آخر تحديث: الخميس 21 أكتوبر 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
الظلم رذيلة الرذائل

الظلم رذيلة الرذائل

تاريخ الإضافة: 2011/11/18 | عدد المشاهدات: 3575

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

رحم الله شهداءنا وحما أوطاننا من كل مكروه.

أيها الإخوة:

لو أنكم سئلتم عن رذيلة الرذائل من الصفات، وعن فضيلة الفضائل من الصفات، فماذا أنتم قائلون ؟

لا شك في أنكم ستوافقونني عندما أقول لكم: إن رذيلة الرذائل هي الظلم، ولا شك أنكم ستوافقونني عندما أقول بأن فضيلة الفضائل هي الرحمة، وإن المجتمع الذي يكثر فيه الظالمون مجتمع بعيد عن الحضارة، بعيدٌ عن الرقي، بعيد عن الإنسانية، بعيد عن كل شيء خيّر، وقريب من الهاوية وقريب من الانحدار، الظلم رذيلة الرذائل حرّمها ربي عز وجل على نفسه وطلب منا أن نحرّمها فيما بيننا، جاء في الحديث القدسي الذي يرويه الإمام مسلم وسواه: (يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّماً فلا تظالموا).

وأنا أبتدئ الحديث فأقول: هل حرّمت الظلم على نفسك أيها الإنسان مَن كنتَ، وفي أي مكان كنت، وفي أي منصب كنت، ولأي مجال دخلت ؟! هل أنت ظالم بالله عليك ؟ هل أنت ظالمٌ لنفسك ؟ هل أنت ظالمٌ لجارك ؟ هل أنت ظالمٌ لأخيك ؟ هل أنت ظالمٌ لولدك ؟ هل أنت ظالمٌ لزوجتك ؟ هل أنت ظالمٌ للماديات بين يديك ؟ هل أنت ظالمٌ لتجارتك ؟ هل أنت ظالمٌ لجنودك، لموظفيك، لمرضاك، لكل من حولك، لكل من تحت يدك ولكل ما تحت يدك ؟ تأكد من نفسك هل أنت ظالم ؟

أعتقد أن كل واحد منا لو محّص لوجد نفسه ظالماً إن في مجال أو في آخر، ولذلك لما ارتكبنا الذي حرّم الله على نفسه وحرّمه بيننا أصبحنا نرى مجتمعنا يقترب مما لا يُحمد عقباه. أتريدون أن نعيش في أمان ؟ أتريدون أن نكون في ضمان الله عز وجل وسلامه ؟ أترغبون في أن نكون مطمئنين ؟ أبعدوا الظلم عنكم، لا تظالموا، وإنا وإياكم على معرفة بما يجري في أحيائنا وفي بيوتاتنا وفي مساجدنا، الظلم على قدم وساق، ولا تقولن لغيرك بأنه ظالم بل ابتدئ من نفسك، فأنت - والله أعلم - ظالم لنفسك، ظالم لبعض ما حولك، تأكد من نفسك هل أنت ظالمٌ أو مظلوم، إن كنت مظلوماً فاعلم بأن الله سينتصر لك، ولقد جاء في الحديث الذي يرويه البخاري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (اتقِ دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب) إن كنت مظلوماً فستنصر، وجاء في الحديث الذي يرويه الترمذي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (ثلاثة لا ترُدّ دعوتهم: الصائم حين بفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم، يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء ويقول: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين) إن كنت مظلوماً فستُنصر من قبل الله عز وجل، ولكن كل ما أخشاه أن تكون ظالماً، ولقد جاء في الحديث الذي يرويه البخاري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال فيما يخص الظالم، فانتبه أيها الإنسان إن كنت ظالماً: (إن الله ليملي للظالم - ليمهل - حتى إذا أخذه لم يفلته) فهل أنت مظلوم أم ظالم ؟ ولا تنظر إلى غيرك وأؤكد على هذا قبل أن تنظر إلى نفسك، الأمة التي يكثر فيها الظالمون أمة غير شريفة، أمة غير مقدَّرة، أمة غير معتبرة، أمة لا تستحق أن تذكر بين الأمة ولا تستحق أن تقول إنها تتبع وتنتسب إلى هذا الذي رفع الظلم عن الإنسانية لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، أوَما سمعتم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في سنن ابن ماجه: (لا قُدِّست أمة لا يأخذ فيها الضعيف حقَّه غير متعتع)، من غير مشقة، ومن منا يأخذ حقه غير متعتع ؟ وفي رواية في ابن ماجه أيضاً: (كيف يقدس الله أمة لا يأخذ لضعيفهم من شديدهم) أتريد لمجتمعك التطور ؟ هيا إلى نصرة المظلوم، هيا للتخلي عن الظلم أولاً، ربما كنت ظالماً من غير أن تدري ولكن لا أعتقد أنك لا تدري لكنك قد تتوهم بأنك لا تدري، هيا فحاسب نفسك في الصغائر والكبائر، بالدقائق والجلائل، انظر نفسك، أتريد أن يكون مجتمعك مجتمعاً راقياً آمناً مطمئناً تخلَّ عن الظلم أولاً، ثم هُبّ لنصرة المظلوم، هيا لنصرة المظلوم أيها الإنسان الساعي ليكون مجتمعه راقياً، وإن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم دعانا إلى ان ننصر المظلوم وأن نقول للظالم أنت ظالم (إذا رأيت أمتي لا يقولون للظالم منهم أنت ظالم فقد تودع منهم) انتهت هذه الأمة، هكذا يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم والحديث في البخاري. وأنا اعتقد أن جلَّنا لا يقول للظالم منه أنت ظالم لقرابةٍ يراعيها، فهل تقول لقريبٍ أنت ظالم إن اعتقدت بأنه ظالم، فأنت تخاف من أن يتركك هذا القريب وأنت بحاجة إليه، هل تقول لولدك أنت ظالم أم تخاف من أن يترك ولدك النفقة عليك، لذلك أنت تقره على الظلم، هل تقول لأستاذك ،لطالبك، لأخيك، لمن حولك، للمسؤول عنك، أنت ظالم، أنت متجاوز للحد شريطة أن تكون أنت غير ظالم، شريطة أن تكون أنت قد خلصت نفسك من الظلم: (إذا رأيت أمتي لا يقولون للظالم منهم أنت ظالم فقد تودع منهم)، (والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) فهل تقول هذا لولدك ؟ وهل تقول هذا لجارك وقريبك وشريكك وللذي تستفيد منه مادة أو جاهاً ؟ ما أعتقد، نحن نحابي بعضنا، نحن نقول لمن هو في جانبنا أنت مظلوم ولو كان ظالماً، نحن نقول لمن في جماعتنا، حزبنا، من شلتنا كما يُقال: أنت مظلوم ولو كان ظالماً. نحن نحابي، تعلَّمنا أن نحابي القوي وأن نكون جميعاً على الضعيف، هل نقول لهذا الذي يرمي الأوساخ في الطريق أنت ظالم ؟ هل نقول لهذا الذي يتجاوز حدوده في الطريق أنت ظالم ؟ هل نقول لهذا الذي يتجاوز كل حدوده في بيتنا في شارعنا في بلدنا في دولتنا أنت ظالم ؟ كلنا يعتقد بأننا ينبغي أن نقول لشخص واحد أنت ظالم ومن عدا ذلك إن قلنا أو لم نقل فالأمر سيان، لا، يا إخوتي، سنقول لأنفسنا إن ظلمنا بأننا ظالمون، وسنقول لأقرب الناس منا إن ظلموا بأنهم ظالمون، وسنقول لأبعد الناس إن ظلموا بأنكم ظالمون، ومن لم يستطع طولاً أن يقول لنفسه بأنها ظالمه فلا يحق له أن يقول لغيره بأنه ظالم، لأنك إن ناديت غيرك بالظلم من غير أن تنادي نفسك فليس هذا شجاعة، وإنما هذا تعدٍّ على الآخرين، كن جريئاً على نفسك قل لنفسك إن ظلمت بأنكِ ظالمة ثم بعد ذلك قل للذي يليك وقل للذي يليه وهكذا دواليك، حابينا كثيراً، حابينا أنفسنا عندما نرى إنساناً معنا لا يمكن أن نقول له بأنه ظالم حتى ولو كان ظالم فعلاً ما دام من جماعتنا ما دام يقول برأينا في المجالات الأخرى، ما دام كما يقال في التعبير العامي - يطبطب علينا ونطبطب عليه - تعودنا أن نقول للظالم بأنه ظالم وما تعودنا أن نقول لمن هو أمامنا بأنه ظالم لأننا نخشى غير الله:﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ لا تستطيع الزوجة أن تقول لزوجها بأنه ظالم لأنه سيبطش بها، ولا يستطيع التلميذ أن يقول لأستاذه بأنه ظالم لأنه سيبطش به، ولا يستطيع الموظف البسيط أن يقول لمديره أو مسؤوله الأكبر بأنه ظالم لأنه سيبطش به، كلنا يظلم كلنا وكلنا يخاف من كلنا، وضعيفنا مسحوق وقوينا ساحق، ويقال له عادل، فقوينا الذي في الجامع وقوينا الذي في الجامعة وقوينا الذي في المدرسة وقوينا الذي في الثكنة وقوينا الذي في الوزارة لا نستطيع أن نقول له هذه الكلمة لأمور لأسباب: لأننا ظالمون أولاً وثانياً لأننا نحابي، ولأننا نخاف على دنيانا ولا نأبه لأخرانا ولأننا لا نرضي الله وإنما نرضي الناس على حساب الله عز وجل، نرضي صاحب اللحية حتى لا يسخط علينا، ونرضي هذا الذي يقف أمامنا الذي يتكلم ويظلمنا باسم الله أحياناً نخاف من أن نقول له حتى لا يكفِّرنا ويقتلننا وهكذا دواليك: (لا قُدِّست أمة لا يأخذ فيها الضعيف حقه غير متعتع)، رضي الله عنك يا أبا بكر أيها الخليفة يوم وقفت وخطبت وما أجدر أن يقول هذه الخطبة كل واحد منا، قلها في بيتك ولا تظنن أن هذه الخطبة فقط لولي الأمر، فولي الأمر معني أولاً بها لكنك أنت معني بها أيضاً، قلها في بيتك في مدرستك في دائرتك في ثكنتك: "وُلِّيت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة والكذب خيانة، الضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له الحق، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ منه الحق، أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم".

نحن بحاجة إلى حلف فضول، هذا الحلف الذي كان أحد المتعاقدين فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل أن يُبعث اجتمعت فيه قبائل مكة، اجتمعت فيه زهرة وتيم وعبد الدار وتحالفوا على أن ينصروا المظلوم مَن كان سواء أكان هذا المظلوم على دينك أو على غير دينك، سواء أكان على عرقك أو على غير عرقك، سواء أكان على لغتك أو على غير لغتك، سواء أكان من جماعتك أو من غير جماعتك، سواء أكان من أقربائك أو من غير أقربائك، سواء أكان من هؤلاء الذين تجتمعون معاً أو بعيدين عنك، تعاهدوا وتحالفوا على أن ينصروا المظلوم، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعده كما في سيرة ابن اسحق: (لقد حضرت حلفاً في دار عبد الله بن جدعان ما أحبُّ لو أن لي به حمر النعم) وفي رواية (ولو دُعيت إليه في الإسلام لأجبت) وفي رواية (لو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت) فتعالوا من أجل أن يصالح بعضنا بعضاً، تعالوا إلى حلف نسميه حلف الفضول وقد أقره النبي وأعجب به، تعالوا من أجل أن ينصر القوي فينا الضعيف تعالوا من أجل أن ننصر المظلوم تعالوا من أجل أن نطبق هذا الذي قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في مسند الإمام أحمد: (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فقال الصحابة: ننصره مظلوماً فكيف ننصره ظالماً ؟ قال: تحجزه فذاك نصره) هيا إلى حلف ننصر فيه المظلوم مَن كان: (ألا من انتقص معاهداً) هكذا قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في سنن أبي داود : (ألا من انتقص معاهداً أو ظلمه أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفسه فأنا حجيجه يوم القيامة) هذا الذي يعيش معك عاهدك وعاهدته، فلماذا تريد أن تظلمه ولماذا تريد أن تنتقصه ولماذا تريد أن تأخذ منه شيئاً بغير طيب نفسه ؟

القضية واضحة، أتريدون التقهقهر والتأخر ؟ إذن استمروا في الظلم، أتريدون التحسن والتطور ؟ عليكم بالعدل والرحمة، عليكم أن تتمثلوا الرحمة صفة تطبقونها وتنفذوها وبكل بساطة والحديث رائع، كرروه بينكم وبين أنفسكم: (الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء).

اللهم إني أسألك أن تبعد عنا الظلم والظالمين، أسألك يا رب أن تجنب بلادنا الظلم والظالمين، أن تجنب جماعتنا وكلنا الظلم والظالمين، يا رب وفقنا من أجل أن نكون على العدل قائمين، وفقنا من اجل أن نكون رحماء فيما بيننا وراحمين، نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 18/11/2011

 

التعليقات

ناصر

تاريخ :2011/11/23

الدكتور محمود عكام ...... كلامه رائع حضوره رائع أسأل الله أن يزيده معاني على معان وعلماً على علم ونفع الله بك البلاد والعباد إنه سميع الدعاء

bassam

تاريخ :2011/11/23

(انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فقال الصحابة: ننصره مظلوماً فكيف ننصره ظالماً ؟ قال: تحجزه فذاك نصره)

عبد الرحمن

تاريخ :2011/11/26

اللهم إني أسألك أن تبعد عنا الظلم والظالمين، أسألك يا رب أن تجنب بلادنا الظلم والظالمين اللهم آمين يا رب العالمين وفقك الله يا دكتور محمود إلى ما يحبه ويرضاه

lana

تاريخ :2011/11/30

كلامك جيد ونحن بحاجة لمن يتكلم هذا الكلام بدون اي قيود تحية لك يا دكتور محمود يا ابن حلب وكلنا نفتخر بك ونحترمك

أنس

تاريخ :2011/12/01

الدكتور محمود عكام وفقك الله إلى ما يحب ويرضى

شاركنا بتعليق