آخر تحديث: الأربعاء 17 أغسطس 2022
عكام


خطبة الجمعة

   
سبل التخلص من سوء الأخلاق

سبل التخلص من سوء الأخلاق

تاريخ الإضافة: 2010/01/08 | عدد المشاهدات: 3615

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

لو أن واحداً منا سأله سائل عن أزمة كبيرة اليوم، أو عن الأزمة الكبرى بالنسبة للمؤمنين اليوم، لعلكم سمعتم من كثيرٍ ممن يتصدون للإصلاح، لعلكم سمعتم الجواب، ونحن مع أولئك الذين أجابوا هذا الجواب الذي سنذكره، الأزمة الكبرى فعلاً كما نردد وكما ترددون، وأعتقد أن جلَّكم سيوافقني على ذلك، الأزمة الكبرى أزمة أخلاق، نحن لا نشكو من قلة تدين ظاهر، فالمساجد تمتلئ والناس يصلون، والناس يصومون والناس يقرؤون القرآن ويتعلمون أحكام التجويد، المعاهد التي تعلم القرآن وفيرة، والمتكلمون والوعاظ أكثر من أن تحصيهم، فالتدين الشَّكلي ما أظن انه ينقصنا، لكن المشكلة والأزمة هي أخلاق، يدخل الناس إلى المسجد من أجل الصلاة، يصلون لكن الصلاة بشكل عام، واعذروني إن قلت هذا، لا تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، صَغُر هذا الفحشاء أم كَبُر، صغر هذا المنكر أم كبر، يدخلون من أجل الصلاة ولكنهم حينما يخرجون وأنت ترى أنهم ينقصهم في خروجهم الأخلاق يتزاحمون، يتسارقون، يتبايعون على باب المسجد، وقِسْ على ذلك أمثلة كثيرة، ترى مدرسة أو كلية تعلِّم الشريعة وترى هؤلاء المدرسين وأولئك يدرِّسون العلوم الشرعية، هذا يدرِّس الفقه، وذاك يدرِّس الأخلاق، وثالث يدرس الأصول، ورابع يدرس الحديث، وخامس يدرس السيرة، لكنك إن نظرت إليهم على شيء من حقيقة ما هم عليه فإنك سترى الأزمة أزمة أخلاق، هذا يحقد على هذا وهذا يبغض هذا وهذا يغتاب هذا، وهذا يحاول جاهداً أن يتخلص من ذاك، وهكذا دواليك، وقس على هذا الكليات الأخرى من باب أولى، وقس على ذلك المدارس الأخرى والكليات الأخرى والوزارات الأخرى إلى غيرها من بُؤَرٍ اجتماعية مختلفة.

علاقة الوالد مع ولده فيها أزمة أخلاق، وعلاقة الجار مع جاره فيها أزمة أخلاق، إذا أردت أن تعنون العلاقات والصِّلات والارتباطات فإنك ستعنونها بسوء الأخلاق يحكمنا، فهلا فكرنا في أن نتخلص من هذا الذي يُسمَّى سوء الأخلاق ؟ ولعلكم تسألوني ما تعريف سوء الأخلاق، ولن نتحدث عن حسن الأخلاق، وقد تحدثنا عن هذا كثيراً، لكنني آثرت أن أتحدث عن سوء الأخلاق وكيف نتخلص منها، سوء الأخلاق ببساطة هو كما قال أسلافنا الأخلاقيون العظماء رضي الله عنهم  هو: بذل القبيح وكفُّ الجميل، أو التحلي بالرذائل والتخلي عن الفضائل. ضع هذا التعريف في ذهنك ثم انظر نفسك وانظر الآخرين من غير أن تتكلم، سترى أننا نبذل القبيح ونكفّ عن الجميل، وأننا بشكل عام إلا من رحم ربي نتحلى بالرذائل ونتخلى عن الفضائل، وإذا أخذت مثالاً وأخذت أنا معك هذا المثال خذ الصدق، الصدق فضيلة والكذب رذيلة، خذ الصدق ثم حاول أن تنظر في الأسواق عندنا وفي صالونات السياسة وفي المديريات وعند السياسيين وعند التجار، وحتى عند الشيوخ، انظر تصرفات هؤلاء وأولئك هل تستطيع في النهاية بعد أن تتفحص وتمحّص، هل تستطيع أن تُعنوِن ما يجري بين هؤلاء وأولئك بعنوان الصدق ؟ أم انك ستضطر آسفاً وحزيناً وباكياً إلى أن تعنون هذا بعنوان الكذب.

هذا الذي تكلمنا يبعث في دواخلنا الألم ويجعلنا نبكي، لكننا لا نريد الاقتصار على البكاء، نريد مجاهدة من أجل أن نتخلص من سوء الأخلاق الذي حلَّ بنا، نريد عملاً، نريد سعياً جاداً من أجل أن نترك ونهجر ونبتعد عن سيئ الأخلاق، أتريدون بعض السبل وبعض العلاج وبعض الأدوات وبعض القواعد وبعض الطرق التي تجعلنا إلى حدٍ ما فيما إذا كنا نصدق في التخلص من سوء الأخلاق ؟ أتريدون أن أحدثكم عن بعض ما يساعدنا على التخلص من سوء الأخلاق ؟ إذاً فاسمعوا:

 الأمر الأول: أن ترسّخ الإيمان بالله عز وجل في داخلك، المؤمن الذي مكث الإيمان في قلبه والذي رسخ الإيمان في قلبه لن يكون صاحب أخلاقٍ سيئة، صدقوني أيها الإخوة فافحصوا إيمانكم ومحِّصوا إيمانكم، لأن الإيمان إذا رسخ وثبت في الداخل فلن يصدر عنه سوء الأخلاق، وإنما الذي سيصدر عن الإيمان الراسخ في القلب الأخلاق الحسنة، ولذلك قال بعضهم: من لم يكن صدره مشكاة للأنوار الإلهية لم يفض على ظاهره جمال الآداب النبوية. فانظر إيمانك بربك وقوِّه تتحسن أخلاقك، لأنك عندما تقوي إيمانك فأنت تريد من هذا الذي آمنت به رباً كبيراً عظيماً أن يحبك، وإذا لم تكن صاحب أخلاقٍ حسنة فلن يحبك لأن الله يحب حسن الأخلاق، لأن الله عز وجل كما قال رسوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أحسن الحسن الخلق الحسن).

الأمر الثاني: المجاهدة والسعي والبذل والدعاء، المجاهدة أن تجاهد نفسك وتحاسبها في كل يوم على ما تصرفت في هذا اليوم، في مساء اليوم، انظر ما صدر منك في هذا اليوم هل صدرت عنك أخلاقٌ حسنة أم صدّرتَ أخلاقاً سيئة ؟ حاسب نفسك وجاهد من أجل ألا تعود إلى ما صدر منك من أخلاقٍ سيئة في اليوم السابق إلى ألا تعود إلى ذلك في اليوم اللاحق: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين﴾، لكننا أمة لا تجاهد، ونحن أمة حوَّلنا هذا الكلمة (الجهاد) إلى القتال فحسب، القتال بعض الجهاد، والجهاد أعمّ من أن نحصره بالقتال: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينَّهم سُبلنا﴾ جاهد نفسك مساءً على ما تصرفته في اليوم كله حتى يكون يومك أفضل من أمسك، وحتى يكون غَدُك أفضل من يومك الراهن، وإذا تساوَى يوماك فأنت مغبون، ادعُ ربك، هل تدعو ربك في دعائك كما ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حسبما روى الإمام مسلم في صحيحه فتقول: (اللهم اهدِني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسن الأخلاق إلا أنت، واصرف عني سيء الأخلاق، لا يصرف عني سيئها إلا أنت) هل تقول هذا في دعائك أو أمثال هذا ؟ أم أنك في غيابٍ عن أن تدعو لحسن الأخلاق لك وللمسلمين ولأولادك. (اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسن الأخلاق إلا أنت، واصرف عني سيء الأخلاق لا يصرف عني سيئها إلا أنت) هكذا كان يدعو النبي صلى الله عليه وآله وسلم. كان النبي إذا نظر في المرآة - وأنت لا شك تنظر في المرآة في كل يومٍ على الأقل مرتين ثلاث مرات ولا حرج - يحمد الله ويشكره ويقول: (اللهم كما حسَّنتَ خلقي فحسِّن خُلُقي) فهل أنت تقول هذا، وهل يسمعك ولدك تقول هذا حتى يقول ولدك ما تقول أم انك في إعراضٍ وغيابٍ عن هذا ؟

الأمر الثالث الذي من خلاله تصل إلى التخلي عن سوء الأخلاق: التفكر في عواقب سوء الأخلاق، فكِّر في العاقبة، فكر في مآلات سوء الأخلاق وأنها مآلات وخيمة وأنها نهايات قبيحة وأنها ستجعلك في نَدَمٍ ما بعده ندم، الله عز وجل قال: ﴿تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين﴾ والمتقون هم من تحلوا بحسن الأخلاق، هم من كانت أخلاقهم حسنة، هم من ابتعدوا عن سوء الأخلاق في مسيرتهم، في سلوكهم، في حياتهم، في كل شؤونهم، النميمة عاقبتها قطيعة، والغيبة عاقبتها عداوة، والظلم عاقبته ظلام في الدنيا والآخرة، والكذب عاقبته مهانة، والعقوق عاقبته إجرامٌ وتلقٍ لمثله في الدنيا قبل الآخرة، فانتبه إلى العواقب، العواقب ليست في صالح ذاك الإنسان السيء الأخلاق على الإطلاق، إذا فكَّرتَ في عواقب سوء الأخلاق فإنك ستنتهي عنها وستترك سوء الأخلاق وتبتعد عن ذلك بعداً كبيراً.

الأمر الرابع: أن تكون كبيراً، اسعَ من أجل أن تكون كبيراً، وأعني بكلمة كبير أن تتغاضى وتتغافل، لطالما رددنا قولة من قال:

ليس الغبي بسيدٍ في قومه             لكن سيد قومه المتغابي

ما أجملك إذ تتغافل وإذ تتغاضى فتقبل عذر من اعتذر حتى ولو كان هذا المعتذر مبطلاً، حتى ولو كان يعتذر بصورته فقط وأنت ترى قلبه لا يعتذر ومقتنع بذلك، لكن عليك أن تقبل منه عذره: (من أتاه أخاه متنصلاً فليقبل منه ذلك محقّاً كان أو مبطلاً، ومن لم يقبل لم يرد عليَّ الحوض) هذا الحديث قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما روى الحاكم وصحَّحه. فإذا ما جاءك إنسانٌ يعتذر إليك، وكان قد أساء إليك فاجتهد أن تتغاضى وأن تتغافل، حتى إذا ما رأيت إنساناً يسيء إليك فتغافل عن ذلك، عَلِّمَ هذا الرجل من خلال سلوك التغاضي والتغافل من أجل أن تتحسَّن أخلاقه، ولا تتبع هؤلاء نفسك وقلبك بل اجعل قلبك معلقاً بربك وبالسمات العظيمة وبالأخلاق الفاضلة.

قرأت أبياتاً للإمام علي رضي الله عنه يقول فيها:

أغمضُ عيني عن أمورٍ كثيرة        وإني على ترك الغموض قديرُ

وما من عماً أغضي ولكن ربما      تعامى وأغضى المرء وهو بصير

نحن نعلم، ولكنا لا نريد أن نعامل الناس بما نعلم، وإنما نريد أن نعامل الناس بما أمر الله عز وجل أن نعاملهم، فاعفُ عنهم واصفح: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾.

وما من عماً أغضي ولكن ربما      تعامى وأغضى المرء وهو بصير

وأسكت عن أشياء لو شئت قلتها            وليس علينا في المقال أميرُ

ما أحد يتسلط علينا من أجل أن نقول أو لا نقول، وليس علينا في المقال أميرُ

أُصبِّر نفسي باجتهادي وطاقتي                وإني بأخلاق الجميع خبير

التغافل والتغاضي سبيلٌ من أجل أن تتخلص من سوء الأخلاق ومن ردَّات الفعل التي تسيء إليك وإلى المجتمع، وأضيف على التغاضي والتغافل: أن تترك الجدال، فالجدال سبيلٌ من أجل أن يكون الإنسان صاحبَ خلُقٍ سيء، إياك والجدال، وهذا نبيك ورسولك يقول كما جاء في سنن أبي داود وصحَّحه: (أنا زعيمٌ ببيتٍ في ربض الجنة) في أجمل مكان في الجنة (لمن ترك المِراء ولو كان محقّاً) فما بالنا إذا نظرنا اليوم إلى قنواتنا الفضائية التي تُعنوَن بعنوان السّياسة والدين، وما بالنا إذا نظرنا إلى سهراتنا وإلى جلساتنا وإلى تجمعاتنا وإلى سياسيينا وإلى شيوخنا وإلى فقهائنا، ما بالنا إذ ننظر إلى هؤلاء كلهم فإن الجدال يقتحمهم جميعاً، وإن الجدال ليشكل العلاقة فيما بينهم، هذا يجادل هذا، حتى سرى الأمر إلى العامة فترى اثنين يعملان وقد تركا عملهما والتفت الواحد منهما إلى الآخر يجادله ويماريه في أمرٍ ليس عندهما علمٌ به، لكن المجادلة استحكمت في كل أفرادنا وبؤرنا وتجمعاتنا في كل تجليات وجودنا، استحكمَ الجدال والجدال، سبيلٌ مباشر وسريع إلى أن يتحلى المجادِل والمجادَل معه بسوء الأخلاق: (أنا زعيمٌ ببيتٍ في رَبَضِ الجنة لمن ترك المراء ولو كان محقّاً).

هيا فلنتخلص من سوء الأخلاق بترسيخ الإيمان، بالتفكر بعواقب سوء الأخلاق، بالمجاهدة والدعاء، بالتغاضي والتغافل، بترك الجدال، جربوا هذا من اليوم وإلى الأسبوع القادم، أعتقد أننا سنصل إلى مرحلة لا بأس بها من تركنا لسوء الأخلاق، وسنترك فعلاً سوء الأخلاق إن لم نتركه كله فسنترك جلّه أو سنترك بعضه، والمهم أننا سنخطو خطوات إيجابية في هذا الميدان.

أسأل الله عز وجل أن يهدينا لحسن الأخلاق وأن يصرف عنا سيء الأخلاق، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 8/1/2010

التعليقات

خليل شاوي

تاريخ :2010/01/12

أيها الألمعي اللامع والعبقري البارع أنت رائد في تحسس الام الامة ورائد في تشخيص مشاكلها ورائد في وصف الدواء والمكون الأساسي لأدويتك التي تقدمها للناس هو الايمان ومحاسبة النفس لتكون النتيجة أخلاق وبناء وحب ووحدة وبهذا يكون النجاح في الدنيا والفلاح في الاخرة والف شكر لنبراس الأخلاق ومشكاة الأدب والذكاء د محمود عكام وحفظكم الله

Ramadan

تاريخ :2010/05/24

jazakha allah kol kher dr akham wa azma allah ajrak

شاركنا بتعليق