آخر تحديث: الأحد 18 أغسطس 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
واجباتنا حيال ذكرى الهجرة النبوية

واجباتنا حيال ذكرى الهجرة النبوية

تاريخ الإضافة: 2010/12/03 | عدد المشاهدات: 2662

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:
بعد أيام ستحلُّ ذكرى الهجرة، هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، ونحن إذ نحتفل بهذه الذكرى العظيمة علينا أن نذّكر أنفسنا ونتذكر أن واجبنا حيال الذكريات العظيمة التي تشكل أحداثاً مفصلية، نذكّر أنفسنا بأن واجبنا نحو هذه الذكريات أمران اثنان: الواجب الأول التعرّف على الحدث والاطلاع، والأمر الثاني: التمثل والتعايش.
إن سئلتم عن الهجرة فستقولون بأنها كانت هجرة النبي الذي نتبع، ولئن سئلتم أيضاً هل تعلمون شيئاً عن هذا الحدث العظيم فإن أخشى ما أخشاه أن يكون الواحد منكم حيال هذا السؤال واجماً، إن سئلت أيها المسلم يا من تتبع النبي الكريم وتحبه حدثني عن الهجرة عن هذا الحدث الهام، ربما ستقول: لاأاعرف، أو إن كنت تعرف فستعرف شيئاً قليلاً، وهذا لا ينبغي في حقك.
الواجب الأول حيال ذكرى الهجرة التعرف، لذلك أنصحكم، ولا أريد أن أسرد عليكم الآن قصة الهجرة، لكنني أنصحكم بأن تذهبوا إلى بيوتاتكم وأن تقرؤوا هذا الحدث وهذه القصة قراءة واعية على أولادكم وعلى أنفسكم وعلى من تعولون، وإلا فنحن مقصرون جداً حيال ذكرياتنا العظيمة وحيال الأحداث التي شكلتنا والتي أعطتنا قيمة بعد إذ كنا لا قيمة كبرى لنا، فاقرأ يا أخي هذا الحدث من كتب موثقة من كتب السيرة وذلك واجب عليك، وذلك موقف ينبغي أن تتخذه، وإلا فأنت كما قلت لك مقصرٌ في حق نفسك، هذا هو الأمر الأول.
الأمر الثاني: التمثل والتعايش، ذكرى الهجرة ماذا تعني بالنسبة لنا ؟ كيف يمكننا أن نفيد من الهجرة ؟ الهجرة حركة، الهجرة انتقال، الهجرة سعي، الهجرة عملٌ دؤوب، عليك أن تعيش الهجرة، الرسول صلى الله عليه وسلم عاش الهجرة حقيقة فهاجر من مكة إلى المدينة، أما أنت فكما قال سيدي رسول الله حسبما جاء في صحيح مسلم: (لا هجرة بعد الفتح) فماذا تفعل حتى تكون مهاجراً وحتى تكتب في عداد المهاجرين ؟
1- أقول لك عليك أن تتعايش وعليك أن تتمثل الهجرة، الهجرة انتقال، عليك أن تنتقل من سيء إلى حسن ومن حسنٍ إلى أحسن، انظر سلوكك هل تتحسن في كل يوم تنتقل من سلوك سيء إلى سلوك حسن، هل تهاجر في كل يوم من مكان كنت تسلك فيه سلوكاً إلى مجال تسلك فيه سلوكاً حسناً ؟ حتى ولو كنت تسلك سلوكاً حسناً فيجب عليك أن تهاجر لتنتقل إلى سلوكٍ أحسن، فالتمثل لذكرى الهجرة أن تنتقل من سلوكٍ سيء إلى سلوكٍ حسن ومن سلوكٍ حسن إلى سلوكٍ أحسن، وبئس العبدُ عبدٌ تساوى يوماه، ومن استوى يوماه فهو مغبون، إذا كان أمسك كيومك هذا حتى ولو كان أمسك جيداً فأنت مغبون، وإذا كان أمسك أفضل من يومك فأنت محروم، على يومك أن يكون أفضل من أمسك وعلى غدك أن يكون أفضل من يومك وهكذا في ترقٍ دائم ومستمر وما للترقي انتهاء. أنصحك أن تعيش الهجرة سلوكاً، هيا انتقل من سلوك سيء إلى حسن ومن حسن إلى حسن.
2- عش الهجرة انتقالاً من صورة الإيمان إلى حقيقته، اقرأ كتاب ربك أوليس الله يقول: (يا أيها الذين آمَنوا آمِنوا) ؟ أي انتقل من صورة الإيمان ومن الإيمان التقليدي الذي ورثته عن أبيك وأجدادك إلى الإيمان الحقيقي الذي ينبع من قلبك ووجدانك وعقلك، انتقل من صورة الإيمان إلى حقيقته.
انتقل من المظهر إلى المخبر، من العناية بالمظهر إلى العناية بالمخبر، أوليس الرسول صلى الله عليه وسلم يقول كما يروي الإمام مسلم: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسادكم ولكن ينظر إلى قلوبكم) انتقل من العناية بالمظهر إلى العناية بالمخبر.
3- انتقل من الذنب إلى التوبة، أوَما سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب في اليوم مئة مرة) فهل أنت تتوب في اليوم مئة مرة، تتوب من سلوك حسن إلى أحسن، ومن سلوك سيء إلى سلوك حسن ؟ روى البخاري أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه) أتريد أن تكون مهاجراً وأن يكتب لك أجر الهجرة ؟ إذن هاجر مما نهى الله عنه إلى ما أمر الله به.
4- انتقل من الكذب إلى الصدق، روى الترمذي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك).
5- انتقل من الجهل إلى العلم، مالي أرى أنفسنا ومجتمعنا ومالي أرى طلاب العلم منا، ومالي أرى طلابنا لا ينتقلون من وهدة الجهل إلى ربوة العلم ؟ لماذا لا تتعلم والعلم فريضة عليك سواءٌ أكنت تاجراً أم عاملاً أم موظفاً، العلم فريضة عليك فهل تعلمت في هذا اليوم ما كنت تجهله بالأمس، أم أن جهلك انسحب عليك اليوم كما هو بالأمس وسينسحب عليك في الغد وهكذا إلى ما شاء الله ؟ أوما سمعتم النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما جاء في البيهقي وسواه: (إذا أتى علي يوم لا أزداد فيه علماً يقربني إلى الله فلا بورك لي في شمس ذلك اليوم).
6- فلننتقل من الخيانة إلى الأمانة، ومن التقصير في الأمانة إلى حسن الأمانة، الرسول صلى الله عليه وسلم يقول كما في مسلم: (أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) فهل أنت أيها الموظف تؤدي أمانة وظيفتك ؟ وهل أنت أيها التاجر تؤدي أمانة التجارة ؟ وهل أنت أيها العامل وهل أنت أيها المصلي وهل أنت أيها المزكي وهل أنت أيها المسلم تؤدي الأمانة ؟ (أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) فالأمانة قضية أساسية، فهاجر من الخيانة إلى الأمانة ومن الأمانة الضعيفة إلى الأمانة القوية ومن الأمانة التي فيها تقصير إلى أمانة لا تقصير فيها.
7- هاجر وانتقل من الظلم إلى العدل، هل أنت أبٌ ظالم ؟ هل أنت تقوم بظلم أولادك ؟ هل أنت ولدٌ ظالم تظلم أبويك ؟ هل أنت، هل أنت أيها الإنسان المسلم ؟ إذن توجه من الظلم إلى العدل لأن الله يحب أن يكون الإنسان عادلاً: (إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا) علينا أن نعدل، سأل رجلٌ يسمى واثلة بن الأسقع النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أمن العصبية أن يحب الرجل قومه ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا، ولكن من العصبية أن يعين الرجل قومه على الظلم). إذا أعنت أخاك أو جارك على الظلم فهذه عصبية ظالمة.
فلنتق الله ولنهاجر في كل دقيقة، ومن استوت ساعاته فهو مغبون، على ساعتك التالية أن تكون أفضل من ساعتك الراهنة.
أخيراً: فلنهاجر من الفرقة والتشرذم والتبعثر والتنازع إلى التعاون والاتحاد والاعتصام: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا﴾ نحن نصلي الجمعة، والجمعة من الجماعة، ونصلي الجماعة، والجماعة من الجماعة، والجماعة تعني تعاوناً وتآزراً وتضامناً وتباذلاً، وإلا فلا قيمة لدينٍ يفرّق ولا يجمع، والله قال: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذا كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً﴾ أصبحتم بنعمة الإسلام إخواناً فإن لم تصبحوا بالإسلام إخواناً فالإسلام لم يؤثر بكم ولم تتأثروا به وبالتالي لا قيمة لهذا الذي تدّعون من أنكم مسلمون.
أسأل العلي القدير لكل واحدٍ منا أن يعيش الهجرة في ساعته ودقيقته ويومه، انظر نفسك هل هاجرت من صورة الإيمان إلى حقيقته، من المظهر إلى المخبر، من الكذب إلى الصدق، من الجهل إلى العلم، من الخيانة إلى الأمانة، من الظلم إلى العدل، من الفرقة إلى الاعتصام ؟ هل تسعى وتهاجر مخلصاً لله عز وجل ؟ لأن أساس كل ذلك الإخلاص، فالمخلصون تنجلي عنهم كل فتنة ظلماء، وفقنا يا رب من اجل أن نكون من المهاجرين ننتقل من سلوك سيء إلى حسن ومن حسنٍ إلى أحسن، نعم من يسأل أنت ونعم من يجيب أنت، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت في الجامع الأموي الكبير بحلب بتاريخ 3/12/2010
 

التعليقات

محمد

تاريخ :2010/12/28

السلام علیکم ورحمه الله وبرکاته کل عام وانتم بخیر ادعوا الله لنا ولسائر المسلمین والمسلمات اللهم یا مقلب القلوب ثبت قلوبنا علی دینک و شریعه نبیک برحمتک یا ارحم الراحمین.

شاركنا بتعليق