آخر تحديث: الجمعة 16 أغسطس 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
المسؤولية نحو الوطن

المسؤولية نحو الوطن

تاريخ الإضافة: 2011/07/22 | عدد المشاهدات: 2682

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

نسأل الله عز وجل أن يرحم شهداءنا، ونسأله جل وعلا أن يؤمننا في أوطاننا، ونسأله جلَّ وعلا أن يوفقنا من أجل أن نكون مسلمين حقاً ظاهراً وباطناً.

أيها الإخوة، أيها المسلمون، أيها المواطنون:

لا شك بأنكم تسمعون وترون، هذا يقول لكم بأن الفوضى عمّت، وأنتم ترون بأمّ أعينكم التاجر المحتكر، والموظف المقصِّر، والعامل المخالف، وصاحب المصنع المتجاوز، والذي يقوم بما يقوم به لا يأبه بقانون أو شريعة أو نظام، ذو الشكيمة يعتدي، ذو القوة يعتدي، وذو المنصب يقمع، وذاك الذي في منصب عالٍ يستعلي ويستكبر، والمعلم يخون طلابه، والطالب لا يلتفت إلى دراسته، عنوان ما نرى وما نسمع وأنتم الذين تقولون ذلك: "فوضى". وهذا ما جعلني أذكِّر نفسي وإياكم بالعهد والأمانة، بالعهد الذي في رقابنا، في رقابكم، بالأمانة التي على كواهلنا وفي صدورنا، أولستم يا إخوتي من يقرأ قوله تعالى الآية التي كرَّرناها كثيراً: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان﴾، فهل أنت ممن حمل الأمانة ؟ انظر نفسك واسأل نفسك هل أنت ممن حمل الأمانة ؟ أولست تقرأ قوله تعالى: ﴿وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً﴾، وما أظنك يا أخي بغير عهود، أنت بينك وبين نفسك قطعت عهوداً مع الله، مع الإنسان، مع الجماد، مع البلد، فهل أنت ممن يفي بالعهد ؟ أولست تقرأ قوله تعالى: ﴿والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون﴾ ؟ فهل ترعى عهدك وأمانتك، لن أتحدث عن الأمانات المتعددة الكثيرة، لكنني سأتحدث باختصار عن أمانة البلد، أوليس هذا البلد أمانة في عنقك ؟ أولستَ قد قطعت وعقدت عهداً بينك وبين البلد هذا الذي تعيش فيه على أن تحفظه وترعاه، على أن تحميه وتبنيه ؟ أولستَ تستشعر مسؤوليتك عن بلدك الذي أعطاك الكثير، وأطعمك وسقاك وآواك، وها أنت ذا على بقعة من بقاعه تؤدي عبادة وتستظل بظله وتنعم بجلسة هادئة رصينة طيبة ؟ فأين قيامك بأمانة البلد والعهد الذي قطعته بينك وبين ربك وبينك وبين نفسك مع البلد ؟ أين قيامك بهذا الذي تقرأ صباح مساء وتنتظر رمضان المبارك لتقرأ فيه القرآن الذي فيه: ﴿والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون﴾، ﴿إن العهد كان مسؤولاً﴾ أولم تسمع قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في مسلم: (فأعطِ كل ذي حق حقه) ؟ فهل أنت تمتثل أمر النبي فتعطي بلدك حقه ؟ وتعطي مدينتك حقها ؟ هل أنت تمتثل أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في مسلم: (كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته) وأنت راعٍ في بلدك، راعٍ في مدينتك، راعٍ في جامعك، راعٍ في دائرتك، راعٍ في ثكنتك راعٍ في شارعك، وهل تذكر قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما في ابن حبان: (إن الله سائلٌ كل راعٍ عما استرعاه حفظ أم ضيّع) سيكون لك وقفة بين يدي الخالق سيسألك عن أمانة بلدك في عنقك عن عهدك مع بلدك في أن تحميه وتبنيه وتحفظه وترعاه سيسألك هل قمت بالعهد أم كنت مع العهد خائناً أم كنت مع العهد غير مبالٍ أم كنت مع العهد غير هيَّاب أم كنت مع العهد غير آبه ؟ هل كنت مع العهد كذلك ؟ استشعر الأمانة أيها التاجر أيها الموظف من القمة إلى القاعدة، أيها المدير أيها الوزير أيها الإنسان أيها الضابط أيها الطالب أيها المدرس أيتها المرأة أيها الزوج أيها الشيخ ايها الخطيب أيها الإمام... انتبه لهذا العهد، وقد سمعت مني وسمعت من غيري ما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أولئك الذين لا يقومون برعاية الأمانة ونحن نتكلم عن الأمانة المتعلقة ببلدك، ونحن نتكلم عن أولئك الذين لا يرعون الأمانة ولا يقومون بالوفاء بالعهد مع بلدهم، أما سمعت قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندما قال: (ما من عبدٍ يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه إلا لم يُرِح رائحة الجنة) كما في البخاري وأنت استرعاك الله عز وجل على دكّانك، على متجرك، هذه رعية استرعاك الله على طلاب، استرعاك الله على جنود، استرعاك الله على شارع، استرعاك الله على رصيف، استرعاك الله على سيارة، استرعاك الله على منبر، استرعاك الله على محراب، استرعاك الله على كل بقعة من بقاع هذا البلد الذي تعيش فيه وتنعم بخيراته وتأكل من ثرواته، عندما تخون هذا فالله عز وجل كما يقول سيدي رسول الله: (ما من عبدٍ يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه إلا لم يرح رائحة الجنة)، ويقول صلى الله عليه وآله وسلم كما في مسلم: (ما من عبدٍ يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاشٌ لرعيته إلا حرّم الله عليه الجنة)، نحن نغشّ في تجارتنا وبيعنا وشراءنا، ونغش من أمامنا ومن حولنا وما حولنا، كل تصرف يصدر عنك لك عهدٌ معه وهو أمانة عندك، فالأمانة الأمانة، والعهد العهد يا ناس، إنا لنحزن ونكاد نبكي عندما نرى فوضى تعمّ هنا وهناك، عندما نرى استغلالاً، عندما نرى جشعاً، عندما نرى طبيباً يستغلّ مريضه، عندما نرى ضابطاً يقمع جنديّه، عندما نرى مدرساً لا يؤدي واجبه كما يجب نحو طلابه، عندما نرى وزيراً يستعلي ويستكبر، عندما نرى مديراً لا يرعى حرمة الله في وظيفته وإدارته، عندما نرى تاجراً يحتكر على الناس أقواتهم، يحتكر السكر والرز ويذهب بعيداً من أجل منافعه الشخصية الخاصة ويحتكر ما يؤكل وما يلبس، اللهَ الله في بلدكم، اللهَ الله في جيرانكم، اللهَ الله في جامعكم في مدرستكم في ثكنتكم، اللهَ الله يا إخوتي إنكم لمسؤلون، وقد تحدثت منذ أكثر من أربعة أشهر على هذا المنبر عن المسؤولية، وقلت بأنكم ستسألون أمام الله وأمام أنفسكم وأمام الأجيال القادمة: ﴿بل الإنسان على نفسه بصيرة﴾ وستسألون أمام الأجيال القادمة، سيتحدث عنكم من سيأتي وسيذكركم إن خيراً فخير وإن شراً فشر: ﴿ولا يظلم رب أحداً﴾، ﴿وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾.

أيها الإخوة: ما أريده منكم في هذه الخطبة أن نتذكر أمانة البلد في أعناقكم، أمانة هذا البلد باطمئنانه واستقراره بنظامه وهدوئه، بقانونه وازدهاره، أمانة في أعناقكم، كلنا غير راضٍ، ولكن كلنا يسهم في إنتاج هذا الذي نراه، لا نرضى ونفعل ما يخالف رضانا، نرفض ونفعل ما نرفض، أفيجوز هذا ؟

لا يسعني إلا أن أذكر حديثاً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رواه البخاري ومسلم هذا الحديث أرجو أن يجد كلٌ منا مكانه في الأصناف التي ذكرها الحديث الشريف يقول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: (أهل الجنة ثلاثة) فهل تجد مكانك بين هؤلاء اسمع مني (ذو سلطان مقسط موفق) وهذا ينطبق على الموظف بدءاً من رئيس الدولة وانتهاءً بأقل موظف من حيث طبيعة وظيفته ذو سلطان مقسط موفق لفعل العدل وللاستغفار من الظلم إن بدر منه، فهل أنت أيها الموظف على اختلاف وظيفتك وعلى اختلاف مساحة المسؤولية فيها عادل، وهل أنت موفق لتطبيق العدل وللتوبة من الظلم إن صدر منك ؟ إذن أنت من أهل الجنة (ورجلٌ ذو قلب رحيم رقيق بكل ذي قربى ومسلم) وهذا ينطبق على التاجر صغرت تجارته أم كبرت على أولئك الذين يُطلق عليهم أصحاب المهن الحرة، لكنني لا أرى أثراً للرحمة والرفق من أولئك، ربما وجدناها من الصغار، أما من الكبار يكاد الأمر يكون منفياً إلا من رحم الله وهم قلة قليلة جداً لا تكاد تذكر، أين الرحمة يا تجار بذي القربى وللمسلمين كافة ؟ (وذو عيال عفيف متعفف) وهذا الفقير الذي لا يجد عملاً عفيفاً لا يقبل على الحرام، ومتعفف يتكلف ويجاهد نفسه من أجل أن يتعفف، يمسك نفسه عن أن تقع في الحرام، يمسك نفسه حتى لا تقع مما يخالف أوامر ربه، فهل هذا العفيف المتعفف موجود ؟ (أهل الجنة ثلاثة)، أين أنت من هؤلاء ؟ (ذو سلطان مقسط موفق، وذو قلب رحيم رقيق بكل ذي قربى ومسلم وذو عيال عفيف متعفف) أضع هذا الحديث أمام أعينكم والحديث صحيح في البخاري ومسلم، أضع هذا الحديث أمامكم من أجل أن تنظروا أنفسكم وتعايروها ومن أجل أن تروا فيما إذا كنت موظفاً أو كنت تاجراً أو كنت من صغار الكسبة أو كنت ذا ورشة صغيرة أو كنت ذا متجر صغير أو... أو كنت فقيراً تبحث عن عمل، فما أحوجنا بالله عليكم إلى ذي سلطان مقسط موفق، وهذا ينطبق على كل الموظفين، وما أحوجنا إلى تاجر أو صانع أو صاحب ورشة وكلنا معنيون، وهل أنت ذو عيال عفيف ومتعفف، اقرأ هذا الحديث واحفظه وضعه أمام ناظريك وانظر بعدها من أي الأفراد أنت، فهل أنت من أهل الجنة ؟ إن كنت كذلك فأسأل الله لك أن يزيدك وإن لم تكن كذلك فأسأل الله أن يوفقك للتوبة وأن يوفقنا للتوبة من أجل أن نكون في وظائفنا صغرت أم كبرت، من المقسطين الموفقين وفي تجارتنا وبيعنا وشرائنا وعلاقاتنا مع الآخرين من أصحاب القلوب الرحيمة الرقيقة بكل المسلمين، وأن يوفقنا إذا كنا ذوي عيال من أجل أن نكون عفيفين متعففين، ونحن بحاجة إلى عفيف متعفف، نحن بحاجة إلى عفة، نحن بحاجة إلى عدل، نحن بحاجة إلى توفيق في العدل، نحن بحاجة إلى رقة، ولو كان التاجر رقيقاً لرأيت ذا العيال عفيفاً متعففاً، ولو كان ذو السلطان مقسطاً موفقاً لرأيت ذا العيال عفيفاً متعففاً، لذلك يا هؤلاء أنتم دائرة لا يُعرف أولها من منتهاها، يعتمد أحدكم على الآخر فلتكن أنت من يبدأ، فلتكن أنت من كنت، إن كنت تاجراً فلتبدأ وإن كنت ذا عيال فلتبدأ، وإن كنت صاحب سلطان فلتبدأ ولا تنتظر من الآخرين أن يبدأوا فمن بدأ كان مع السابقين، والسابقون السابقون.

اللهم إني أسألك ان تجعلنا من أولئك الذين يوفون بعدهم مع بلدهم ومن الذين يرعون أماناتهم مع بلدهم ومن الذين يقومون بالقسط والعدل والتوفيق إن كانوا أصحاب سلطان ومن الذين يمتلكون القلب الرحيم الرقيق إن كانوا تجاراً ومن الذين يتعففون إن كانوا أصحاب عيال وفقراء لا يجدون عملاً، اللهم وفقنا لذلك واحفظ بلادنا، نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 22/7/2011

التعليقات

ناجرفاجر

تاريخ :-1/11/30

ما.هذا الذي نراه، لا نرضى ونفعل ما يخالف رضانا، نرفض ونفعل ما نرفض، أفيجوز هذا ؟ التاجر المحتكر التاجر المحتكر التاجر المحتكر

شاهد

تاريخ :2011/07/27

شهدنا مع منبركم الرائع حرب العراق فهل نشهد معه أحداث وطننا بكلام مباشر يلامسها بجلد يده ولا يلوِّح لها من بعيد

شاركنا بتعليق