آخر تحديث: الثلاثاء 10 كانون الأول 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
الوطن قيمة نبيلة عزيزة

الوطن قيمة نبيلة عزيزة

تاريخ الإضافة: 2011/07/15 | عدد المشاهدات: 3098

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون المسلمون المواطنون، يا أيها المعتقدون بالدين العظيم ديناً من عند الله عز وجل:

نذكر كل الشهداء بالرحمة، وندعو الله أن يحفظ أوطاننا من كل مكروه، وأن يجعلنا آمنين في أوطاننا، وأن يصرف عن أوطاننا الشر والسوء والكيد والضر والأشرار والسيئين وأصحاب الضر والمفسدين.

أيها الأحبة:

سألني أيضاً شاب وقال لي: أسمع في هذه الأيام من الخطباء كلاماً عن الوطن، وحديثاً عنه، وسؤالي لك يا فضيلة الشيخ: هل الوطن قضية، أو قيمة عظيمة في ديننا، أم أن الناس يتكلفون في الحديث عنه، يتكلم من أجل أن يقول للآخرين بأن في ديننا أيضاً ما يمكن الحديث عنه فيما يتعلق بالوطن، إذا ما كان الوطن له القيمة والصيانة والحصانة فلماذا لم نسمع الحديث عن الوطن من قبل جلّ الشيوخ في الأيام الماضية ؟

أجبته بكل بساطة: قلت له بالنسبة للشق الثاني من سؤالك: لم نسمع حديثاً عن الوطن وقيمته ورعايته وعن عظمته من الشيوخ، فهذا صحيح، وهذا تقصيرٌ من أولئك الذين لم يتحدثوا في الأيام السالفة، ونحن نعترف لك بأن جلّنا كان مقصراً في هذه القضية، أما الشق الأول: فالإسلام حرَّض التحريض الإيجابي، ودعا وأكد على أتباعه محبة الوطن، ودعا إلى أن يرعى كلٌ منا وطنه كما يرعى بيته، لأن الوطن في النهاية هو بيتك الكبير، لأن الوطن في النهاية هو شارعك، هو بيتك، هو مدرستك، هو جامعك، هو وظيفتك، هو عرضك، هو متجرك، هو عيادتك، هو ثكنتك، هو كل مكان تكون فيه أنت، ولكني لن أستمر في حديثي معك على هذا المنوال بل سآخذ عن سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يجب علينا تجاه أوطاننا، وقد أكون ذكرت هذا في أمكنة شتى لكنني، وهذا الشاب قال لي سأكون من المصلين عندك يوم الجمعة، قلت له سألخص الوجهة الدينية الإسلامية لهذه القضية قضية الوطن، فها أنذا أعرض عليه وعليكم أيها الإخوة هذه القضية بأبعادها الإسلامية، الوطن يا أيها الشباب قيمة نبيلة وغالية وإيجابية ومرعية وهامة وعزيزة وغالية، وللوطن حقوق علينا، وله علينا واجبات، وها أنذا أدعِّم هذه الواجبات من خلال أفعال وأقوال سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولا أريد ان أطيل عليكم.

واجباتنا بكل بساطة: الوفاء، والعطاء، والفداء.

أولاً: الوفاء، ويعني ألا تخون وطنك، أن تكون وفياً لوطنك أن تريد له الخير من قلبك، أن تسعى من أجل أن يكون وطنك ترعاه تحميه تلفُّه بعاطفتك الحانية، وها هو سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لمكة، لوطنه، كما جاء في الترمذي: (والله إنك لأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرجت ما خرجت)، ويروي الطبراني أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سمع رجلاً يذكر مكة وهو في المدينة بعاطفة وحنين، واسم هذا الرجل أصيل، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إيه أصيل - أي تابع - لقد أبكيتني، وإني لمكة لمشتاق) ويقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن وطنه عن مكة كما جاء في الترمذي: (ما أطيبك من بلد  وأحبك إليّ) ولما هاجر رسول الله على المدينة وأصبحت المدينة وطنه وقال عنها شاعرنا:

هي طيبةٌ حوتِ النبي الطيب                  فسَمَت وكانت قبل تسمى يثرب

شرفت به تلك الوهاد مع الربى                 وكذاك من صَحِبَ الأكارم يُكرم

ولما هاجر رسول الله إلى المدينة وأصبحت وطنه أحبّ المدينة وأحب أبناء المدينة وقال: (اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناءَ أبناءِ الأنصار) ووقف أمام جبل في المدينة ليقول: (أحدٌ جبلٌ يحبنا ونحبه)، هل تقف أمام مدينتك، أمام قلعة حلب وتقول: قلعة حلب تحبنا ونحبها، وينبغي أن تقول هذا أمام أولادك لتربي أولادك على محبة بلدك، لقد قصَّرنا في تربيتنا الوطنية، الوفاء.

ثانياً: العطاء، يقول صلى الله عليه وآله وسلم كما في مسلم: (الإيمان بضعٌ وسبعون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان) من شعب الإيمان أن تميط الأذى عن طريق بلدك، عن الطريق الذي تسير فيه، عليك أن تحمي بلدك من الإيذاء المادي والمعنوي، إماطة الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان، واذكروا بقية الشعب فسيكون فيها الصناعة والزراعة والتجارة التي ترضي الله وتنفع الناس، هيا من أجل أن تعطي وطنك حيثما كنت، أنت أيها الطالب واجبٌ إسلامي عليك أن تعطي بلدك الدراسة المتقنة وكم تكلمنا عن هذا، أنت أيها التاجر عليك أن تعطي وطنك تقدماً في مجال التجارة الصادقة النظيفة الشريفة الخالية من الغش والاحتكار والسوء، وأنت أيها الصناعي عليك أن تطوّر صناعة بلدك فهذا واجب ديني وشرعي عليك وإلا فأنت مقصر: (الإيمان بضعٌ وسبعون شعبة، فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان).

ثالثاً: الفداء، إن اعتُدي على وطنك فحيَّهلا من أجل رد هذا الاعتداء، وهذا واجبٌ ديني إسلامي إن كنت مسلماً، واجب الدفاع والفداء للوطن، وها هو سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول كما في الترمذي وصححه: (من قُتل دون أهله فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد، ومن قُتل دون ماله فهو شهيد) فهل الوطن إلا الأهل والمال، فمن قتل دون وطنه والذَّود عنه فهو شهيد، لا أريد أن أفصِّل كثيراً في الشرح وإنما أريد أن أثبت في أذهانكم أنتم أيها الشباب، واجبنا نحو الوطن وفاء وعطاء وفداء. وهذه واجبات دينية وليس واجبات اجتماعية فقط وليست واجبات سياسية وإنما هي واجبات إسلامية شرعية دينية عليك أن تجعلها في خَلَدك كما جعلتَ الصوم والصلاة والزكاة والحج، وكما جعلت سائر الأمور والأحكام الشرعية، فهذه أساسات شرعية لا غنى لنا عنها.

وأما واجبنا نحو المواطن وأريدك أن تجعل هذا في ذهنك أيها الشاب، أيها المواطن، واجبك نحو المواطن الذي بجانبك مَن كان، الواجب عليك نحوه أمران:

الحصانة والإعانة، هذا الذي بجانبك هو في حصانة منك: دمه في حصانة، وعِرضه في حصانة، وكرامته في حصانة، وماله في حصانه، هو في حصانة في كل هذه المكونات بالنسبة لك ما دام مواطناً يعيش على أرضٍ تعيش عليها فهو في حصانة، وعليك أن تكون حصناً له، لدمه وعرضه وماله وكرامته وحريته، وإلا فأنت مقصر في واجب شرعي كبير وأكيد. هل سمعتم حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي يقول فيه كما في مسلم: (ذمة المسلمين واحدة) أي ذمة المواطنين، لأن المادة الثانية لدستور المدينة الذي وضعه رسول الله تقول: (وأن المسلمين مع من معهم أمة واحدة على من عداهم)،  (ذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين).

الواجب الأول عليك نحو المواطن الآخر الحصانة، وهذا المواطن الآخر على أقل تقدير بينك وبينه عقد المواطنة، أنت تحمل نفس الهوية التي يحملها هو، فبينك وبينه عهد، ويقول صلى الله عليه وآله وسلم كما في سنن أبي داود: (ألا من ظلم معاهداً أو انتقصه أو كَلَّفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفسه، فأنا حجيجه يوم القيامة).

أما الواجب الثاني نحو المواطن فالإعانة، وقد تحدثنا منذ شهور، عليك أيها الغني أن تقدّم العون للفقير، وها هو سيدي وسيدك وقائدي وقائدك رسول رب العالمين يقول كما في صحيح الإمام مسلم: (والله في عون العبد ما دام العبد) وفي رواية: (ما كان العبد في عون أخيه). فهل تعين أنت المواطن الآخر عندما يحتاج إلى عونك الذي تمتلكه، أم أنك تغيّب نفسك ؟ عندما تشعر أن الآخر يحتاج إلى ما عندك، أيها الطبيب هل تعين المريض عندما تراه يحتاج إلى طبّك أم تغيب نفسك ؟ عندما ترى العاجز يحتاج إلى قوتك هل تغيب نفسك ؟ عندما ترى الجاهل يحتاج إلى علمك هل تغيب نفسك ؟ (واللهُ في عون العبد ما دام العبد ما كان العبد في عون أخيه). ونحن نعاني من أن الله لم يُعِنَّا، والجواب بَدَهي، والسبب حاضر، لأن الواحد منا ليس في عون أخيه، وحاشا لله أن يكون الواحد منا في عون أخيه وألا يكون الله في عوننا، اليوم الناس كل واحد منا يبحث عن خلاصٍ لمشاكله ولو كانت على حساب إكثار المشاكل عند جاره، الواحد منا يفكر بينه وبين زوجته هل أصرف الليرات السورية بالدولار، هل أشتري ذهباً ؟! هو لا يفكر بجاره الذي لا يلقى طعاماً يسدّ به جوعه، ولا يلقى لباساً يستر به عورته، أصبحنا لا يعيش الواحد منا في عون أخيه، واجبٌ شرعي عليك أنت الذي تنتظر رمضان وأنت الذي تسأل عن نصف شعبان، واجبٌ عليك أن تكون في عون المواطن الآخر، أن تعينه، أن تساعده حتى لو كلفك ذلك أن تعطيه كل شيء من أجل أن تنقذ حياته، الإعانة، ومن جملة الإعانة أن يكون كل واحد منا حيث المسؤولية، أن يكون ناصحاً بصدق وأمانة، لا أن يكون تابعاً لهوى، أنت راعٍ في بيتك، والمعلم راعٍ في صفّه، والحاكم راعٍ في شعبه، والوزير في وزارته، والمدير في إدارته... (ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاشٌ لرعيته إلا حرَّم الله عليه الجنة) كما في البخاري، فليسمع الجميع، أنت راعٍ أينما كنت في وظيفتك، أنت راعٍ في بيتك، أنت راعٍ في كل مكان تشغله، أنت راع، فهل أنت تقوم بالنصح القولي والعملي، ولا يكفي أن تنصح باللسان فقط، وعليك أن تتبع اللسان العمل: (يموت يوم يموت وهو غاشٌ لرعيته إلا حرَّم الله عليه الجنة).

أيها الشاب: واجبك نحو الوطن وفاءٌ وعطاءٌ وفداء. وواجبك نحو المواطن في هذا الوطن الذي تعيش فيه الحصانة والإعانة، دمه في حصانة وعرضه في حصانة وماله في حصانة وكرامته في حصانة وعليك ألا تقف عند حدود الحصانة، بل عليك الإعانة، هي كلمات خمس: وفاء وعطاء وفداء وحصانة وإعانة، تعلموها يا شباب وضعوها في أذهانكم، وما تكلمنا إلا من منطلق شرعي، اعتقدنا في الشريعة الإسلامية صلاحها فانطلقنا منها واعتقدنا في هذا الرجل العظيم محمد صلى الله عليه وآله وسلم أسوة للإنسانية وقدوة لها فانطلقنا من سيرته، من قوله وحركته صلى الله عليه وآله وسلم، فاللهم إنا نسألك أن توفقنا من أجل أن نقوم بواجباتنا نحو الوطن ونحو المواطن على الشكل الذي يرضيك عنا يا رب العالمين، بحق شعبان شهر النبي، وبحق رجب شهر الله، وبحق رمضان شهر الأمة، أسألك يا ربنا أن تجعلنا في أوطاننا آمنين، وأن نقوم بواجباتنا نحو أوطاننا ومواطنينا، أسألك يا ربنا أن ترفع غضبك ومقتك عنا، وألا تجعل فينا شقياً ولا مطروداً ولا محروماً، نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 15/7/2011

 

التعليقات

محمدابوالريم

تاريخ :-1/11/30

كل المحبة لك و كل التقدير فأنا أول ماسمعت الوطن و المواطنة قيمة كبرى و أمانة أكبر كان من على منبر التوحيد قبل أعوام قد تتجاوز العشرين و لكن ما يحز في أن تلك الخطب ليست في متناول اليد بالصوت على الأقل

شاركنا بتعليق