آخر تحديث: الثلاثاء 17 سبتمبر 2019
عكام


أخبار صحـفيـة

   
الانفجار السكاني مشكلة تؤثر على معدلات النمو الاقتصادية/ جريدة الجماهير

الانفجار السكاني مشكلة تؤثر على معدلات النمو الاقتصادية/ جريدة الجماهير

تاريخ الإضافة: 2010/11/03 | عدد المشاهدات: 3248

نشرت جريدة (الجماهير) الصادرة في حلب بتاريخ 3/11/2010 وفي صفحة "ملف الأسبوع" تحقيقاً عن الانفجار السكاني وتأثيره على عملية التنمية ومعدلات النمو الاقتصادية. وعن حكم الشرع في مسألة تنظيم الأسرة سألت الدكتور الشيخ محمود عكام عن قول الشرع في هذه المسألة، فأجاب بما يلي: 

ماذا يقول الشرع في تنظيم الأسرة ؟‏

كلمة تنظيم واسعة الدلالة وهي مرغوبة في كل شيء‏‏ وسط الكثافة السكانية العالية في مجتمعاتنا المتخمة بالولادات الجديدة والتي تعلن في مناسبات كثيرة عدم قدرتها على تأمين المستلزمات الأساسية لحياة أغلب الأسر حيث يزداد مؤشر البطالة والفقر متجهاً نحو الارتفاع المتزايد ماذا يقول الشرع عن تنظيم الأسرة ؟‏ وما هو رأي الإسلام بتحديد النسل وسط اعتقاد قائل بأن الإكثار من الأولاد هو تطبيق لقواعد الدين.‏
 
الجماهير: الدكتور محمود عكام مفتي حلب يوضح لنا مفهوم تحديد النسل وماهيته وحالاته وضروراته موضحاً الرأي الشرعي حول هذه المسألة فيقول إجابة على تساؤلنا حول تنظيم الأسرة:‏
الدكتور عكام: التنظيم يعني جعل الأمر منظماً ووفق أسس، وكلمة تنظيم الأسرة يُراد بها في الغالب ما يتعلق بالذرية قلة أو كثرة، وفي وقت لم يظهر فيه هذا المصطلح إلا منذ فترة قريبة، إلا أن مصطلحات أخرى كانت متداولة كتحديد النسل، ومنع الحمل، ومنع النسل، ولكن المصطلح الجديد يأتي أكثر قبولاً من سواه، والحقيقة أن موضوع الحديث عن الذرية كثرة أو قلة قد اكتسب على مر الزمان رواسب اعتقادية مختلفة ربطها الناس بالدين وعقيدة القضاء والقدر، وعلينا ألا نهمل هذه الرواسب، وإذا كان العرف قد قيد هذا المصطلح بالذرية وما يتعلق بها فقط فيجب أن نصحح هذا العرف ونعيد لهذا المفهوم دلالته الواسعة العميقة التي تلفتنا إلى واجبات اجتماعية بناءة من جهة، وتفيدنا في معالجة تضخم السكان من جهة أخرى، لأن كلمة تنظيم واسعة الدلالة وهي مرغوبة في كل شيء، والكون ذاته قائم على هذا، قال الله تعالى: (إنا كل شيء خلقناه بقدر).‏
وأما كلمة الأسرة فعريضة عميقة، بسلامتها يسلم المجتمع، وهي تضم في الغالب زوجاً وزوجة وأولاداً وأقارب وهؤلاء بمجموعهم يشكلون مجتمعاً صغيراً يعني النواة لمجتمع كبير، وحين نضيف كلمة تنظيم إلى كلمة أسرة فإننا نفهم من الكلمتين معاً أن الكل يعمل على تهيئة الظروف السوية لأسرة ناجحة سعيدة في الدنيا وفالحة في الآخرة، ويظهر ذلك في عدة مجالات منها تنظيم الأسرة فيما يتعلق بالذرية قلة أو كثرة، وتنظيم الأسرة فيما يتعلق بالتمهيد لبنائها تمهيداً سليماً واقتصادياً، وتنظيم الأسرة في تحديد العلاقات بين أفرادها إضافة إلى تنظيمها علمياً وثقافياً واجتماعياً.‏

الاستنباط والاجتهاد‏‏

الجماهير: على ماذا يستند الحكم الشرعي الإسلامي في موضوع تنظيم الأسرة ؟
الدكتور عكام: الحكم الإسلامي ينهض على الاستنباط والاجتهاد إذا لم تكن مشكلة تضخم السكان في لائحة قضايا صدر الإسلام وعهد التشريع، والاجتهاد هنا ينبغي أن يكون مبنياً على جلب المصلحة ودرء المفسدة دون الخروج على أصول الشريعة بناء على القواعد المقررة شرعاً في أن:‏‏ " الضرر يُزال"، و: "لا ضرر ولا ضرار"، و: "المشقة تجلب التيسير"، و: "إنه حيثما كانت مصلحة فثم شرع الله". قال الله تعالى: (ما يريد الله ليجعل عليكم في الدين من حرج)، كما أن الملاحظ في الشريعة الغرّاء أن الأمر يتغير بتغير الظروف والأحوال ولا تنصّ فيه على وضع موحد ونص قاطع بل تكله إلى اجتهاد البصراء‏.

أمر نسبي‏‏

الجماهير: هل يمكن أن يخضع تنظيم الأسرة لقانون ثابت موحد ؟
الدكتور عكام: إن تنظيم الأسرة أمر نسبي ولا يمكن أن يخضع لقانون ثابت موحد ولذلك يرتبط الموضوع ارتباطاً وثيقاً بالمصلحة التي عدّها الفقهاء مصدراً من مصادر الفقه الإسلامي، وربما يكون التنظيم تقليلاً للذرية في بعض الأزمنة كما قد يكون تكثيراً لها وإطلاقها في أزمنة أخرى فهذه المسألة ليست وضعاً ثابتاً جامداً بل يتبدل حسب الظروف والأوضاع ويتغير تبعاً للأحوال.‏

مفهوم خاطئ‏‏

الجماهير: يعد البعض أن تنظيم النسل حرام والإكثار من الأولاد تطبيق لشريعة الدين الإسلامي ما الذي يمكن أن توضحه لنا بهذا الخصوص ؟
الدكتور عكام: نلاحظ في هذا الاتجاه توجهين: الأول نزعة الإسراف عند بعض الناس حين يدعون إلى تنظيم الأسرة، فتراهم يطالبون بفرض الإجهاض والتعقيم، وعلى الطرف الآخر نجد إسرافاً آخر بعدم بحث هذا الموضوع أو الدخول فيه وعدّه كفراً بالله وبعقيدة القضاء والقدر ومنافياً للتوكل على الله، (وكلا طرفي قصد الأمور ذميم) وكل من نوعي الإسراف خطأ والصواب بين الإفراط والتفريط، وعلينا أن نسلم بأن الدعوة إلى تنظيم الأسرة لا يجوز أن تكون دعوة إلى محاربة الزواج أو محاربة الذرية بحد ذاتها وعلينا التسليم أيضاً بأن حب الذرية أمر فطري ووجود الذرية بين البشر أمر لا بد منه، لكن القرآن الكريم يوجهنا إلى الذرية ينبغي لها أن تكون طيبة صالحة نافعة منتفعة.‏‏
نشاطرك الرأي بأن هناك مفهوماً خاطئاً رسخ في أذهان الكثيرين واعتقدوا به وهو ظنهم أن كثرة الذرية وحدها علامة على الرضا الإلهي والخير والبركة وليس على ذلك دليل عقلي أو نقلي لأن الكثرة العددية تقع للصالحين والطالحين وللمؤمنين والكافرين بل إن المؤمنين قلة بالنسبة إلى الكافرين ولذلك فإن الإسلام في موضوع القلة والكثرة يندد بالكثرة الطالحة وينوه بالقلة الصالحة.‏‏

قديم حديث‏‏

الجماهير: موضوع تنظيم النسل قديم حديث حبذا لو نتعرف على رأي الفقهاء ؟
الدكتور عكام: تنظيم الأسرة نُعرّفه على أنه إيجاد فترات متباعدة بين مرات الحمل بطريقة مشروعة غير ضارة لداعٍ يدعو إلى ذلك، وعرفه صدر الإسلام بصورة العزل، وتحدث عنه طائفة من الفقهاء كالغزالي وابن القيم، وذكروا طائفة من الأسباب التي تدفع الناس لممارسته، ومنها: أن يكون هناك مرض من الأمراض المعدية عند الزوجين أو أحدهما، وأن يكون عند المرأة مع ضعفها استعداد قوي ظاهر للحمل عقب انتهائها من آثار حملها السابق، وكذلك الخوف على صحة الزوجة وسلامتها بسبب الحمل المتتابع، والضعف الاقتصادي عند الزوج، وكذلك تكلم الغزالي عن طريقة منع الحمل المعروفة في وقتهم بالعزل وهي منع التقاء المادة التناسلية من الزوج بالمادة التناسلية لزوجته بقذفها خارج الرحم.‏‏ وقد قرر الفقهاء بأن إفساد المادة التناسلية قبل التلقيح لا يكون اعتداء على جنين بحال من الأحوال.‏‏
الجماهير: موضوع تنظيم الأسرة شائك فما هي الملاحظات التي يمكن أن تفيد بها المهتمين بالأمر ؟
الدكتور عكام: هناك طائفة من الملاحظات والأمور التي نرجو أن تكون موضعاً للمناقشة والبحث حتى نبلغ فيها موقفاً سليماً ومنها: ينبغي أن ينهض تنظيم الأسرة على أساس أنه عمل وقائي يسبق الحمل ولا يقضي على الحمل بعد وجوده وبخاصة بعد نفخ الروح فيه، وتجنب موضوع الإجهاض والإسقاط ما أمكن، وتقليل عدد الذرية ليس الطريقة الوحيدة لمعالجة التضخم السكاني فهناك طرق ووسائل أخرى كمضاعفة الإنتاج وتطوير الزراعة والصناعة واستغلال كل ما يمكن استغلاله لإسعاد بني الإنسان، ويجب السعي لمعالجة المصابين والمصابات بالعقم لكي يشعر الناس بالسعادة وبصدق توجهنا في ذلك، فليست الدعوة إلى التقليل وإنما التنظيم هو المبتغى، هذا إضافة إلى أن تنظيم الأسرة إنما يكون باقتناع الفرد وإرادته ولا يكون عن طريق القسر والإكراه، وينبغي التحدث عن تنظيم الأسرة من الناحية الدينية علماء متخصصون بُصَراء بمجتمعهم ولا يترك الحديث لكل من هَبَّ ودبّ، وينبغي أن يكون هناك تنسيق مطرد بين الذين يتحدثون عن تنظيم الأسرة من علماء الدين وبين الذين يتحدثون عن التنظيم من النواحي الأخرى، وأن يتكامل الطرفان في دعوتهما، إضافة إلى دراسة موضوع تنظيم الأسرة في الجامعات والمعاهد على أساس المفهوم الواسع الفسيح الذي تحدثنا عنه ولا بد من بحث الصعوبات التي تعترض فكرة تبادل الهجرات بين أقطار المسلمين بحيث ينتقل الفائض السكاني إلى أماكن أكثر رخاء.‏
وأخيراً: لا يسعني سوى القول إن تنظيم الأسرة ليس محاربةً للزواج ولا محاربة للذرية ولا معارضة للأقدار، لأن الله سبحانه وهب للإنسان عقلاً وانزل عليه تشريعاً وبذلك يسلك السبيل التي توصل إلى السعادة في الدنيا والفلاح في الآخرة، ومن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، واللهم إنا نسألك قدرةً على التنظيم، وقوة على ما دعوتنا إلى تنظيمه، فمنك الجود والعطاء ومنا العمل والولاء.‏

لقراءة النص من المصدر، لطفاً اضغط هنا


 
 

 

التعليقات

شاركنا بتعليق