آخر تحديث: الخميس 21 أكتوبر 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
في ذكرى الهجرة: ثناء وأمانة

في ذكرى الهجرة: ثناء وأمانة

تاريخ الإضافة: 2011/11/25 | عدد المشاهدات: 2382

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

رحم الله شهداءنا وحمى أوطاننا من كل مكروه.

أيها الأحبة:

نعيش هذه الأيام ذكرى الهجرة، وأعتقد أن جميعكم أو أن أغلبكم يعرف هذا، فبعد غد ستكون السنة الهجرية الجديدة، لقد هاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من مكة إلى المدينة، هاجر ولم تكن هجرته سياحة، ولم تكن هجرته قضاء عطلة في مكان بعيد عن بلده وإنما كانت هجرته صلى الله عليه وآله وسلم ضمن خط التضحية من أجل رفعة كلمة الله عز وجل، فصلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله يا صاحب الهجرة، يا من هاجرت ويا بويعت قبل الهجرة من أهل بيعة العقبة الأولى والثانية، صلى الله وسلم عليك يا من وقفت على مشارف مكة وقد أخرجك منها قومك فقلت: والله إنك لأحب بلاد الله عندي ولولا أن قومك أخرجوني ما خرجت، صلى الله عليك يا سيدي يا قائدي يا حبيبي يا سندي يوم لوحقت وأنت في غار ثور مع الصديق وقال لك الصديق لو نظر أحدهم إلى أخمص قدمه لرآنا، فالتفتَّ إليه وقلت يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما: ﴿إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله يوم سرت طريقاً شائكة لتصل إلى المدينة إلى مهاجرك إلى المكان الذي كان ينتظرك فيه الأنصار من بايعوك في العقبة الأولى والثانية، صلى الله عليك وأنت تسير وتقطع الفيافي والجبال والسواحل وتدعو ربك عز وجل في أن يرفع كلمة الحق، صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله وأنت على مشارف المدينة وقد خرج محبوك وأنصارك يستقبلونك بالأهازيج ويقولون النشيد الرائع الخالد:

طلع البدر علينا                      من ثنيات الوداع

أيها المبعوث فينا                      جئت بالأمر المطاع

جئت شرفت المدينة                  مرحباً يا خير داع

صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله يوم وصلت المدينة فآخيت بين الأنصار والمهاجرين، تلك الموآخاة التي عزَّ نظيرها في العالم قبلاً وبعداً، صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله يوم أنشأت المسجد النبوي الطاهر على أساسٍ من إخلاص وأمان ومحبة بين المسلمين، صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله يوم وضعت الدستور في المدينة وكان الدستور الأول في عالم الإسلام وكان الأروع، ويا ليت لو أننا استمدينا من هذا الدستور دساتيرنا اليوم ونأمل ممن وكل إليهم أمر صياغة الدستور أن يُعتمد هذا الدستور كمرجع أساسي، ذكرتَ في هذا الدستور يا سيدي يا رسول الله في المادة الأولى قلت: (وأن المسلمين مع مَن معهم من غير المسلمين أمة واحدة على من عداهم)، أصلحت أمر الأمة، بنيت الدولة على العدل والرحمة والرفق، الصلاة والسلام عليك يا سيدي يا رسول الله يوم عدت بعد أن أُخرجت إلى مكة فاتحاً ووقفت لتقول لهؤلاء الذين أخرجوك الكلمة الخالدة الرائعة ملؤها الإنسانية، ملؤها ،الرحمة ملؤها المسامحة، يا أتباع رسول الله أين التسامح وأنتم تقرؤون سيرة هذا النبي الذي تدَّعون بأنكم أتباعه ؟ الصلاة والسلام عليك يا سيدي يوم وقفت وقلت لهؤلاء الذين أخرجوك الكلمة الرائعة الخالدة والتي أسلم على أساسها كثيرون وكثيرون وربما تجاوز الآلاف عدد الذين أسلموا على هذه الكلمة: (ما تظنون أني فاعلٌ بكم ؟) هل تقول هذا أنت يا أخي يا أيها المتبع لرسول الله، هل تقول هذا لأخيك الذي شاحنك وكان الحق عليه ؟ هل تقول هذا لمن يعيش بجانبك ؟ محّص نفسك يا أخي، الصلاة والسلام عليك يا سيدي يوم قلت لهؤلاء: ما تظنون أني فاعلٌ بكم، وقد أخرجوك وهجروك وضربوك وحاولوا قتلك واجتمعوا على ذلك، قالوا أخٌ كريم وابن أخ كريم، فقلت كلمة هل تستطيعون قولها يا أيها المسلمون، يا أيها الشعب، يا أيها الحكام، يا أيها الناس، هل تستطيعون أن تقولوا لمن أخرجكم وعذبكم واضطهدكم من إخوانكم، من جماعتكم، من قومكم: (اذهبوا فأنتم الطلقاء، لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم)، الصلاة والسلام عليك يا سيدي يا رسول الله يوم عُدتَ ووقفت أمام الأصنام تزيح الواحد بعد الآخر بعودٍ بسيط في يدك وتردد قوله تعالى: ﴿وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً﴾، صلى الله عليك وسلم يا سيدي يوم وقفت في حجة الوداع فناديت بالأمة وقلت: (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض)، وقلت لهؤلاء الذين اجتمعوا معك في حجة الوداع: (ألا هل بلغت فقال الجميع بصوت واحد: بلى، فقلت اللهم فاشهد).

يا إخوتي، هذا ثناء على المهاجر الأعظم، عليه الصلاة والسلام، وها أنذا أطلب منكم وبأمانة ولا أريد أن أسرد عليكم تفاصيل الهجرة بل أطلب ذلك منكم من أجل أن تقرؤوا سيرة الهجرة من كتب موثوقة فذلك واجب عليكم لأن التعرف على النبي الذي تتبعونه واجبٌ عليكم تجاهه، والهجرة بعضٌ عظيمٌ من سيرته، وكل سيرته عظيمة فاقرؤوها وهذه أمانة أضعها في أعناقكم لأنكم تقولون إن سئلتم عن قدوتكم تقولون قدوتنا رسول الله، وإن سئلتم عن أسوتكم تقولون أسوتنا رسول الله، فاقرؤوا سيرة الهجرة على الأقل في هذه الأيام هذه أمانة أضعها في أعناقكم من أجل أن تتأكدوا من اتباعكم من النهج الذي خطَّه النبي العظيم محمد صلى الله عليه وآله وسلم فهل أنتم فاعلون ؟ وقد قلت لكم مرات ومرات ما أكثر ما تضيعون من الوقت على التلفاز أو في حديث لا ينفع بل يضر لم لا تجعل هذا الوقت بما ينفعك في قراءة سيرة هذا النبي الذي تحب ومن فمك أدينك، أنت تقول بأنك تحب هذا النبي وتتبع هذا النبي أين حصة التعرف على النبي في وقتك يا هذا ؟ هل اقتطعت وقتاً من هذا الذي يُهدر أمام التلفاز أو أمام الطعام أو أمام التفكير في وليمة تريد دعوة قريب إليها رياءً ومفاخرة لا أكثر ولا أقل ؟ هذه أمانة. ثناءٌ وأمانة أضعها في أعناقكم.

ثالثاً: ربما يسألني بعضكم وماذا عنا وكيف نستطيع أن نهاجر ؟ أقول لقد قال سيدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكل وضوح في الحديث الصحيح الذي يرويه مسلم: (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية). الهجرة الحركية من مكان إلى مكان لم تعد فرضاً ولكن ثمة جهاد ونية، فهيا أيها الأخ المسلم إلى تطبيق الهجرة على حياتك وأريد أن أنصحك وأنصح نفسي بأربع هجرات تقوم بها أنت وتستطيع أن تقوم بها.

الهجرة الأولى: هيا فهاجر من الرياء إلى الإخلاص، لأن: (الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) كما جاء في صحيح مسلم، ﴿إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً﴾ هاجر ومحّص وانظر قلبك فهل أنت تعبد الله مخلصاً هل تقوم بخدمة بلدك إخلاصاً لله وابتغاء مرضاة الله أم أنك في غيابٍ عن هذا، هاجر من الرياء إلى الإخلاص في أعمالك لأن: (الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وابتغي به وجهه) كما جاء في الحديث الذي يرويه الترمذي، هاجر من الرياء إلى الإخلاص.

الهجرة الثانية: هاجر من الجهل إلى العلم: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ أنتم تقولون بأنكم أمة اقرأ فهل تقرؤون هل تتعلمون ؟ وقد قلت لكم حديثاً كررته أكثر من مرات، يروي الطبراني أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إذا أتى عليَّ يوم لا أزداد فيه علماً يقربني إلى الله فلا بورك لي في شمس ذلك اليوم) هل تعلمت اليوم ما لم تتعلمه بالأمس وهل تنوي أن تتعلم في الغد ما لم تتعلمه اليوم وهكذا دواليك، يا ناس نحن اليوم لا أقول في أمية لأن كلمة أمية توحي بدلالة نظيفة ولكن أقول نحن في جاهلية وليس في جهل، والجاهلية جهل مركب، لا نعرف ولا نعلم ونجهل أننا نجهل، وندَّعي من جهلنا أننا على علم، ونكابر في جهلنا وكلنا لم يراعي الهجرة من الجهل إلى العلم، هذه هجرة فهاجر.

الهجرة الثالثة: هاجروا يا أيها المسلمون من الفرقة إلى الوحدة، من التشرذم إلى التجمع، من التناحر والتباغض إلى التوادد والتعاطف والتعاون، الوحدة فريضة يا ناس، أوليس الله قد قال وأنتم تقرؤون القرآن: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً﴾ هل أنتم أصبحتم اليوم إخواناً ؟ إني لأنظر إلى ذلك فلا أرى أنكم إخوان، فلا أرى أنكم تتعاونون وتتناصحون بل تتناحرون والعداوة بينكم مستحكمة، هيا فهاجروا من الفرقة إلى الوحدة والتعاون، نبينا المهاجر العظم يقول في حجة الوداع كما جاء في صحيح مسلم يناديكم أنتم (لا تحاسدوا) وأنتم تتحاسدون وتخالفون وصية النبي (ولا تدابروا) وأنتم تتدابرون (ولا تباغضوا) وأنتم تتباغضون (ولا تناجشوا، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه) وإن أرخص الأمور أصبح الدم فيما بيننا، أرخصنا دماء بعضنا، أرخصنا أعراض بعضنا: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)، يا ناس: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) هكذا يوصيكم النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في البخاري ومسلم، ونحن الآن يضرب بعضنا رقاب بعض إن ضرباً مادياً أو ضرباً معنوياً، هل يبحث الغني عن الفقير ليسعفه ؟ هل يبحث القوي عن الضعيف ليعينه ؟ هل يبحث الصحيح عن المريض ليسعى في شفائه: (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) قُتل الكثير هنا وهناك، في كل بلد عربي يَقتلُ أبناءُ البلد أبناءَ البلد فهل هذا إسلام ؟ وهل هذا اتباع لهذا النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم ؟

الهجرة الرابعة: هجرة من الظلم إلى العدل: ﴿قل أمر ربي بالقسط﴾، ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا﴾ ما لي أراكم تتكلمون عمَّن لا يكون معكم في فكركم كلاماً من غير تمحيص، وهذا ظلم، تتكلم عن الذي يخالفك في دينك وكأن عرضه مباح، تتكلم عمن يخالفك في مذهبك وكأن عرضه مباح، لا يا أخي، هذا ظلم، الكلمة التي تخرج منك يجب أن تكون عادلة، الحركة التي تصدر عنك ينبغي أن تكون عادلة، هيا فهاجر من الظلم إلى العدل يقول سيدي ومولاي محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما يروي الحاكم في مستدركه: (ما من أحد) كلنا معني وليس ثمة من مستثنى (ما من أحد يكون على شيء من أمور المسلمين فلا يعدل فيهم إلا كبَّه الله عز وجل في النار) وكل منا على شيء من أمور المسلمين وليس ثمة مستثنى إن كنتَ أستاذاً أو مديراً أو طالباً أو صانعاً أو عاملاً أو شيخاً أو حاكماً أو رئيساً أو وزيراً أو ضابطاً أو جندياً... فأنت على شيء من أمور المسلمين، فهل أنت عادل في كلامك وتصرفاتك ونظراتك وعباراتك وحكمك: ﴿قل أمر ربي بالقسط﴾ وأنتم تأمرون بالظلم، وتريدون أن تطبقوا أمركم دون أمر الله عز وجل.

ثناءٌ - وأنَّى لنا أن نعطي النبي بعض حقه - وأمانة، ودعوة للجميع لممارسة الهجرة من الرياء إلى الإخلاص، من الجهل إلى العلم، من الفرقة إلى الوحدة، من الظلم إلى العدل، إن فعلنا ذلك كتب الله لأغلبن أنا ورسلي، إن فعلنا ذلك ليأتينَّ الفتح المبين: ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً. ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً. وينصرك الله نصراً عزيزاً﴾ إن فعلنا ذلك فقد جاء الفتح ومن غير ذلك لن يأتي الفتح، تلك سنة الله في خلقه، هكذا قال الله لنا وهكذا صدَّقنا حسب الظاهر وأنا أخاطب من صدَّق ولا أخاطب أولئك الذين لا يعترفون بالإسلام وإنما أخاطبكم انتم وأخاطب كل من يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، فإن كنتم تريدون إعطاء هذه الكلمة العظيمة حقَّها فهيا إلى الثناء والتعرف على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإلى ممارسة الهجرة.

اللهم إني أسألك أن توفقنا لهجرة ترضيك عنا في حياتنا كلها، نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 25/11/2011

 

التعليقات

hossien

تاريخ :2011/12/05

كلامك جيد ونحن بحاجة لمن يتكلم هذا الكلام بدون اي قيود تحية لك يا دكتور محمود يا ابن حلب وكلنا نفتخر بك ونحترمك

شاركنا بتعليق