آخر تحديث: الأربعاء 17 أغسطس 2022
عكام


خطبة الجمعة

   
من سبل رقي المجتمعات: الأخلاق

من سبل رقي المجتمعات: الأخلاق

تاريخ الإضافة: 2009/09/11 | عدد المشاهدات: 3980

أما بعد، فيا أيها الإخوة الصائمون القائمون:

تقبل الله منا ومنكم صيامنا وصيامكم وقيامنا وقيامكم.

لعلنا إن سئلنا عن العنصر الأهم في الرقي الإنساني، بمعنى لو أنك حُدِّثت عن مجتمعٍ راقٍ فما الذي سيخطر ببالك عن الشيء الذي جعل هذا المجتمع راقياً ؟ ما السمة أو العنصر الذي يجعل هذا المجتمع أو ذاك راقياً على المستوى الإنساني وليس على المستوى التقني أو الصناعي أو التكنولوجي كما يُقال ؟ ما العنصر الذي إذا وجد في مجتمعٍ ما وُصف هذا المجتمع بأنه مجتمعٌ راقٍ ؟ إذا ما طرحت هذا السؤال عليكم فإني أظن، وظني هنا على الغالب، أظن أن أغلبكم سيجيب ببيت الشعر المعروف:

وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت        فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا

 وهذا يعني أن العنصر الأهم في مجتمعٍ ما إذا كان هذا المجتمع يتسم بالرقي هو الأخلاق، وبإمكانكم الآن أن تستعرضوا المجتمعات التي تريدون أن تصفوها بالرقي على ماذا تنطوي، لا شك في أنكم إذا ما درستموها فإنكم واجدون أنها تنطوي على الأخلاق لتجعلها مجتمعات راقية، وهل بإمكانكم أن تتحدثوا عن مجتمعٍ أفراده لا يتمتعون بالخلق الحسن على أنه مجتمعٌ راقٍ ؟ ما أظن. هل تتحدثون عن مجتمعٍ انعتق أفراده من ربقة الأخلاق الحسنة لتصفوه بالمجتمع الراقي ؟ تكلموا وتحدثوا ما شئتم عن رقي هذا المجتمع أو ذاك فإنكم في نهاية الحديث تقصدون الخلق الحسن. حينما يحدثك مدير مدرسة ما أو مدير دائرة ما أو محافظ بلدة ما أو مدير منطقة ما عن بلدته وعن دائرته وعن مدرسته وعن منطقته على أنها راقية إنسانياً فإنما يحدثك عنها باعتبارها تتمتع بالخلق الحسن والآن السؤال الذي يمكن أن يكون محرجاً: هل يمكن أن توصف مجتمعاتنا الإنسانية بالرقي ؟ هل يمكن أن يوصف مجتمعنا الحلبي السوري بالرقي على هذا الأساس الذي تحدثنا عنه ؟ هل يمكن أن تطلقوا على مجتمعنا الذي نعيشه وفي رمضان وأثناء الصيام وأثناء القيام بعبادةٍ فريضة هل بإمكانكم أن تسموا وأن تصفوا مجتمعنا بأنه راقٍ على المستوى الإنساني ؟ أظن أن في القضية شكاً وريباً، لذلك إذا أردتم أن يكون مجتمعكم راقياً على المستوى الإنساني فانظروا أخلاقكم وانظروا أخلاق هذا المجتمع الذي تنتمون إليه إن كان يتمتع بالخلق الحسن الذي تحدث عنه القرآن الكريم والسنة الشريفة عند ذلك قولوا بكل صراحة وقوة وجرأة إن مجتمعكم راقٍ وإلا فأعيدوا النظر من جديد.

نحن نريد للصيام أن ينتج أثره، وأثر الصيام خلقٌ حسن، ونريد للصلاة أن تنتج أثرها، وأثر الصلاة خلقٌ حسن، ونريد للحج أن ينتج أثره، وأثر الحج خلقٌ حسن، ونريد للزكاة أن تنتج أثرها، وأثر الزكاة خلقٌ حسن، وإلا إذا لم ينتج الصيام ولا الصلاة ولا الحج آثاره أعيدوا النظر أيضاً من جديد بهذا الذي تقومون به على أنه عبادة لكنه في الحقيقة عبادة شكلية خلت عن المضمون الذي أريد لهذه العبادات أن تتحلى به.

فليقرأ كلٌ منا القرآن بنية استخراج الأخلاق الحسنة حتى يضعها في كفة ثم يعاير نفسه على أساسها، وعلى سبيل المثال لا الحصر هل هو ممن ينطبق عليه قوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون﴾، هل تنطبق عليك هذه الآية، هل ينطبق عليك قوله تعالى: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً﴾، هل ينطبق عليك هذا أنت أيها الإنسان مَن كنت سواءٌ أكنت مديراً أم مُداراً، رئيساً أم مرؤوساً، وزيراً أم موزراً عليك مَن كنت، انظر نفسك وعايرها على هذا الكتاب الذي تؤمن به لترى نفسك فيما إذا كنت تكوِّن عنصراً هاماً في المجتمع أو تتحلى بالعنصر الأهم لمجتمعٍ راقٍ وهو الأخلاق.

هل ينطبق عليك قوله تعالى: ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾، أم أنك في بعدٍ عن هذا الذي نقول كما يبتعد المشرق عن المغرب، هل ينطبق عليك قوله تعالى: ﴿ولا تصعر خدَّك للناس ولا تمشِ في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختالٍ فخور. واقصد في مشيك واغضض من صوتك﴾، هل ينطبق عليك هذا ؟ هل ينطبق عليك قوله تعالى: ﴿ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌ حميم﴾، أعد النظر في مسيرتك الإنسانية لأن الإنسانية تعني أخلاقاً، لأن الرقي يعني أخلاقاً، فهل أنت من عائلة راقية ؟ والرقي هنا لا يعني أنك تسكن في بيتٍ غالي الثمن، والرقي لا يعني أبداً أن يكون لك سيارة فارهة، والرقي لا يعني أبداً أن تشتري من حيث يشتري أصحاب الأموال من الثياب الغالية الثمن، لا يعني هذا بل الرقي أن تكون وفق هذا الذي ذكرناه من آياتٍ في كتاب الله، هل أنت ممن ينطبق عليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في صحيح الإمام مسلم: (من يُحرم الرفق يحرم الخير كله) فهل أنت رفيقٌ مع أهلك، مع أصدقائك، مع جيرانك، مع أعدائك ؟ ويصعبُ عليَّ أن أقول مع أعدائك، مع أقربائنا مع زوجاتنا مع أزواجنا مع أولادنا مع آبائنا لا نتحلى بالرفق، هل ينطبق عليك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في صحيح الإمام مسلم: (الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) هل ينطبق عليك هذا ؟ هل أنت رحيمٌ بجيرانك ؟ هل أنت رحيمٌ بعمالك ؟ هل أنت رحيمٌ بالمسؤول عنهم ؟ هل أنت رحيمٌ بشعبك ؟ هل أنت رحيمٌ بنفسك قبل أن تكون رحيماً بغيرك ؟ هل ينطبق عليك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في مسلم أيضاً: (البر حسن الخلق)  إذا أردت أن تصف نفسك بموضوعية بينك وبين نفسك هل أنت من ذوي الأخلاق الحسنة ؟ وهل يُسجَّل اسمك إذا ما أردت أن تدرج صفحة لذوي الخلق الحسن فهل ستسجل فيها اسمك أم أن اسمك سيكون في صفحة أخرى مقابلة ؟ هل أنت ممن ينطبق عليه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في الترمذي: (ما من شيء أثقل في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة من خلقٍ حسن) فهل تنظر ميزانك الذي سيأتي هل ستجد في ميزانك يوم توضع الموازين القسط هل ستجد فيها خلقاً حسناً راجحاً يرجِّح كفة الحسنات أم أنك لا تفكر بهذا الميزان وتفكر بميزان المادة البحتة وبأخلاق المادة البحتة الصرفة ؟ هل أنت ممن ينطبق عليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في الترمذي أيضاً: (أكثر ما يدخل الناس الجنة تقوى الله وحسن الخلق) أتريدون الجنة أم أنكم تدعون ربكم الجنة من باب "فض العتب" كما يقال ؟ وما أعتقد أننا نريد الجنة إذا كانت أخلاقنا غير حسنة، من سعى للجنة سعى إليها بخلقٍ حسن وإلا فلا جنة والقضية قضية وهم نعيشه.

هل ينطبق عليك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن المؤمن ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم) كما جاء في سنن أبي داود، هل ينطبق عليك هذا ؟ هل أنت ذو أخلاق حسنة مع جيرانك مع أولادك مع مسؤوليك أم أنك في غيابٍ عن هذا الذي نتحدث عنه ؟ يا أخي راجع الأمر ومحِّص الأمر وانتبه لنفسك وأنذر نفسك ووبخ نفسك فالقضية قضية وجود، أتريدون أن نكون موجودين إذن فلنكن على مستوى الخلق الحسن فلنكن أتباعاً بصدق لهذا الذي قال عنه ربه: ﴿وإنك لعلى خلقٍ عظيم﴾ فهل نحن ممن يقال لنا من قبل الناس وليس من قبل الله العالم السر وأخفى هل يمكن أن يقال لنا: وإننا لعلى خلقٍ حسن، وإننا يمكن أن يقال لمجملنا وإنكم لعلى خلقٍ سيء، نعم هكذا إذا نظر إلينا أحدٌ من قريب أو بعيد ما وسعه إلا أن يقول: وإنكم لعلى خلق سيء إلا بعضاً قليلاً قليلاً قليلاً وهذا البعض لا يمكن أن يشكِّل مناط حكم. هل ينطبق علينا قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (أنا زعيمٌ ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه) أتريدون أن تكونوا في أعلى الجنة التي تؤمنون بها ومن فمك أدينك وأنا لا أتحدث في بلد غربي مع ملحدين حتى يقول هؤلاء تحدثنا عن الجنة ولا نؤمن بالجنة أما أنتم فتؤمنون بالجنة وتسألون الله الجنة في أدعيتكم وفي كلامكم وفي صلواتكم، والواحد منكم يرفع يديه ويبكي ويقول: اللهم أدخلنا الجنة، إذا أردتم الجنة فهذا طريقها وهذا مسارها وهذا سببها الذي يؤدي إليها (أنا زعيمٌ ببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه) كما جاء في سنن أبي داود.

هل ينطبق علينا قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلقٍ حسن) هل نحن مؤتمرون بأمر سيدي رسول الله صاحب الخلق العظيم بمخالقة الناس بخلقٍ حسن ؟ إن قلتم نعم فإني أشك في هذا الكلام وانظروا أسواقكم وانظروا تجاركم وانظروا موظفيكم وانظروا معلميكم وانظروا جنودكم وانظروا ضباطكم وانظروا كل الأماكن التي تلتقون فيها.

في نهاية النهاية: أيها الناس إنكم لا تسعون الناس بأموالكم، أموالكم عليكم وعندكم لا نأبه بها ولا نأبه لها ولا يهمنا أمرها، إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم حسن خلق وبسط وجه.

إذا كنتم مؤمنين وهذا ما اعتقده، حينما نسأل هل أنتم مؤمنون ؟ الجواب: نعم. لكن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم يقول كما في مسند الإمام أحمد: (أفضل الإيمان خلق حسن) إذا لم تكن أخلاقنا حسنة فالإيمان في تراجع ونقص ويكاد يكون إلى زوال لأن أفضل الإيمان خلقٌ حسن فإذا غاب أفضل الإيمان لم يبق من الإيمان إلا القليل ويكاد يتلاشى ويتلاشى، إذا أردتم الإيمان وإذا أردتم الرقي وإذا أردتم الجنة فهيا إلى تحسين أخلاقكم وتحسين الأخلاق أن تكون رحيماً أن تكون حيياً أن تكون رفيقاً أن تكون لطيفاً أن تكون صاحب كلمة طيبة: (الكلمة الطيبة صدقة) أن تكون صاحب رعاية لحقوق الآخرين. أيها الجيران: أيها الساهرون اليوم: إني لأرى وأنا أمشي في أحياء حلب لأرى سهراً حتى الصباح لا أمنعكم من السهر ولكن أمنعكم من أن تكونوا ساهرين مؤذين بحق جيرانكم، يا هؤلاء أنتم الصائمون لكنكم تؤذون، وصيامٌ مع إيذاء لعباد الله ليس لك منه إلا الجوع والعطش، ليس لك منه شيءٌ على الإطلاق فَهِمَ من فهم وأعرض عن الفهم من أعرض، هذه هي حقيقة ديننا، حقيقة ديننا خلق فإن لم تكن على خلق فلا صلة لك بديننا الحنيف لأن رأس ديننا ولأن قائد ديننا قال عنه ربه: ﴿وإنك لعلى خلق عظيم﴾، ﴿ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾. الناس ينفضون من حولنا اليوم لأننا غلاظ ولأننا أفظاظ ولأن الواحد منا لا يفكر بالخلق الحسن على أنه طريق الجنة وعلى أنه أفضل الإيمان وعلى أنه السبب الذي يجعل منا أناساً راقين ومجتمعاً راقياً.

اللهم هيئنا لخلق حسن، هيئنا على مختلف الصعد والمستويات والمجالات والميادين يا رب العالمين، نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 11/9/2009

التعليقات

ابو سيف

تاريخ :2009/09/18

بارك الله فيك وامدك بالصحة والعافيه يادكتور محمود لانك علم من اعلام هذه الامه تحث الناس دائما على الاصلاح وهذا ماتحتاجه مجتمعاتنا الاصلاح بكل مافي الاصلاح من معنى وعلى كافة الصعد جزاك الله عنا كل خير

شاركنا بتعليق