آخر تحديث: الجمعة 21 يناير 2022
عكام


خطبة الجمعة

   
من صفات المجتمع المنشود: إصلاح ذات البين

من صفات المجتمع المنشود: إصلاح ذات البين

تاريخ الإضافة: 2009/07/24 | عدد المشاهدات: 4631

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون المسلمون:

قلت في نفسي اليوم لأسألنَّ إخوة لي عن علاقاتهم بإخوانهم، بإخوتهم، بأخواتهم، بجيرانهم، بزملائهم، بمن يلتقون بهم ومعهم... كيف يمكن أن تحكم على هذه العلاقة بينك وبين هؤلاء ؟ هل هي علاقة جيدة عنوانها الصلاح والخير والتواصل البنّاء ؟ أم أن عنوانها غير ذلك ؟

من خلال ما نلحظ، ليست العلاقات فيما بين الناس اليوم كما يجب، وليست على ما يرام كما يُقال في تعبيرنا الدارج، لا بدَّ وأنكم تعلمون ذلك، حينما نسأل إنساناً ما  له أكثر من أخ هل علاقاتك مع كل إخوتك جيدة ؟ سيقول أكثرنا لا، علاقتي مع بعض إخوتي جيدة، ومع بعض إخوتي غير جيدة. هل علاقتك مع كل جيرانك جيدة ؟ في أحسن الأحوال سيجيب علاقتي مع بعض الجيران جيدة ومع بعضهم الآخر غير جيدة. هل علاقتك مع زوجتك جيدة ؟ أحياناً تكون جيدة وأحياناً تكون غير جيدة. بمعنى آخر نحن نحتاج إلى إصلاح علاقاتنا التي بيننا، ما المانع أن تفكر مساء كل يوم عن علاقاتك بإخوتك وإخوانك وأخواتك وأقربائك وجيرانك وأبيك وأمك وأبنائك وزوجتك وكل من يلوذ بك وأصدقائك، أن تسأل نفسك كيف حال هذه العلاقة ؟ فإن كانت جيدة حاولت أن تزيد وإن كانت غير جيدة هببت من أجل أن تصلح هذه العلاقة حتى تكون جيدة. لماذا هذا الكلام ؟ لأن المجتمع المنشود الفاضل لا يمكن أن يكون، إذا كانت علاقات أفراده غير جيدة، من أجل هذا قال ربنا عز وجل: ﴿وأصلحوا ذات بينكم﴾ من أجل هذا قال ربنا عز وجل: ﴿وأصلحوا بين أخويكم﴾ نصلي ونذهب للعمرة والحج وربما أقمنا الاحتفالات الكبيرة العديدة، الاحتفالات الدينية المتعددة، لكننا قليلاً ما نفكر في إصلاح هذه العلاقات بيني وبين الآخر، بين أخي المسلم على الأقل، بين هذا الأخ الذي يشكِّل أخاً نسبياً أحياناً والذي يشكل صديقاً والذي يشكل أختاً والذي يشكل زوجة والذي يشكل زوجاً وهكذا دواليك... وأنا أقول لكم، ونحن في دار الإفتاء نستقبل مخاصماتٍ بين الأخ وأخيه نستقبل كل يوم أكثر من مخاصمة ومخاصمتين وثلاث مخاصمات بين الأخ وأخيه، بين الزوج وزوجته بين الأم وابنتها نسأل أحياناً بنتاً: هل تكلمين والدتك ؟ تقول لك بكل وضوح وبكل صراحة وبكل هدوء أعصاب: والدتي لا أكلمها، قاطعت والدتي منذ أكثر من أربع سنوات. تسأل شاباً: هل تكلم أخاك ؟ يقول لك: يا أستاذ دعك من هذا، على كل حال ليس بيني وبين أخي صلة، الحمد لله هو بحاله وأنا بحالي، ومنذ أكثر من عشر سنوات لا أكلمه ولا يكلمني والحمد لله ونحن مرتاحون. وأنتم تسمعون مثل هذا الكلام.

أصلحوا ذات بينكم، الإسلام ليس صلاةً فحسب، الإسلام ليس زكاة فحسب، الإسلام ليس حجاً وعمرة فحسب، الإسلام علاقة طيبة بينك وبين هذا الذي هو أخوك أو جارك أو صديقك أو زميلك أو مارٌ أو عابر، أصلحوا ذات بينكم، يقول سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الذي يرويه الإمام مسلم: (كل سلامي من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس) كل يوم يجب أن تتصدق أنت أيها الإنسان السليم الذي سلمت أعضاؤك ، عليك أن تتصدق في كل يوم، كيف أتصدق وأنا لا أملك المال ؟ (قال: تعدل بين الاثنين صدقة) أنت تعيش في أسرة وأخوك هذا لا يكلم أخاك هذا، فهذا واجبٌ عليك أن تُصلح بينهما وأن تعدل بينهما وأن تقوم بإيجاد ميزان العدل بينهما، أنت الآن تأتي إلى عملك، صديقك هذا لا يكلم صديقك ذاك، عليك أن تضع في حسبانك أن من مهامك أن تُصلح بينهما وأنَّ هذا واجبٌ في رقبتك وأن هذا فرض في عنقك وإلا فأنت مسلمٌ منقوص شئت أم أبيت.

إن كنت تعلم أن أختك لا تكلم ابنتها، أن بنت أختك لا تكلم أمها وهكذا دواليك، فواجبٌ عليك أن تقوم بعملية الإصلاح، وإياك أن تقول بأنك مشغول بأنك تعمل في التجارة أو الصناعة، هذا الأمر أهم من عملك المادي الذي أنت فيه: (كل سلامي من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس، قال: تعدل بين الاثنين صدقة، وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، قال: والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة).

أما مكانة إصلاح ذات البين في ديننا، فقد قال سيدي رسول صلى الله عليه وآله وسلم كما في الترمذي: (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة ؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: إصلاحُ ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين)، وفساد ذات البين أصبحت هي الحاكمة فيما بيننا وبالتالي حلقت ديننا ومحت ديننا وإن ادَّعينا بأننا أصحاب دين لكن الواقع أن فساد ذات البين فيما بيننا، في علاقاتنا تنبئ عن أنا غير أصحاب دين، والادِّعاء لا يغني عن الواقع، الواقع أكبر من الادّعاء، و: (لو يُعطى الناس بدعواهم، لادعى قوم دماء قوم، وأموالهم ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر)، أين البينة على أننا أصحاب دين ؟ الصلاة، لا يا إخوتي ليست بينة كافية ولا تقبل عند قاضي السموات والأرض، ليست بينة كافية.

ثواب إصلاح ذات البين: يقول سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأبي أيوب الأنصاري كما يروي الطبراني بسند حسن: (ألا أدلك على تجارة ؟) وإذا أطلقت التجارة فإننا نعني بها التجارة الرابحة على مستوى الدنيا وعلى مستوى الآخرة (قال: بلى يا رسول الله. قال: صِل بين الناس إذا تفاسدوا، وقرّب بينهم إذا تباعدوا)، وأعتقد أن بيننا أناساً يفسدون بين الناس إذا تصالحوا، ويبعدون بين الناس إذا ما تقاربوا، يقومون بالعكس، وأولئك يقومون بتجارة خاسرة في الدنيا والآخرة. : (ألا أدلك على تجارة ؟ قال بلى يا رسول الله. قال: صل بين الناس إذا تفاسدوا، وقرّب بينهم إذا تباعدوا).

يقول صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً كما يروي الأصفهاني بسند حسن: (من أصلح بين الناس أصلح الله أمره وأعطاه بكل كلمة عتق رقبة ورجع مغفوراً له ما تقدم من ذنبه).

يا هؤلاء: ألا تريدون أين يصلح الله أموركم ؟ فأصلحوا بين الناس يصلح الله أموركم ويعطكم بكل كلمة عتق رقبة وسترجعون مغفورة ما تقدم من ذنوبكم،  فهيا إلى الإصلاح، ابدأ أنت، أنا لا أريد أن تكون مصلحاً الآن بين الناس ابدأ أنت بنفسك هل تهجر أحداً ؟ هل تقاطع أحداً ؟ هل تحمل حقداً على أحد ؟ هل تحمل غلاً على أحد ؟ ابدأ بنفسك لأن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم يقول كما في صحيح البخاري ومسلم: (لا يحل لمسلمٍ أن يهجر أخاه فوق ثلاث) ويروي أبو داود بزيادة: (ومن هجر أخاه فوق ثلاث فمات مات مطروداً من رحمة الله) وفي رواية: (مات كافراً) ابدأ أنت بنفسك قبل أن تقوم بعملية الإصلاح بين الآخرين.

قرأت حديثاً أحببت أن أقوله وهو حديثٌ وجدته مناسباً لهذا الموضوع، يروي الطبراني أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقف خطيباً فقال: (ألا أنبئكم بشراركم ؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: إن شراركم الذي ينزل وحده) قطع علاقاته مع الناس (إن شراركم الذي ينزل وحده ويجلد عبده) أو ولده أو تلميذه ولذلك قلنا إن الضرب ممنوعٌ في الإسلام، أن يضرب المعلم التلميذ هذا ممنوع شاء من شاء وأبى من أبي، ليس في الإسلام ضربٌ من قبل المعلم للتلميذ (إن شراركم الذي ينزل وحده، ويجلد عبده، ويمنع رفده) يمنع عطاءه عن الناس المحتاجين إلى هذا العطاء، أنت تملك مالاً وترى إنساناً يحتاج إلى هذا الذي تملكه أنت ولا يؤثر عليك إذا ما أعطيته ثم تمنع عنه هذا فأنت من شرار الناس، (ثم قال: أفلا أنبئكم بشرٍ من ذلك ؟ قالوا : بلى إن شئت يا رسول الله. قال: من يبغض الناس ويبغضونه) وهذا أصبح عادة، تسأل إنساناً ما عن إنسانٍ آخر يقول لك لا أحبه تسأله عن ثانٍ يقول لك لا أحبه وأبغضه وما يعجبني، (ثم قال: ألا أنبئكم بشرٍ من ذلك ؟ قالوا: بلى يا رسول الله إن شئت. قال: الذين لا يقيلون عثرةً، ولا يقبلون معذرة، ولا يغفرون ذنباً) لا يمكن أن أعفو هكذا يقول متشبثاً بعنفوانه الذي لا قيمة له في عالم الخير، (ثم قال: أفلا أنبئكم بشرٍ من ذلك كله ؟ قالوا: بلى إن شئت يا رسول الله. قال: من لا يُرجى خيره ولا يؤمن شره) بعض الناس يُحترمون ظاهراً ويخوفون الناس لكن لا على أساسٍ من إنسانية ويظن هؤلاء الذين يُحترمون ظاهراً ويخوفون الناس أنهم أصحاب شخصية، هؤلاء لا يُؤمن شرهم ولا يُرجى خيرهم، أخاطب بهذا بعض الناس من التجار الذين علت بهم المراتب، هؤلاء يُحترمون ظاهراً ولكن لا على أساسٍ من إنسانية، ولكن لأنهم لا يُؤمن شرهم ولا يُرجى خيرهم، يخاف الناس منهم لأنهم لا يُؤمن شرهم ولا يُرجى خيرهم، ، أتكلم عن بعض المسؤولين أيضاً، يظنون أنهم شخصيات مُقدَّرة، الناس تقدرهم، يا هؤلاء الناس تقدركم لا لأنكم تستحقون التقدير، ولكن لأنكم لا يُؤمن شركم ولا يُرجى خيركم، يخافون منكم، من شركم الكامن الذي إذا تفجّر أصاب بشظاياه الناس كلها من أمامكم، لذلك تُحترمون لكن الاحترام هذا ظاهري فقط لا أكثر ولا أقل،  (أفلا أنبئكم بشرٍ من ذلك كله ؟ قالوا: بلى إن شئت يا رسول الله. قال: من لا يرجى خيره ولا يؤمن شره) فهل نكون كذلك ؟ أرجو أن نكون العكس، من يُرجى خيره ويُؤمن شره، فلنسعَ من أجل أن نكون كذلك.

في النهاية: هيا أيها الأحبة في هذه المدينة وفي هذه الدولة وفي ثكناتنا العسكرية وفي وزاراتنا وفي مساجدنا وعند شيوخنا، هيا إلى إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة، واليوم تأخذ فساد ذات البين في الحلق فتحلق ديننا شيئاً بعد شيء، عند ذلك ننظر إلى النتائج وإذ بالنتائج ليست كما يراد، ما السبب ؟ نصلي يا رب، نصوم يا رب، أنا لا أتكلم الآن عن هذه الصلاة وعن طبيعتها، ولكن حسب الظاهر نحن نصلي يا رب، ونصوم يا رب، ونحج يا رب، ونعتمر يا رب، لكن ربنا عز وجل بلسان الحال يقول لنا: وأين إصلاح ذات البين التي ربطت بها تفوقكم، أتريدون أن تتفوقوا اجتماعياً، ليكن صلاح ذات البين عنوانكم ؟ أتريدون أن تكونوا مطلوبين على مستوى الناس ومرغوباً فيكم ؟ إذن عليكم أن تصلحوا ذات بينكم وأصلحوا ذات بينكم وأصلحوا بين أخويكم، هذا هو بعض الطريق للوصول إلى المجد، وإن كنا نستحي أن نذكر كلمة المجد على ألسنتنا لأن بيننا وبين المجد مسافات كبيرة واسعة شاسعة، نستحي أن نذكر كلمة المجد لكن ما زال الأمر بمقدورنا ما دمنا نشعر بقدرة على القيام بالتكاليف الشرعية العظيمة التي جاء بها قرآننا الكريم والتي جاء بها رسولنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولقد طُبِّقت هذه الأمور في فتراتٍ غير قليلة في تاريخنا المجيد، كان أجدادنا عندها عظاماً وكانوا قدوة وكانوا أسوة للآخرين، أما نحن اليوم فليس لنا في المجال المادي دور، ولا في  المجال المعنوي دور، وأصبحنا كفقراء اليهود كما يقال لا دين ولا دنيا.

أسأل الله أن يوفقنا لنكون على مستوى ديننا فيما يخص هذه القضية، قضية إصلاح ذات البين، ابدأ بنفسك لتوِّك ومن توِّك، هل تهجر أحداً هل تقاطع أحداً هل تتكلم على أحد ؟ قل بينك وبين نفسك: اللهم إني أسألك الخير لإخواني كلهم، اللهم أصلحهم كلهم، اللهم أكرمهم كلهم، اللهم اجعلهم في علاقاتٍ طيبة فيما بينهم، اللهم أكرمهم بالتحقق بالأخوة التي تعني الحب والتي تعني التعاون والتي تعني التضامن والتي تعني التباذل. اللهم حقق ذلك كله، نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 24/7/2009

التعليقات

شاركنا بتعليق