آخر تحديث: الجمعة 26 تشرين الثاني 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
سوء الخلق رذيلة

سوء الخلق رذيلة

تاريخ الإضافة: 2005/08/26 | عدد المشاهدات: 4681

أما بعد ، فيا أيها الإخوة المؤمنون :
تحدثنا في الأسبوع الماضي عن فضائل حسن الخلق ، وبيَّنا أن حسن الخلق عبادة وامتثال لأمر الله ، أما اليوم فاسمحوا لي أن أحدثكم عن سوء الخلق ولا أريد أن أتحدث عن سوء الخلق ورذائله كما تحدثت عن فضائل حسن الخلق ، ولكنني سأشير إلى أن سوء الخلق لا أفظع ولا أقطع للعلاقة الطيبة مع الله عز وجل ومع الناس ، وحسبي أن أقول ابتداءً حديثَ النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي يرويه أحمد في مسنده بسند صحيح يقول : " وإن أبغضكم إلي وأبعدكم عني مجلساً يوم القيامة أسوءكم أخلاقا " فهل تريد يا أيها المسلم حيثما كنت وفي أي منصبٍ كنت ، وفي أي مساحة شغلتها ، وفي أي بيئة عشت فيها ، وفي أي منصة وقفت عليها ، هل تريد أن تكون مبغوضاً من قبل الأعقل بين الناس ، ومن قبل الأعظم بين الناس ، ومن قبل الأرفع بين الناس ، ومن قبل الأرضى عند الله عز وجل ، من قبل سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ هل تريد أن تكون مبغوضاً من قبله ، وهل تريد أن تكون بعيداً عنه ومنه يوم القيامة ؟ بل هل تريد أن تكون الأبعد منه صلى الله عليه وآله وسلم ؟ إذاً فليكن الخلق لديك - لا سمح الله سيئاً - لعلكم تسألونني كيف نترقى في حسن الخلق ، وكيف نتخلص من سوء الخلق ونترقى في سُلِّم حسن الخلق ؟ أقول ، وسأجعل هذه الخطبة إن شاء الله والخطبة التي تليها لهذا الأمر ، لأنه كما قلت في الأسبوع الماضي أمرٌ مهم وهام وجدير بالبحث ، فالأمة التي حسّنت أخلاقها أمة جديرة بأن تكون أمة الحضارة ، والعكس صحيح :

وإذا البلادُ أصيبت في أخلاقها          فأقم عليها مأتماً وعويلاً

إن ما يشكوه كما قلت في الأسبوع الماضي ، إن ما يشكو الأب من ولده ، والولد من أبيه وهكذا ولا أريد أن أعدد ، إن ما يشكو الناس بعضهم من بعض هو سوء الخلق . كيف تتخلص من سوء الخلق ؟
أولاً : سلامة العقيدة ، العقيدة السليمة السديدة لا تُنبت إلا الصفات الحميدة . إذا كانت عقيدتك بالله سليمة ، وبالرسول سليمة ، فإنك عند ذلك ستضطر إلى أن تكون صفاتك حميدة . قرأت عبارة للإمام الغزالي في كتابه الإحياء - وعلى ما أذكر في الجزء الثاني - يقول الإمام الغزالي رحمه الله : " من لم يكن صدره مشكاة الأنوار الإلهية لم يفض عليه - أي صدره - لم يفض عليه جمال الآداب النبوية " من لم يكن صدره مشكاة الأنوار الإلهية لم يفض عليه جمال الآداب النبوية . رسخ عقيدتك وصحح عقيدتك واجعل عقيدتك سليمة وبالتالي سيكون ذلك مدعاة لحسن خلقك . إن صاحب العقيدة السليمة يسعى من أجل أن يكامل بينها وبين الخلق فـ : " لا إيمان لمن لا أمانة له " والأمانة خلق سينفى عنك الإيمان وهل ترضى أن ينفى عنك الإيمان إذا ساءت أخلاقك ؟ نعم سينفى عنك الإيمان ، وبالتالي صحح العقيدة يحسن خلقك .
أما الأمر الثاني : فالدعاء والمجاهدة : ادعُ الله عز وجل أن يحسن أخلاقك ، وجاهد في ذلك :
﴿ والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين العنكبوت : 69 والحِلم بالتحلُّم ، والعلم بالتعلم ، والخلق الحسن بالتخلق ، والكَلَف بالتكلف . ادعُ الله عز وجل أن يحسن أخلاقك ، وأن يحسن أخلاق أولادك ، وأن يحسن أخلاق مجتمعنا ، وأن يحسن أخلاق حاكمك ، وأن يحسن أخلاق زوجتك ، وأن يحسن أخلاق تلاميذك وأستاذك ... وهكذا ، وكان سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعو فيقول كما جاء في صحيح الإمام مسلم : " اللهم اهدني لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت " هل تدعو أيها الشاب هذا الدعاء ؟ إذا كان سيّدُ من حَسُنت أخلاقهم يدعو بهذا يقول : " اللهم اهدني لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت ، واصرف عني سيء الأخلاق فإنه لا يصرف سيء الأخلاق إلا أنت " ادعُ الله وجاهد في أن يكون خلقك حسناً : " لا تحقرن من المعروف شيئاً " - كما قال سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً حسب ما جاء في صحيح الإمام مسلم – " لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق " وفي رواية : " بوجه طليق " تكلَّف لأخيك بالبسمة ، جاهد نفسك من أجل أن تتبسم لأخيك وأنت تلقاه فسيكون ذلك طريقاً إلى تحسين خلقك ، جاهد نفسك من أجل أن تتبسم لزوجتك حتى ولو أغضبتك زوجتك : لا يَفرُك - هكذا قال سيدي رسول الله في حديث يرويه البخاري : " لا يَفرُك - أي لا يبغض - لا يفرك مؤمن مؤمنة - أي زوجته - إن كره منها خلقاً أعجبه آخر" . أيها الأخ المسلم : جاهد في أن تتبسم لزوجتك ، جاهد في أن تتبسم لأبيك ، لأخيك ، لجارك ، فرسول الله قال صلى الله عليه وآله وسلم قال : " ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق " الدعاء والمجاهدة .
ثالثاً : من الأمور التي تحسن أخلاقك يا أخي أيها المسلم المحاسبة والتبصر في عواقب الأخلاق السيئة : تبصر في عواقب الخلق السيئ فستنفر عنه ومنه ، المحاسبة : " حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا " هكذا روي عن سيدنا عمر مرفوعاً كما جاء في سنن البيهقي وسواه : " حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم " تبصر بعواقب الغيبة وأنها قطيعة وكراهية ، وتبصر بعواقب النميمة وأنها خديعة وضلالة ، تبصر بعواقب الخيانة وأنها خَراب ، تبصَّر بعواقب الكذب وأنه دمار ، تبصر بعواقب الأشياء التي حرمها ربي وهي من الأخلاق السيئة فستفرُّ منها ، والنظر في العواقب من سِمات العقلاء ، إذا أردت أن تكون عاقلاً فتبصر بعواقب الأمور . ما الذي ستحصده من الأخلاق السيئة ؟ تصرف على هذا الأساس ، ستحصد في الدنيا صفات ذميمة وفي الآخرة ستكون مبغوضاً من قبل ربك ومن قبل رسول ربك ومن قبل الصالحين من عباد ربك : " حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا " واذكر قول الله عز وجل :
﴿ تلك الدار الآخرة نجعلها
القصص : 83 لمن ؟ هل لمن ساءت أخلاقهم ؟ لمن علوا في الأرض استكباراً ؟ لمن عتَوا عن أمر ربهم ؟ لمن خانوا ؟ لمن تجبروا ؟ لمن أخافوا ؟ لمن أرعبوا ؟ لمن روَّعوا ؟ لمن قتلوا ؟ لمن كذبوا ؟ لا ... ﴿ تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين القصص : 83 وإذا كانت العاقبة للمتقين فالعاقبة لأصحاب الأخلاق الحسنة ، لأن الأخلاق الحسنة تشكل القسيم الأكبر من التقوى ، وكما قلنا قي الأسبوع الماضي : " إن العبد ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم " والصائم والقائم مُتَّق ، لعلكم تتقون : ﴿ كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون البقرة : 183 ﴿ الم . ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتقين . الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة البقرة : 1- 3 فإذا كان الصائم القائم متقياً فبحسن خلقك تبلغ درجة الصائم القائم . نريد أن نتخلص من سوء الخلق أيها الناس .
الأمر الرابع : الإعراض عن الجاهلين ، والترفع عن الدنايا :
﴿ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين الأعراف : 199 شتم رجل مرة كما جاء في كتاب الإحياء أيضاً شتم رجل مرة رجلاً فاضلاً من التابعين ابن غبيرة ، فأعرض عنه ابن غبيرة . فقال هذا الشاتم : يا هذا إياك أعني . فقال ابن غبيرة : وعنك أعرض . نعم أنا أعلم أنك تعنيني ولكن أمتثل قول الله : ﴿ وأعرض عن الجاهلين الأعراف : 199 قال يا هذا إياك أعني . قال هذا الرجل الكبير وعنك أعرض . نعم تعنيني وعنك أعرض . كنا نقرأ ونحن في المرحلة الثانوية لشاعرٍ يُسمّى المقنع الكندي ، كنا نقرأ له أبيات جميلة ، كان يقول :

وإن الذي بيني وبين بني أبي              وبين بني عمي لمختلف جداً
فإن أكلوا لحمي وَفَرت لحومهم           وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجداً
ولا أحمل الحقد القديم عليهم              وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا

أيها الحاقدون : لا تستاهلون أن تكونوا رؤساء ، ورئيس القوم لا يحمل الحقدا ، من كان في قلبه حقد على مسلم فلا يستحق أن يُولّى عليهم ، إن الذي يُولى على المسلمين هو الذي يمتلك قلباً سليماً طيباً حتى وإن أخطؤوا في حقه ، فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجداً . كنا نتغنى بهذا وكان الأستاذ عندما يدرسنا يقول لنا انظروا إلى المروءات للعرب ، انظروا إلى القيم ما أروعها . تُرى هل الإسلام جاء ليرفع هذه القيم ؟! حاشا ، بل جاء هذا الإسلام ليُثبت ويُعمِّق هذه القيم ، وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا . ما أكثرَ حقدنا ! وبالتالي لن نكون رؤساء لا على أنفسنا ولا على بعضنا ولا على العالَم ، لأننا أمة يحمل أغلبنا حقداً في قلبه على أخيه ، على الذي يصلي بجانبه ، على الذي يصلي معه ، على الذي يماثله ويُشاطره الإيمان بالله ، الإيمان بالملائكة ، يشاطره الصيام ، الصلاة ، العبادة . سنكمل الأمور التي تساعدنا على أن نتخلص من سوء الخلق وتساعدنا أيضاً أن نترقى في سلم حسن الخلق . ندعو ربنا قائلين كما علمنا سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت ، واصرف عنا سيّأَها فإنه لا يصرف سيئها عنا إلا أنت ، اللهم اهدني لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت ، واصرف عني سيئها فإنه لا يصرف سيئها عني إلا أنت ، نعم من يسأل أنت ، ونعم النصير أنت ، أقول هذا القول وأستغفر الله .

التعليقات

شاركنا بتعليق