آخر تحديث: الأحد 18 أغسطس 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
في العلم كمال الشرف

في العلم كمال الشرف

تاريخ الإضافة: 2011/03/18 | عدد المشاهدات: 3012

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

لعل الصفة التي تجعلك مُشرَّفاً هي العلم والمعرفة، فبالعلم والمعرفة تشرُف، وما ثمة صفة أرفع من هذه الصفة، لكنك إن علّمت فتحوز كمال الشرف، إذ تتعلم فأنت تشرُف ولكنك إذ تعلِّم فستحوز كمال الشرف، والسبب في ذلك أنك حين تعلّم تتخلق بأخلاق الله عز وجل، أوليس الله قد قال: ﴿وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً﴾ ؟ الله علّم فأنت بالتعليم إذ تعلّم تتخلق بأخلاق الله عز وجل وتتخلق بأخلاق سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وأخلاق الأنبياء والأصفياء والرسل أوليس. الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال كما في صحيح مسلم: (إنما بعثت معلماً) ؟

لكننا أبعدنا هذا التعليم وهذه الحيازة للشرف الكامل عن سلّم طموح أبنائنا، تسأل أنت ولدك وقل له سواءٌ أكان ولدك أو ولد أخيك أو ولد جارك أو ذاك الذي تراه في المدرسة أو في الروضة، سله وقل له: ماذا تحب أن تكون في المستقبل ؟ ستسمع من القليلِ القليل، من النادرِ النادر بأنه يريد أن يكون في المستقبل معلماً، أبعدنا التعليم وأن يكون الإنسان معلماً عن خطّ طموح أولادنا وأطفالنا وشبابنا، ولعل النسبة ضئيلة تلك التي نحوزها ونمتلكها نسبة أولئك الذين يريدون أن يكونوا في مستقبلهم معلمين، حتى أنت لا تريد لولدك أن يكون معلماً، تريد لولدك أن يكون عاملاً في مهنة تحصّل أكبر قدرٍ من المال، حتى أنت أيها الأب أيها المتدين أبعدت عن ولدك في خط طموحه أن يكون معلماً، ولعلك تحتجُّ بما عليه المجتمع وأنا أعلم أن مجتمعنا مخطئٌ في ذلك خطأً كبيراً لأنه يرى المعلم اليوم مُعاقباً مادياً ومعنوياً، سيقول لك ابتداءً: ما الراتب الذي يحصل عليه المعلم ؟ وهل يستطيع المعلم أن يعيش بهذا الراتب الذي يحصل عليه ؟ يرى هؤلاء الأطفال أن المعلمين أصبحوا من حيث المادة في مؤخرة القوم، ومن حيث المعنى لا يُقدّرون وإنما يُستخدمون استخدام الوسائل فهم يُجرُّون إلى مناسبات احتفالية لا أكثر ولا أقل، يُدعَون من أجل أن يُكثّروا العدد، عندما يرى الطفل ذلك وعندما يرى هذا الولد وهذا الشاب ما يجري على المعلم إذاً سيمحو أن يكون معلماً في المستقبل شئنا أم أبينا، لذلك إذا أردنا لشبابنا أن يحوزوا الشرف الكامل في مستقبلهم، وأن يكونوا معلمين فما علينا إلا أن نعيد النظر في علاقاتنا ومواقفنا نحو المعلمين، في مواقفنا المادية وفي مواقفنا المعنوية، وأنا أتحدث عن الدولة والمجتمع والأفراد، أتحدث عن الدولة والحكومة والمجتمع والأفراد. أعيدوا النظر في موقفكم نحو المعلم إن أردتم لهذه الأجيال أن تكون متعلمة ومعلّمة، أن تحوز الشرف وتمامه، أن تحوز الخير وكماله، وإلا فالقضية عندما ينظر الإنسان إلى المستقبل من خلال الواقع المعاش فإن المستقبل لا يبشّر بخير، المستقبل مادي بحت، أقول هذا وقد عشنا يوم أمس عيد المعلم، فيا أيها المعلمون إليكم تهنئتي وإليكم هذه الكلمات التي أقولها على منبر هذا الجامع المقدّس، الجامع الكبير، جامع سيدنا زكريا، وأقول لكم على الرغم من كل المصاعب التي تُعانون منها فإن سفيان ابن عيينة رحمه الله هذا التابعي يقول: أرفع الناس منزلة من كانوا بين الله وبين عباده وهم الرسل والعلماء المعلمون. فأنتم أرفع الناس منزلة حتى لو كنتم تعانون ما تعانون، وأنا أعلم الذي تعانون لأنني واحدٌ منكم ولأنني أعيش الذي تعيشون.

أنتقل لأحدثكم أيها المعلمون عن واجبكم حتى تكونوا معلمين حقيقيين وبجدارة وحتى تكونوا قميئين بحيازة الشَّرف الكامل عليكم أن تقوموا بواجباتكم حتى لا يُحتج عليكم بأنكم مقصرون بواجباتكم حيال من تعلّمون وتجاه المجتمع، فسأذكر عليكم ما يجب عليكم تجاه المجتمع والمعلَّمين والمتعلمين وسأذكر ما يجب على المجتمع والمتعلمين تجاهكم.

أما ما يجب عليكم تجاه المتعلمين والمجتمع هما واجبان ليس إلا:

الواجب الأول الأمانة: الأمانة في النقل، والأمانة في التحضير، والأمانة في الأداء، والأمانة في العطاء، الأمانة أيها المعلمون الأكارم، الأمانة في الوقت. يدخل بعضٌ منكم وهذا من باب النصح لا أكثر ولا أقلّ، يدخل بعض منكم الدرس أو القاعة أو الصف ويريد أن يدرّس الدرس الفلاني من مادةٍ فلانية، من مادة الديانة، أو مادة اللغة، أو مادة العربية، أو مادة الفيزياء، أو الكيمياء... لكنه إذ يدخل ليس في ذهنه شيء عن الدرس، وهذه خيانة، لا يحضِّر، وإذا كان قد حضّر فلسنة واحدة، والسنوات التالية عالة في التحضير على السنة الأولى، ففي السنة الثانية أو الثالثة لن يحضّر، وسيكتفي بما كان قد حضّره إن كان قد حضّر في السنة الأولى: ﴿لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم﴾، الأمانة يا أيها المعلمون في أدائكم، في وقتكم، في نقلكم، في تدريسكم، الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول كما في البيهقي: (إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملاً أن يتقنه) فالإتقان أمانة، والتوقيت الدقيق الصحيح أمانة، والنقل الموثق للمادة العلمية أمانة، فهيا من أجل أن تتصفوا بالأمانة وأنتم تُعلّمون وتدرسون، يقول صلى الله عليه وآله وسلم كما في مسلم: (ما من عبدٍ يسترعيه الله رعية) وأنت راعٍ أيها المعلم في صفك في مدرستك في قاعتك في حصتك (ما من عبدٍ يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة) فعليك أن ترعى بأمانة، أن ترعى الدرس، وأنا إذ أخاطب المعلمين لا أخاطب أولئك الموظفين في مجال التدريس والتعليم فحسب وإنما أخاطب الأب لأن الأب معلم من جانبٍ ما، وأخاطب المدير لأن المدير معلم من جانبٍ ما، وأخاطب الوزير، وأخاطب المسؤول وأخاطب الرئيس وأخاطب الجميع وأخاطب الأم وأخاطب المربي وأخاطب الموجِّه، كلكم من جانب أو من آخر معلمون: (ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه لم يجد رائحة الجنة). الواجب الأول عليك الأمانة.

الواجب الثاني: الرفق وأنت تعلم، انظر سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كيف وصفه ربي وهو المعلم الأول والأعظم من بين الناس: ﴿لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنتم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم﴾ كن حريصاً على طلابك، كن رفيقاً بهم، كن لطيفاً معهم، أيها المعلم أينما كنت، كلٌ منا في مجالٍ ما معلم فعلينا أن نتحلى بالرفق، خاطب سيدي رسول الله السيدة عائشة فقال لها كما في الحديث الصحيح: (يا عائشة عليك بالرفق وإياك والعنف والفحش) وعائشة معلمة رضي الله عنها. إياكَ أيها المعلم أن تكون عنيفاً، أن تكون فاحشاً، أن تكون بذيئاً، أن تلعن، أن تطعن، أن تسبّ، أن تشتم... (ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء) هكذا قال سيدي رسول الله ومن باب أولى المعلم، هذا ما يجب عليك أيها المعلم بكل اختصار، الأمانة والرفق. وقد شرحناهما بما يكفي من أجل أن يكون ذلك منهاجاً ينتصب في خلدك دستوراً تمشي عليه وتنفذه وتطبقه.

أما ما يجب على المتعلم تجاه المعلم وما يجب على المجتمع والحكومة والشعب تجاه المعلم فأمران أيضاً:

الأمر الأول: التقدير والتكريم والتوقير، هل تقدّر معلمك أم أنك تبيع معلمك بكلمة تأنيبية صدرت عنه تجاهك وتتحامل عليه، وتأتي بأبيك وواسطتك التي تتصرف تصرفاً غير قائم على حق ولا على حقيقة ؟ هل أنت ممن يقدّر ويبجل ويجلُّ معلمه ؟ كلنا يشكو، وسلوا المعلمين، يشكون من طلابٍ كثيرين لا يقدرون المعلم، ويشكون من أهالي الطالب الذين لا يُقدِّرون المعلم، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول كما في مسند الإمام أحمد: (ليس من أمتي من لم يرحم صغيرنا ويجلَّ كبيرنا ويعرف لعالمنا حقه) والحق هنا حقان حقٌ مادي وحقٌ معنوي، إذا كنت لا تعرف لمعلمك حقه المادي، فإن لكل شيء حقاً فأعطِ كل ذي حقٍ حقه، أيها المسؤلون عن المعلم أعطوا المعلم حقَّه المادي، أيها المتعلمون أعطوا المعلم حقه المعنوي، أنا أعتقد اليوم أن المعلم بشكل عام لا ينال حقه المادي، وبالتالي لا ينال حقه المعنوي: (ليس من أمتي من لم يرحم صغيرنا ويجلَّ كبيرنا ويعرف لعالمنا حقه) التوقير والتقدير، جاء في الطبراني عن سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (ثلاثة لا يستخفُّ بهم إلا منافق: ذو الشيبة في الإسلام) إياك أن تستخفَّ بذي شيبة ما دام مسلماً، فإن استخفافك هذا يدل على نفاقك، واليوم نرى ذوي شيبات يُستخَفُّ بهم، انظروا في أحيائنا وانظروا مدارسنا وانظروا بيوتاتنا كيف يُستَخفُّ بذوي الشيبة في الإسلام في مجتمعنا هذا: (ثلاثة لا يستخفُّ بهم إلا منافق: ذو الشيبة في الإسلام، وذو العلم، وإمام مُقسِط) الطلاب يستخفون بأساتذتهم بأسلوبٍ أو بآخر، ويمكن أن تسموا مجتمعنا بأنه بالكاد مجتمع منافق إلى حدٍ ما، لأن مدارسنا نرى فيها استخفافات بالمعلم ولأن بيوتاتنا تحوي من يستخف بذي العلم ولأن مساجدنا تحوي كذلك، ولأن دوائرنا تحوي كذلك، فلم يعد هذا الذي يعلّم يأخذ حقه المادي والمعنوي، فبئسما نفعل.

الواجب الثاني علينا تجاه المعلم بعد التوقير والتقدير والتكريم: الدعاء، هل تدعو لمعلمك ؟ كنا نسمع حكماً ونحن صغار: "من علَّمني حرفاً كنت له عبداً"، هل تدعو لمعلميك لأساتذتك في صلواتك ؟ هل تذكرهم باحترام أمام أولادك ؟ هل تقدِّرهم ؟ هل تثني عليهم ؟ هل تسأل الله لهم إن كانوا أحياء أن يمدَّ في عمرهم مع الصحة والعافية وان يجعلهم في مأمن من كل فتنة، وإن كانوا أمواتاً هل تسأل الله أن يرحمهم وأن يلحقهم بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، أم أنك في غيبوبة عن هذا ؟

أريدك أيها الإنسان المتعلم أن تصحو في هذا الميدان، يقول سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما في الترمذي، واسمعوا أيها المتعلمون، واسمع أيها المجتمع بكل شرائحك: (إن الله وملائكته وأهل السموات وأهل الأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلم الناس الخير) ليصلون ليدعون، فهل تدعو لمعلمك ؟

القضية تحتاج إلى إعادة نظر في مناحي حياتنا وها أنذا قد أشرت إلى ناحية من هذه النواحي، أشرت إلى قضية التعليم بمناسبة عيد المعلم، ويمكن أن نشير في الأسبوع القادم إلى قضية الأمومة بمناسبة عيد الأم الذي سيأتي بعد أيام، لأننا نريد أن ننهض بمجتمعنا كله، نريد أن نكون في مجتمعنا حضاريين، نريد أن يكون مجتمعنا صالحاً ونريد من أولئك الذين يُسألون عن مجتمعنا من المسؤولين أن يكونوا صالحين في أنفسهم مصلحين لمجتمعهم، نحن نطلب فيمن يتولى المسؤولية حيث كان من أب في البيت، من معلم أو مدير في المدرسة أو في المسجد، من المدير في مديريته، من الوزير في وزارته، من المسؤول الأعلى في شعبه في دولته، نريد من الجميع أمرين: أن يكونوا صالحين في أنفسهم، وأن يتخذوا منهج الإصلاح بالنسبة لمجتمعهم، وهذا كله يقوم على العلم والتعلم والتعليم، فحضارة من غير علم لا يمكن أن تكون، الحضارة تقوم على ركنين أساسيين: العلم والأخلاق، فبالعلم ترقى الأمم وبالأخلاق تسود، ضعوا هذا في أذهانكم على مختلف مستوياتكم، أيها الناس، أيها الشعب، أيها المسؤلون: بالعلم ترقى الأمم، وبالأخلاق تسود، بالتعاون البناء، بالإصلاح لكل جوانب المجتمع.

أسأل الله عز وجل أن يوفقنا جميعاً في هذا البلد الكريم للتعاون على البر والتقوى، أسأل الله أن يوفقنا من أجل أن نكون متعاونين على ما ينفع البلد وعلى ما ينفع الناس، وأن نكون في سبيل الله عز وجل من أولئك الذين يتعاونون ويتباذلون ويتناصحون، اللهم وفقنا لذلك، نعم من يسأل أنت، ونعم النصير أنت، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 18/3/2011

 

التعليقات

بسام ناشر النعم

تاريخ :2011/03/24

السلام عليكم جزاكم الله خيرا عن العلماء والمعلمين والعلم كنت ولازلت استاذنا الكبير الذي اقول واشهد الله : اني لم اعرف استاذا مثلك عطاءا واخلاصا ورحمة وحكمة زرعت فينا اجمل القيم باجمل والطف الاساليب ولازلت تعطي زادك الله واكبر دليل على ذلك انني عندما كنت اقرا الخطبة اجدك حاضرا امامي في القيم التي ذكرت من خلال المحاضرات والدروس التي اعطيتها جزاكم الله عنا كل خير ونفع بكم وزادكم وحفظكم

شاركنا بتعليق