آخر تحديث: السبت 04 ديسمبر 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
أساليب الخلاص من الأخلاق الذميمة

أساليب الخلاص من الأخلاق الذميمة

تاريخ الإضافة: 2010/06/18 | عدد المشاهدات: 3445

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

جاءني شاب منذ ثلاثة أيام وقال لي نحن ثلة وجماعة، اجتمعنا - وقد يكون الأمر غريباً - هكذا قال، اجتمعنا تحت راية تحسين الأخلاق، فلقد وجدنا أن الأزمة أزمة أخلاق، ووجدنا ذاك الذي قال:

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت            فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا

اجتمعنا وشكلنا ما يشبه الجمعية لكنها ليست جمعية، تعاهدنا فيما بيننا على أن يحسّن كلٌ منا خلقه في كل ساحات حياته، وتعاهدنا على أن يحاسب كلٌ منا نفسه عند المساء، حتى إذا ما التقينا في الأسبوع مرة أفصح الواحد منا عمَّا كان قد حاسب به نفسه، فهل كان في هذا الأسبوع على مستوى جيد أو لم يكن في هذا الأسبوع بشكل عام على مستوى جيد من حيث الأخلاق وهكذا...

باركت لهذا الشاب هذا العمل الذي قام به مع ثلته، ثم تابع فقال هل من نصيحة تسديها إلينا نحن الذين اجتمعنا على هذا الغرض، قلت له: أولاً أبارك لكم اجتماعكم وفكرتكم وجمعيتكم، وأبارك لكم هذا التوجه، وأتمنى وآمل أن تتشكل في مجتمعنا جمعيات مقاربة على مستوى الأسرة الكبيرة والأسرة الصغيرة، وعلى مستوى المدرسة والجامعة، وعلى مستوى كل بؤرة من بؤر مجتمعنا، أتمنى فعلاً أن تتشكل مثل هذه الجمعيات أو مثل هذه اللقاءات من أجل هذا الموضوع المحدد وهو الخُلُق.

ثانياً: أريدكم أيها الإخوة - هكذا قلت لهذا الشاب ومن معه - أن تضعوا برنامجاً لكم وأجندة، وأن تكون هذه الأجندة مقسمة على قسمين، القسم الأول ما يسميه الصوفية بالتخلية والقسم الثاني ما يسميه أيضاً المتصوفة بالتحلية، أي أريدكم أن تضعوا القسم الأول من البرنامج من أجل أن نتخلى عن الأخلاق الذميمة، أي أن تُركّزوا في الفترة الأولى على التخلي عن الأخلاق الذميمة، ثم في الفترة القادمة عليكم أن تركزوا على التحلي بالأخلاق الحميدة، لأن القضية تحتاج إلى تخلية وإلى تحلية، علينا أن نفرّغ الإناء مما فيه من أمور لا نريدها، ثم بعد ذلك علينا أن نملأه مادة تعجبنا ونفيد منها. فقال لي هذا الشاب ومن معه: هل من كلامٍ آخر ؟

قلت له أنصحكم، وهذا ما كنت قد ذكرته في هذا المقام منذ أكثر من سنة، قلت له أنصحكم باتّباع الأساليب التي تخلصكم من الأخلاق الذميمة، قال لي وبدأ يكتب، ما الوسائل والأمور التي تبعدنا وتجعلنا نتجافى عن الأخلاق الذميمة وتجعلنا نبتعد عنها كما بين المشرقين ؟ قلت له اسمع وسجّل:

أولاً: عليكم أن تجاهدوا أنفسكم مجاهدة كبيرة، أي أن تضعوا في ذهنكم كما يضع الطالب الذي يقدّم امتحاناً في مادة ما، أن تضعوا في ذهنكم هذه القضية كيف يجب أن أتخلص من سوء خلق ألمَّ بي إن في مدرستي أو في بيتي أو في مسجدي أو في شارعي أو في مكتبتي أو في عيادتي أو في متجري أو في منزلي أو في سفري أو في حضري، عليك أن تجعل هذه القضية هاجسك وأن تجاهد نفسك وألا تحتقر من المعروف شيئاً، فلقد قال ربنا عز وجل: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الأمر: (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق) كما جاء في صحيح الإمام مسلم. جاهد على أن تنبذ وتجافي الأخلاق السيئة وأن تتحلى بالأخلاق الحسنة، ضع هذا في برنامج مجاهدتك، أرأيت إلى هذا الذي يجاهد من أجل الرزق، أرأيت إلى هذا الذي يجاهد من أجل الدراسة، أرأيت إلى هذا الذي يجاهد من اجل أن يعود إلى وطنه بعد أن قضى في الغربة وقتاً طويلاً ؟ تعلّم من هؤلاء المجاهدة حتى تنبذ وتترك وتبتعد عن سوء الأخلاق والله سيعينك إذ يرى فيك مجاهدة، سيوفقك من أجل أن تتحقق بهذا الذي تجاهد من أجله: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لَمَع المحسنين﴾ هذا أمرٌ أول.

الأمر الثاني: الدعاء، مع المجاهدة دعاء، وأريد منك وأنت تدعو بعد صلاتك، بالله عليك أخبرني عن مضامين دعائك، الآن، وعند الأذان، وعند الإقامة وبعد الصلاة وفي السحر، هل تدعو من أجل أن تكون أخلاقك حسنة أم أنك في غيابٍ عن هذا الدعاء ؟ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما صحيح الإمام مسلم كان يدعو فيقول: (اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها فإنه لا يصرف سيئها إلا أنت) هل تدعو أنت أيها المصلي أن يُجنِّبك ربك سوء الخلق أم أنك في غيابٍ عن هذا، المجاهدة والدعاء.

ثالثاً: عليكم أن تفكروا في العواقب، من فكّر في عواقب سوء الخلق جهد في أن يجتنبها وأن يجانبها، إذا علمت أن عاقبة النميمة قطيعة على مستوى الدنيا، وإذا علمت أن عاقبة الغيبة فساد، وإذا علمت أن عاقبة الكذب ضياع، وإذا علمت أن عاقبة الغل ألم وتفتت وتشتت، وإذا علمت أن عاقبة الحقد هلاك لهذا المجتمع الذي تعيش فيه، إذا فكرت في العواقب ابتعدت عن الأمور التي توصلك إلى هذه العواقب. حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، هذا على مستوى الدنيا، أما على مستوى الآخرة فعاقبة الخلق السيئ ما جاء على لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في مسند الإمام أحمد: (إن أبغضكم إليّ وأبعدكم مني مجلساً في الآخرة أسوأكم أخلاقاً) أتتصورون عاقبة وخيمة أفظع من هذا الذي سمعتموه من رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم ؟

رابعاً: صاحب الأخيار واهجر الأشرار، وإياك ومصاحبة ذوي الخلق السيئ، من طلب الفضائل لم يُساير إلا أهلها، لا تصاحب أولئك الذين يتحلون بسوء الخلق، ولقد نقلت لكم مرة على هذا المنبر كلمة عن الفضيل بن عياض يقول: "لأن يصحبني فاسق حسن الخلق أحب إلي من أن يصحبني عابد سيء الخلق".

عليك أن تصاحب الأخيار، وعليك أن تترك مصاحبة الأشرار، إياك ومصاحبة من تؤثر مصاحبتهم عليك سلباً في أخلاقك، انظروا أولادكم وبناتكم، انظروا من حولكم من يصاحبون، (مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تشم منه رائحة طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تشم منه رائحة كريهة) كما جاء في البخاري ومسلم عن سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والصاحب ساحب، وقل لي من تصاحب أقل لك من أنت.

خامساً وأخيراً: عليكم أن تلازموا العبادات، لازم صلاة النافلة، صلِّ في اليوم ركعتين نافلة بنية اجتناب سوء الخلق والتحلي بحسن الخلق، صم يوماً في الشهر بنية اجتناب سوء الخلق والتحلي بحسن الخلق، اقرأ صفحةً من القرآن الكريم بهذه النية، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وقراءة القرآن الكريم تحفظك لا سيما إذا كنت تقرؤها بنية محددة، إذا كنت تقرأ وأنت تطلب من ربك عز وجل أن يهديك لأحسن الأخلاق وأن يصرف عنك سيء الأخلاق.

القضية فعلاً أساسية، وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت، وإذا سألتكم الآن سؤالاً واحداً فإني معتقدٌ أن الجواب من قبل الكثيرين سيكون نحن نعيش أزمة أخلاق، فأخلاق أبنائنا بشكلٍ عام سيئة، وأخلاق طلابنا سيئة، وأخلاق معلمينا سيئة، وأخلاق أطبائنا سيئة، وأخلاق محامينا سيئة بشكلٍ عام إلا من رحم الله، ونحن لا نعمم، ومن عمَّم أخطأ، أخلاق جنودنا سيئة، وأخلاق رياضيينا سيئة علماً أن الرياضة كما يُقال تمنح الإنسان أخلاقاً إلا من رحم، أخلاق فنانينا سيئة، أخلاق كل الشرائح والأطياف تكاد تكون واحدة من حيث الحكم عليها بأنها سيئة.

لذلك كما بدأت الحديث أعيده، أتوجه إلى هؤلاء الشباب الذين اجتمعوا من أجل أن يجانبوا وأن يجتنبوا وأن يبتعدوا عن سوء الأخلاق وأن يقتربوا من الأخلاق الحسنة أتوجه إليهم فأبارك لهم عملهم وسعيهم واجتماعهم، وآمل من كل أفراد مجتمعنا أن يقتدوا بهم وأن يسيروا على نفس الدرب وعلى نفس الخطى لأننا بحاجة لأن نُعَنوِن مجتمعنا على أنه مجتمع أخلاقي، لكنه الآن ينقصه هذا العنوان، فأعطوا لمجتمعنا عنواناً صادقاً فيه الصدقية والموضوعية والأمانة والوفاء، أعطوه عنواناً هو مجتمع أخلاق حسنة، وإلا فالتردّي آخذٌ بنا إلى الهاوية، ولا هاوية أكثر سحقاً وبعداً من هاوية سوء الأخلاق، لأنه لا هاوية بعدها ولا انحطاط بعد انحطاط الأخلاق.

فاللهم وفقنا واهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئ الأخلاق لا يصرف سيئها إلا أنت، نعم من يسأل ربنا ونعم النصير إلهنا، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 18/6/2010

التعليقات

mark

تاريخ :2010/06/21

jazk allah kher dr akkam

شاركنا بتعليق