاديث رسول الله صلى الله عليه آله وسلم لن أطيل في الحديث عن الظلم بكلامي لكنني سأنقل لإخواني هذه الأحاديث وأنا عاهدت نفسي على أن تكون الأحاديث التي أقولها على هذا المنبر إما حسنة وإما صحيحة، وإما فلن أقول هذه الأحاديث لأنني إن ذكرت الأحاديث الضعيفة الواهية فسأكون ظالماً، عندما أنسب شيئاً لم يقله سيدي رسول الله إلى رسول الله سأكون ظالماً، لذلك أتوجه بالنصيحة إلى كل من يخطب أو يدرس أو يعلن النطق باسم هذا الدين هنا أو هناك أن يتحرى السند والنسبة والصحة والحسن فيما يخص الحديث الشريف وفيما يخص غير الحديث الشريف:

يقول سيدي رسول الله كما يروي الإمام مسلم: (اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) أتريد أن تكون في عالم الظلم يوم القيامة ؟ إن كان الجواب لا إذاً فاتقِّ الظلم في هذه الحياة.

ورد عن الإمام مسلم أيضاً كما جاء عن رب العزة جلت قدرته: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظَّالموا).

ويقول صلى الله عليه آله وسلم كما في البخاري ومسلم – واسمعوا هذا أيها الظالمون يا من تظلمون الناس في أعراضهم يا من تظلمون الآخرين في أموالهم يا من تظلمون الآخرين في دمائهم يا من تنتهكون حرمات الآخرين من خلال الاتهام والكلام اسمعوا: (إن الله يملي للظالم فإذا أخذه لم يفلته) ثم قرأ سيدي رسول الله: ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد﴾. أيها الظالمون انتظروا إن لم تتوبوا نهاية جد فظيعة.

ويقول صلى الله عليه آله وسلم كما في البخاري أيضاً: (من كانت عنده مظلمة لأخيه) ربما كنت الآن ظالماً في عرض أو مال أو دم تسألني ماذا أفعل ؟ فها هو رسولك ورسولي وأسوتي وأسوتك ومن فمك أدينك يقول لك: (من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرض أو من شيء فليتحلله منه اليوم من قبل ألا يكون دينار ولا درهم) فإذا كان هذا اليوم الآخر ولم يتحلله اليوم إن كان له عمل صالح أُخذ منه بقدر مظلمته فإن لم تكن له حسنات أُخذ من سيئات صاحبه المظلوم فحمل عليه، أتنتظرون هذا اليوم حتى يحمل عليكم من سيئات من ظلمتم أم تنتظرون حتى يؤخذ من حسناتكم لصالح هذا الذي ظلمتموه في الدنيا ؟.

ويقول صلى الله عليه آله وسلم كما في البخاري ومسلم: (اتقوا دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) اللهم عليك بالظالمين ومن ظَلمَنا، اللهم إنا نترك مساحة توبة لمن ظلمَنا فإن لم يتب اللهم فعليك به، اللهم فعليك بمن ظلمَنا ومن يظلمنا يا رب العالمين.

يقول صلى الله عليه آله وسلم كما روى الحاكم والحديث حسن في صحيحه: (اتقوا دعوات المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرار) أي بسرعة النار بسرعة كبيرة لا يمكن أن نعرفها لكن قربت لنا من خلال التمثيل.

ويقول صلى الله عليه آله وسلم كما جاء في مسند الإمام أحمد والحديث حسن: (دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجراً) ففجوره على نفسه بل هناك حديث آخر يقوله صلى الله عليه آله وسلم كما جاء في مسند الإمام أحمد: (دعوة المظلوم وإن كان كافراً ليس دونها حجاب) فلا تظلم الكافر، يا ناس أنتم تظلمون بعضكم بحجة أن هذا الذي تظلمونه يختلف عنكم بالمذهب أو باللون أو بالمعصية أنتم تظنون أنفسكم طائعين وتظنونه فاجراً، حتى لو كان فاجرا فالله يقبل دعوة المظلوم ولو كان فاجراً بل لو كان كافراً فلننتبه يا أيها المسلمون يا من تؤمنون بهذا النبي على أنه مرشد موجه لكم ولكن أين أثر توجيهه وإرشاده فيكم ؟ اتقوا الله.

أخيراً: جاء في السنة الشريفة وأحببت أن أقول منذ زمن وجددت قراءته اليوم لعل مظلوم يقول هل من دعاء أدعو الله عز وجل به حينما أتخوف ظالماً حينما أريد الخول على ظالم متسلط ؟ أقول له: لقد جاء في الطبراني بسند حسن عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه آله وسلم قال: (إذا تخوف أحدكم السلطان) أي صاحب سلطة وتخوف منه أن يكون ظالماً (فليقل: اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم كن لي جاراً من شر فلان بن فلان) يعني هذا الذي يريده (وشر الجن والإنس وأتباعهم أن يفرط عليَّ أحد منهم عز جارك وجلَّ ثناؤك ولا إله غيرك) قل هذا وأنت تشعر بظلم وأنت تريد أن تدخل على صاحب سلطة ظالم.

يقول أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما كما في الطبراني والحديث حسن يرويه البخاري في الأدب المفرد: (إذا أتيت سلطاناً يخاف أن يسطو بك فقل: الله أكبر، الله أعز من خلقه جميعاً، الله أعز مما أخاف وأحذر، أعوذ بالله الذي لا إله إلا هو الممسك السموات السبع أن يقعن على الأرض بإذنه من شر عبدك فلان وجنوده وأتباعه وأشياعه من الجن والإنس اللهم كن لي جاراً من شرهم جل ثناؤك وعز جارك وتبارك اسمك ولا إله غيرك) التجئ إلى ربك إذ ترى الظالم جائماً أمامك فلا ملجأ أمام الظالم من الظالم إلا إلى الله جل ثناؤه وعز جاره وتباركت أسماؤه ولا إله غيره، فاللهم كن لنا جاراً من كل الظالمين يا رب العالمين ومن أنفسنا إن كنا ظالمين، اللهم أصلحنا وردنا من الظلم إلى العدل في سلوكنا كله، نعم من يسأل ربنا ونعم النصير إلهنا أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ: 26/1/2007

التعليقات

شاركنا بتعليق