آخر تحديث: الجمعة 26 تشرين الثاني 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
سوء الخلق رذيلة الرذائل -3

سوء الخلق رذيلة الرذائل -3

تاريخ الإضافة: 2005/09/09 | عدد المشاهدات: 3962

أما بعد ، أيها الإخوة المؤمنون :
ويتأكد الحديث عن حسن الخلق ، وها هم بعض الإخوة يطلبون مني بحر الأسبوع الماضي أن أزيدهم حديثاً عن حسن الخلق فقالوا لي ذكرت لنا أموراً ثمانية من أجل أن نحسن أخلاقنا وأن نتخلص من سوء الخلق ، فهل ثمة زيادة على ذلك ؟ هل ثمة وسائل من أجل أن نسلكها وأن نتخذها لتحسين الخلق وللتخلص من سوء الخلق ؟ أقول لهؤلاء جُزيتم خيراً فلقد كان لكلامكم دافع ، ورحت أقرأ كتباً ألفت حول ذلك ، قرأت ما كتبه الإمام الغزالي رحمه الله ، وقرأت ما كتبه الإمام ابن حزم ، وقرأت ما كتبه التوحيدي ، وقرأت ، وقرأت كتباً كثيرة ولا سيما تلك الكتب التي تُعنون بعنوان الصوفية ، فالصوفية كما يقول أربابها الفاهمون : التصوف كله أخلاق ، فمن زاد عليك بالأخلاق زاد عليك بالتصوف ، وليسمع الإخوة الصوفيون والمتصوفون هذا الكلام ، لأننا نريد ونسعى إلى أن تكون الأخلاق عنوان الصوفية كما يقول أربابها ، نريد للإخوة المسلمين على هذا الأساس جميعاً أن يكونوا صوفيين ما دامت الصوفية أخلاقاً ، نعم ، الصوفية أخلاق ، والإحسان الذي هو ركن من أركان هذا الدين كما جاء في حديث سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه عندما سُئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم من قبل الأعرابي الذي هو جبريل وقد تبدى بصورة أعرابي عندما سُئل عن الإحسان ، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " أرأيت يا أخي لو أنك شعرت دائماً بأنك منظور ، وبأنك مُشاهد ، وبأنك مرئي كما قلت في شرح بعض اللطائف القرآنية ، أوليس الإنسان يُتقن عمله ويحاول أن يُحسّن من عمله إذا ما شعر بأنه مرئي أو مُشاهد ومنظور ؟ قل لي بربك هل صلاتك في المسجد أمام الناس كصلاتك في بيتك بينك وبين نفسك بنفس الإتقان ؟! قل لي بربك هل تناول طعام تتناوله بين الناس وأمام الناس يتخذ لَبوس الأدب كنفس الحال عندما تكون بينك وبين نفسك ؟! أعتقد أن الجواب سيكون لا . الصلاة أمام الناس مُتقَنة ، والصلاة بينك وبين نفسك تكاد أن تكون عند كثير من الناس خالية من الإتقان ، تناول الطعام يتصف بكل صفات الأدب ، أدب الطعام عندما تكون بينك وبين الناس ، ولكنك ستتنازل عن جُلِّ هذه الآداب ، آداب الطعام عندما تكون في خلوة مع نفسك ، عندما تتوضأ أمام الناس تحسن وضوئك أليس كذلك ؟ ستتقن الغسل والمسح ، لكنك عندما تتوضأ بينك وبين نفسك سيكون ذلك على حساب فرائض الوضوء ، أو على الأقل على حساب سنن الوضوء ،
لذلك أقول : نحن عندما نتكلم في الأخلاق نتكلم في الإحسان وعن الإحسان ، نتكلم عن الصوفية التي هي الأخلاق ، نتكلم عن السلفية أيضاً الحقة كما نتكلم عن الصوفية الحقة ، لأن الصوفية الرشيدة والسلفية الرشيدة يلتقيان ما داما ينهلان من معين القرآن الكريم ومن معين السنة النبوية الشريفة ، واسمحوا لي أن أقول من معين السنة النبوية الشريفة الموثّقة ، وليس من معين السنة الشريفة التي لا تنتسب إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، لأن الناس في غفلة عن توثيق كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . جئتكم اليوم وقد كنت قبل المجيء أنظر بعضَ خطب الجمعة في القنوات الفضائية ، صدقوني أنني مررت على أكثر من خطيب وفي هذا الوقت السريع سمعت الخطيبين يتحدثان أو يذكران أحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ضعيفة ، وربما ذكر بعضهم أو أحدهما حديثاً لا أصل له ، هذا أيضاً ينافي الأخلاق فـ : " من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار " هكذا قال النبي في الحديث المتواتر ، ولعل اتفاق العلماء على هذا الحديث جعله حديثاً متواتراً . المهم ، أعود لأتحدث عن طرق ثانية ووسائل تالية من أجل أن نحسن أخلاقنا ، وبعد القراءة وصلت إلى طريق تاسعة ، وقد ذكرت في الخطبتين السابقتين ثماني طرق أما الآن أقول :
الطريق التاسعة : الترفق وأعني بالترفق أن تتكلف أن تكون رفيقاً رقيقاً ، تكلف ، جاهد نفسك ، حاول أن تكون رفيقاً ، فـ : " الرفق ما وُضع في شيئ إلا زانه ، وما رفع من شيء إلا شانه " من قال هذا ؟ قال هذا سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في صحيح الإمام مسلم " إن الرفق ما وضع في شيئٍ إلا زانه ، وما رفع من شيء إلا شانه " ويقول سيدي صلى الله عليه وآله وسلم رسول الله عليه أفضل الصلوات وأفضل السلامات ، سيد الأخلاق الحميدة والصفات المجيدة ، يقول كما في البخاري : " إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله " فجاهد يا أخي نفسك على أن تكون رفيقاً ، على أن تكون خصباً ، لأن الرفق يعني الخصب ، أن تكون خصباً ، أن تكون صاحب عطاء بلين ، أن تكون ليّناً ، أن تكون ذليلاً مع المؤمنين ، الرفق يقع معناه في قلبك قبل أن يقع معناه في خَلَدك وأنت تعرف ماذا تعني كلمة الرفق .
الطريق العاشرة من أجل أن تحسن أخلاقك المُداراة : كنا صغاراً وتعلمنا في دروس البلاغة عندما أُعطينا مبحث الجِناس عبارة تقول : " دارِهم ما دمتَ في دارهم ، وأَرْضِهم ما دمت في أرضهم " المُداراة ، سأخصص خطبةً خاصة كاملة للتفريق بين المُداراة والمداهنة والمنافقة ، هناك فرق بين المُداراة والمنافقة والمداهنة ، سأخصص خطبة كاملة لكنني أقول لك الآن ، المُداراة مراعاة ، المُداراة مخاطبة الناس على قدر عقولهم ، المُداراة أن لا تجابِه إن كنت غير قادر على المجابهة ، ولكن عليك بالالتفاف ، وعليك بالتوضيح ، المُداراة أن تقف أمام الناس لا تواجههم بالنصيحة الفاضحة ، ولكن المُداراة أن تنصح بالإشارة لا أن تنصح بالعبارة ، المُداراة قضية كبيرة ، ولقد ورد في الأثر وإن كان هذا من حيث كونه حديثاً فهو حديث ضعيف ، ولكنني أقول ورد في الأثر : " أُمرت بالمُداراة " المُداراة أن تخاطب الناس على قدر عقولهم ، أن لا تواجه الناس بصراحة ، المُداراة أن لا تجابه من لا تستطيع مجابهته ولكن عليك أن تلتف عليه ، المُداراة بكل بساطة :
﴿ ادفع بالتي هي أحسن
فصلت : 34 المُداراة أن تقول لهذا الذي لا تستطيع أن تقول له كلمة صريحة ناصحة قوية أن تقول له كلمة لا يلمس فيها مدحاً بل يلمس فيها نصحاً مُغلَّفاً باللطف ، سنتحدث مفصّلين ، ورد في البخاري أن رجلاً استأذن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، هذا الحديث ترويه السيدة عائشة ، تقول استأذن رجل على النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقال : مَن ؟ فقالوا : فلان . فقال : " بئس أخو العشيرة " وفي رواية في البخاري ذاته : " بئس ابن العشيرة " بئس أخو العشيرة فلما دخل على النبي ألان له النبي الكلام ثم خرج ، فقالت له السيدة عائشة يا رسول الله لقد قلت ما قلت عن هذا الرجل " بئس أخو العشيرة " ثم ألنت له الكلام ! فقال سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : " يا عائشة إن شر الناس منزلة عند الله من تركه الناس - وفي رواية - من ودعه الناس ، من تركه الناس اتقاء فحشه " وكأني بسيدي رسول الله يقول يا عائشة إنه فاجر ، ولا أريد أن أثير فجوره ، بل أريد أن أكتم فجوره . " إن شر الناس منزلة عند الله من تركه الناس اتقاء فحشه " كَمْ من الناس اليوم يُدارون ، أريدكم مُدارين ولا أريدكم مدارين ، لا أريدكم أن تُدارَو ولكني أريدكم أن تُدارُوا ، فالمُدارَون هم السفهاء ، الذين يُدارَوْن هم السفهاء ، هم المتفحشون ، هم أصحاب الفحش ، لذلك أقول : إياكم أن تكونوا ممن يُدارَى ، فالمُداري هو الأوسع وهو الحضاري ، وكم نداري ! أقول للذين يُدارَون : ألا تستحون ! كفاكم أنكم تُدارَون وليس هذا بأمر جيد لكم : " إن شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه " وفي رواية في السنن : " إن شر الناس منزلة عند الله من أكرمه الناس اتقاء شره " كم نكرم الناس اتقاء شرهم ، ليس لأنهم يستحقون الإكرام ، ولكن اتقاء شرّهم ، يا هؤلاء : استحيوا من الله يا هؤلاء ، يا من تُدارَون اتقاء شركم ، استحيوا من الله ، وكفانا أن نقضي أوقاتنا في المُداراة .
الطريق الحادية عشرة من أجل تحسين الخلق ومن أجل اجتناب سوء الخلق تحرَّ الصدق وتحرَّ الكذب اجتنابه ، تحرَّ الصدق التزاماً وتحرَّ الكذب اجتناباً ، عليك يا أخي يا أيها الطالب والأيام القادمة ستحمل افتتاح المدارس والجامعات ، أيها الطالب كن صادقاً ، أيها المعلم كن صادقاً ، الصدق منجاة ، قال بعضهم الكذب يُنجي ، فقال الآخر لكن الصدق أنجى ، ينجي أكثر ، الصدق يا شبابنا ، الصدق تحرياً ، تحروا الصدق أيها الشباب لتكونوا صادقين ، وقد ورد عن سيدي رسول الله كما في صحيح الإمام مسلم : " إن الصدق يهدي إلى البر ، وإن البر يهدي إلى الجنة ، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً ، وإن الكذب يهدي إلى الفجور " المجتمع أضحت سِمته الآن الكذب ، كلنا يكذب على كلنا ، الرجل يكذب على امرأته ، والزوجة تكذب على زوجها ، والحاكم يكذب على شعبه ، والشعب يكذب على حاكمه ... وهكذا دواليك ، والمدير يكذب على أساتذته ، والأساتذة يكذبون على المدير ، وكلهم يكذبون على الطلاب ، والطلاب يكذبون على الأساتذة ، وهكذا مجتمع كذب . لو قلت لكم حدثوني بربكم أيُّ المجتمعين أكذب ، أشد كذباً : مجتمعنا أو مجتمع الغرب ؟ أعتقد بأنكم ستقولون بأن مجتمعنا ، لأن الواحد منا يستأذن ، يقول الطالب لأستاذه أريد أن أخرج لأنني مريض وليس بمريض ، يأتي السائل يقول للآخر أني محتاج وليس بمحتاج ، يأتي الصغير ليقول للكبير إني تعبان وليس بتعبان ، يأتي الكبير فيقول للصغير لا أريد أن أذهب إلى المكان الفلاني وهو يريد ويخطط أن يذهب للمكان الفلاني ، كلنا يكذب على كلنا : " إن الكذب يهدي إلى الفجور ، وإن الفجور يهدي إلى النار ، وما يزال الرجل يكذب ويتحرّى الكذب حتى يُكتب عند الله كذاباً " فتحرَّ الصدق يا أخي ، عليك بالصدق فإنه مَنجاة ، هذه هي الطريق الحادية عشرة ، قرأت أبياتٍ من الشعر بالنسبة للصدق والكذب أعجبيني فأحببت أن أقرأها عليكم ، يقول الشاعر ولم أرَ اسم هذا الشاعر :

كم من حسيب كان ذا شرفٍ        قد شانه الكذب وسط الحي إن عمدا
وآخر كان صعلوكاً فشرّفه           صدق الحديث وقولٌ جانب الفندا

فصار هذا شريفاً أي الصعلوك ، فصار هذا شريفاً فوق صاحبه ، وصار هذا أي الشريف أو الحسيب صار هذا وضيعاً تحته أبداً ، الكذب يُخفض والصدق يرفع ، الكذب يُخفض والصدق يرفع ويجعل الإنسان في مكانة رفيعة .
الطريق الثانية عشرة : مصاحبة الأخيار ستفتح المدارس أبوابها فيا طلابنا الصحبة ، يا أبنائنا الصحبةَ الصحبة ، يا أساتذتنا الصحبةَ الصحبة ، صاحبوا الأخيار ، عليكم بصحبة الأخيار ، وقد ورد في البخاري ومسلم حديث شهير ومشهور ومعروف : " إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير - فالجليس الصالح كحامل المسك - فحامل المسك إما أن يُحذِيك - أي إما أن يعطيك ، أن يمنحك من طيبه ، وإما أن تبتاع منه ، وإما أن تشم منه رائحة طيبة ، ونافخ الكير ، إما أن يحرق ثيابك ، وإما أن تشمَّ منه رائحة كريهة ، فهل تريد أن تختار حامل المسك على حامل الكير ؟ أيها الطالب عليك بصحبة الأبرار والأخيار ، عليك بصحبة الصالحين ، عليك بصحبة أهل الفضل . " يا بني : جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك ، فإن الله يحيي القلوب ، بنور الحكمة ، كما يحيي الأرض بوابل السماء " يا شبابنا الصحبة . كم من شابٍ طيب صالح جرّه رفقاء السوء إلى ما لا يحمد عقباه ، كم من بنتٍ لطيفة طيبة طاهرة أصبحت في وَهدات الفجور والعهر جرّاء مشيها ، أو جراء رفقتها بناتٍ غير صالحات ، كم رأينا بأم أعيننا ، كم من جارٍ كان طيباً لكن جار السوء جرّه إلى دائرة السوء التي هو فيها . الصحبة الصالحة يقول الأحنف سيد الحلماء ، يقول كنا نختلف أي نرجع ، كنا نختلف إلى قيس بن عاصم أحد الحلماء ، كنا نتعلم منه الحلم كما نتعلم من الفقهاء الفقه ، إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم . صاحبوا الأخيار يا شباب ، صاحبوا الأخيار يا بنات ، صاحبوا الأخيار يا آباء ، صاحبوا الأخيار يا أمهات ، وهكذا دواليك .
الطريق الثالثة عشرة : ملازمة الفرائض ثقوا يا أخوتي أنه من صلى بشكل عام ستتحسن أخلاقه ، لأنه في الصلاة متصل مع الله ، فهو في خلق حسن مع الله ، وبالتالي سينسحب هذا على حياته ، لازموا الفرائض فتلك طريق لتحسين الأخلاق ، يا شبابنا يا طلابنا صلوا ، صوموا ، حجوا إن استطعتم إليه سبيلاً ، لازموا الفرائض ، لازموا قراءة القرآن ، لازموا التعرف على النبي العدنان صلى الله عليه وآله وسلم ، إن لازمتم الفرائض ستتحسن أخلاقكم بشكل عام ، لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر هكذا قال ربي جلت قدرته ، والصيام يجعلك متقياً
﴿ كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون
البقرة : 183 . لازموا فرائض ربكم ، أريدكم من منطلق الحب ورب الكعبة يا شبابنا يا أبنائنا ، لطالما قلت ذلك لأبنائي ولطلابي ولإخواني : واظبوا على صلواتكم واقرؤوا قرآن ربكم وبعد ذلك لا عليكم فأنتم مسلحين إن شاء الله ، حافظوا على صلواتكم متقنة ، وحافظوا على تلاوة القرآن بإتقان ، من كان متصلاً بربه لا يضيعه ربه ، يا شبابنا ورب الكعبة إنها معادلة صحيحة ، من التزم ساحة ربه تكفّله ربه وأضحى ربه معه : " وما زال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه - وإذا كان الله سمعه فهل ستسوم أخلاقك - كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، ولئن سألني لأعطينه " حافظوا على الصلوات ، ما أجمل - ولقد ذكرت ذلك منذ سنوات كم كنت أنظر أيها الإخوة بإكبار إلى ذاك السائق الذي كان يقود الباص أو السيارة الكبيرة وعندما يحين وقت العصر أو الظهر ينزل من سيارته مقدار صلاة الفرض فيؤدي صلاة الفرض كنت أنظر إليه فأقول ما أجمله من إنسان ، ما أروعه ، ما أصدقه ، كانت تعجبني هذه المناظر كنت أدخل المسجد فأرى طلاباً يتحلقون حول شيخ من الشيوخ في الجامع الكبير أنظر إلى المجلس وأرى الملائكة تحفّ هذا المجلس ، كنا نمارس هواياتنا في المساجد ، قضيت أكثر من نصف عمري في المسجد الكبير ، في مسجد سيدنا زكريا ، كنا نلعب ونلهو في المسجد اللهو الحلال الطيب ، لكن أولادنا اليوم بعيدون عن المسجد ، وبالتالي أصبحت أرواحهم في غيهبٍ عن الوجود الحقيقي ، كم كانت تلك المناظر رائعة يوم كنا نشاهد جمعاً من الناس يستمعون إلى المقرئ في المسجد الفلاني الكبير أو غيره ، كان في كل يوم يقرأ قارئ بعد صلاة الظهر في الجامع الكبير ، وكنا نرى الأولاد الصغار والكبار الذين كانوا يلعبون يتركون اللعب ويستمعون ، تنهال على أذانهم كلمات ربي ، أين أنتم يا شبابنا ، يا طلابنا من كلامٍ يحفظكم ، من كلام يصونكم ، يا معشر الناس ضعنا وضيعنا ، يا معشر الناس أصبحنا مستهلَكين بأمور تافهة ، أصبحنا مستهلكين بعدد من الأطعمة شئنا أم أبينا ، ليس من عادتي أن أُقرّع ولكنني أتألم وأذكر عسى أن يكون الذكر هذا دافعاً للتألم ، مِن هذا الذي أذكر حتى ننفر منه ، ننفر من الأمور التي استهدفتنا من طعام كثير على حساب الروح ، على حساب السرور الداخلي ، لقد أصبحنا نشكو كثرة الطعام وكثرة اللهو ، وصرنا نفتش عن الأماكن التي تفتتح ويلهو فيها الناس لهواً غير طيب ، فما من أحد تراه إلا ويقول لك انظر والحمد الله وكأنه يخبرك عن موعدِ لقاءٍ مع القرآن الكريم ، أو مع العقل المتفتح ، أو مع الثقافة النافعة ، لقد افتُتح المكان الفلاني خارج حلب ، صار الواحد منا يقول الحمد الله أصبحنا إذا ما أردنا أن نلهو ، وهل نفعل إلا اللهو في حياتنا ، أنا أعجب من شعبنا اليوم ، ومن حكوماتنا عندما يقول الواحد منا : نريد أن نلهو بعض الوقت . نقول له وهل حياتك كلها إلا لهو ؟ متى عملت حتى ترتاح ؟ متى اشتغلت حتى ترتاح ؟ إني لأرى أيامك كلها راحة ، إني لأرى سهرك راحة في أحسن الأحوال إن لم يكن لهواً مضيعاً ، متى اشتغلت حتى ترتاح ؟ انظروا أسلافنا ، انظروا أولئك الذين نفتخر بهم ، ولا أريد أن نعتمد على افتخارنا بهم ، ولكنني أريد أن أحضّ نفسي وإياكم على أن نكون مثلهم ، على أن نعمل : ﴿ تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون البقرة : 134 ما عملوه من خير لهم ، وما عملتموه من سوء عليكم ، فيا أبناء أمتي إلى حسن الخلق ، إلى ملازمة الفرائض والنوافل ، إلى ارتياد المساجد . أنتم أيها الشباب الصغار ستجدون أثر ذلك في مستقبلكم القادم ورب الكعبة . لئن سألتني يا أخي - على سبيل الأريحية - ما الذي تذكره من أيامك الماضية وأنت مسرور ، وإذا ذكرت ذلك سررت ؟ أقول لك : أذكر ارتيادي المسجد الفلاني ، وقراءتي الكتاب الفلاني ورب الكعبة ، وأنا لا أغالط ، ولا أتكلم الآن كلاماً مثالياً ، لكن تلك الذكريات هي التي تنشط في داخلي وتجعل مني إنساناً سعيداً ، تلك الذكريات ، تلك الأيام ، تلك الليالي التي مضت من عمري ، تلك الليالي التي كانت مشرقة بأنوار القرآن ، بلقاء الصالحين ، بصحبة الأخيار ، باللهو المباح مع الأخيار ، وما أعظم اللهو المباح الذي جاء به الإسلام ! أيها الأحبة الشباب : وفقكم الله يا طلابنا ، يا أبناءنا ، يا أبناء أمتي من أجل أن تحسنوا أخلاقكم ومن أجل أن تتخلصوا من سوء الأخلاق ، وتذكروا في النهاية قول سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في مسند الإمام أحمد وصححه : " إن أبغضكم إلي وأبعدكم عني يوم القيامة - أو في الآخرة - أسوءكم أخلاقاً " والشطر الأول من الحديث : " إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة - وفي الآخرة - أحسانكم أخلاقاً " اللهم قربنا من نبيك سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم دنيا وآخرة ، نعم من يسأل ربنا ونعم النصير إلهنا ، أقول هذا القول وأستغفر الله .

التعليقات

فدغم المخيدش

تاريخ :2007/08/28

بارك الله فيك ياشيخ .

شاركنا بتعليق