آخر تحديث: السبت 07 كانون الأول 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
قنوات التواصل مع الله

قنوات التواصل مع الله

تاريخ الإضافة: 2010/12/10 | عدد المشاهدات: 4303

أما بعد، فيا أيها الإخوة المسلمون المؤمنون:

من منا لا يحب التواصل مع الكبار ؟ من منا لا يحب أن تكون له صلة مع عظيم، مع كبير، مع ذي جاه، مع ذي سلطان ؟ كلنا يحب التواصل مع الكبار والعظماء وأصحاب الجاه، لأن هذا التواصل حسب رأي ذاك الإنسان الذي يحب يطمئنك، إذا كنت تتواصل وتتصل ويتصل معك ذو الجاه والكبير والعظيم فإن ذاك يسعدك ويطمئنك ويعطيك شعوراً بالقوة ويعطيك شعوراً بالتمكن.

ويتم التواصل مع الكبار والعظماء عبر الزيارة أو المراسلة أو المكالمة، هذا بلا شك أمرٌ نفسيٌ حاصل، ولا يمكن لأحدٍ أن يُنكره، إذا كان هذا مع الكبير والعظيم ومن فمك أدينك: إذا كنت تحب التواصل وتقوى بهذا التواصل مع العظماء والكبار فمن فمك أدينك، هل ثمة أكبر من الله ؟ هل ثمة أعظم من الله ؟ هل ثمة ذو جاه أوجه من الله عز وجل ؟ لمَ لا تسعَ من أجل أن تتواصل معه ؟ التواصل الذي يطمئنك والذي يسعدك والذي يقويك، أنت تعرف مسؤولاً وتتواصل معه أنت تشعر بالقوة والاستقرار والاطمئنان، فما بالك إذ تتواصل مع ربك ورب الناس جميعاً ورب العظماء ورب الكبار ولا سيما أن ربنا ربنا فتح الباب للتواص، هنا تسعى من أجل أن تضع الوساطات للتواصل لكن ربك فتح باب التواصل معه وقال: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعِ إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون﴾ تواصل مع ربك، أتريد اطمئناناً ؟ أتريد استقراراً ؟ أتريد سعادة ؟ أتريد قوة ؟ إذن تواصل مع ربك من فمك أدينك.

لعل واحداً منا يقول هناك بالنسبة للتواصل مع الناس الكبار يكون التواصل عبر الزيارة والمكالمة والمراسلة، فكيف يكون التواصل مع الله، ما القنوات التي يجب أن أسلكها حتى أتواصل مع الله ؟

قرأت وأحصيت ووصلت إلى ما يلي:

القناة الأولى: ذكر الله عز وجل، قال بلسان الحال: أتريد أن تتواصل معي اذكرني، ﴿فاذكروني أذكركم﴾ والذكر هو التذكر، والتذكر أن يكون الله دائماً على بالك، ألا يغيب عنك ربك: ﴿فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون﴾ سئل سيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في الترمذي: (أي العباد أرفع درجة عند الله عز وجل ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: الذاكرون الله كثيراً والذاكرات) لا نريد ذكراً باللسان ولكن نريد ذكراً بالجَنان واللسان، أن تتذكر ربك إذا ما قمت بعملٍ ما تذكر بأن الله يراك فأحسن عملك. هذا هو الذكر، إذا ما أردتَ لا سمح الله أن تقترب من مُحرَّم فتذكر بأن الله يراك فامتنع عن ذلك وقل: ﴿إني أخاف الله﴾، وقل: ﴿معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي﴾، التذكر هو الذكر فاذكر الله في كل حين في كل آن حتى تكون على صلة وثيقة برب العظماء برب الكبار برب العالمين.

 القناة الثانية: الاستغفار، ﴿فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً. يرسل السماء عليكم مدراراً. ويمددكم بأموالٍ وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً﴾. استغفر الله عز وجل تتواصل مع الله، والاستغفار قسمان: هنالك استغفارٌ قولي تقول أستغفر الله، وهنالك استغفارٌ عملي، الاستغفار القولي أن تقول على سبيل المثال سيد الاستغفار: (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لكي بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت). وأما الاستغفار العملي فكما قال سيدي رسول الله في الحديث الذي يرويه الترمذي: (اتقِ الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلقٍ حسن) الاستغفار العملي أن تتبع الفعل السيء فعلاً حسناً بالفعل، هذا استغفارٌ عملي فعلي، أن تستغفر ربك بتوبة عملية، كنت مسيئاً إذ كنت جاهلاً فاستغفر الله بطلب العلم، كنت مسيئاً إذ كنت تسيء إلى جيرانك فاستسمح منهم واطلب منهم المغفرة، كنت مسيئاً بالعمل في تقصيرك في دراستك فاستغفر الله عز وجل وتدارك التقصير وادرس جيداً وهكذا دواليك، كنت ظالماً إذ تقضي بين الناس فاستغفر الله وتب إليه وأنت تعدل بين الناس، الاستغفار العملي، جاء في سنن أبي داود أن ابن عمر رضي الله عنه قال: (كنا نعد لرسول الله في المجلس الواحد مئة مرة رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم)، كم مرة تقولُ هذا في مجلسك أنت، وشتان بين مجلسك ومجلس سيد الكائنات ؟ كم مرة ؟ (كنا نعد لرسول الله في المجلس الواحد مئة مرة رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الرحيم).

يا أيها المسلمون المؤمنون تريدون التواصل مع الله من أجل قوة وسعادة وسرور واطمئنان واستقرار استغفروا ربكم قولاً وعملاً.

القناة الثالثة: العلم، ﴿يرفع الله آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات طلب العلم يوصلك إلى ربك: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء أين نحن من قيمة العلم من صفة العلم ؟ أين نحن من هذه الفريضة، فريضة العلم ؟ نحن الآن أمة متأخرة متخلفة، لأن الجهل تفشى فينا في أسرنا في أولادنا في تجارنا في كل مجالات حياتنا، بالعلم تتواصل مع الله عز وجل.

القناة الرابعة: عمارة الكون، زراعةً وصناعةً ورعايةً وحفظاً وصيانةً، هذا الكون أمانة في أعناقكم البيئة أمانة في أعناقكم: الآن ﴿هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها طلب منكم أن تعمروها فلمَ تخربونها: ﴿فاستغفروه وتوبوا إليه إن ربي قريبٌ مجيب قريب مجيب من أولئك الذين يعمرون الأرض يعنون بالأرض يصونونها من كل عبث يحمونها من كل سوء، عمارة الأرض وعمارة الكون بالزراعة والصناعة والرعاية والتجارة وكل ذلك وفق شريعة الله التي تأمر بالصدق والأمانة والوفاء.

القناة الخامسة والأخيرة: رعاية الإنسان بالخلق الحسن، أتريد أن تتواصل مع الله ؟ إذن كن ذا خلقٍ حسن مع الناس، انظر قول الله عز وجل: ﴿والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين﴾، ﴿ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌ حميم. وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظٍ عظيمٍ من الله الذي تواصل معه وأحبه.

هيا إلى التواصل مع الله ما دمتم كما قلنا في البداية تريدون وتحبون التواصل مع الكبار، والله ليس كبيراً فحسب، بل هو أكبر، أنت تقول في صلاتك الله أكبر، والله خالق العظماء، وخالقك، هيا فتواصل معه عبر الذكر والاستغفار والعلم وعمارة الكون ورعاية الإنسان، قنواتٌ خمس نريد أن نسلكها لنتواصل مع الله وذلك من أجلنا: (يا عبادي لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه) لمصلحتك أنت، نحن الذين نطلب القوة فالله قوي بذاته لكن نحتاج إلى قوة نحتاج إلى الاطمئنان نحتاج إلى الاستقرار من خلال التواصل مع رب الأرباب مع الله العظيم المتعال من خلال هذه القنوات التي ذكرتها.

اللهم اجعلنا من المتواصلين معك يا رب العالمين، اللهم هيئ من شبابنا شباباً يتواصل معك عبر القنوات التي ذكرنا، اللهم هيئ من بناتنا ونسائنا وكل أفراد مجتمعنا من يتواصل معك يا رب العالمين، نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت في الجامع الأموي الكبير بحلب بتاريخ 10/12/2010

التعليقات

أبوسيف

تاريخ :2011/01/24

بارك الله لنا فيك وجعلك منارة يحتذى بها واطال الله في عمرك

عبسي البو-أريحا

تاريخ :2011/03/02

سيدي الدكتور الفاضل محمود بارك الله فيك وفي ذريتك ورزقنا الله اتباع رسوله وأله وأصحابه وفهم مقاصد خطبتكم وتفعيلها في حياتنا لكم مني سيدي الشكر الجزيل لأفكاركم الرائعة

شاركنا بتعليق