آخر تحديث: الخميس 22 أغسطس 2019
عكام


أخبار صحـفيـة

   
من نحن: علماء الدين ؟ فإما وإما

من نحن: علماء الدين ؟ فإما وإما

تاريخ الإضافة: 2012/03/15 | عدد المشاهدات: 1736

نشرت جريدة "بلدنا" الصادرة في دمشق بتاريخ الخميس 15 آذار 2012 وضمن صفحة (رأي) مقالاً للدكتور الشيخ محمود عكام بعنوان: "مَنْ نحن (علماء الدين) ؟ فإما وإما"، وفيما يلي نص المقال:

مَنْ نحن (علماء الدين)

أولاً: مَنْ نحن (علماء الدين) ؟

مَنْ نحن ؟ نحن تلك الأمة التي أفرزها المجتمع وأنشأها بأمر من الله تعالى يوم قال: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون).

ويُشترط في أفراد هذه الأمة المحددة ما يلي:

العلم، والإخلاص، والرفق، والعمل بما يقولون، فلا دعوة إلى خيرٍ، ولا أمرَ بالمعروف ولا نهيَ عن منكر إلا باستكمال هذه الشروط، وأيّ إخلال بها كلها أو بعضها ينتج استبعاداً وإقصاءً.

هذه الأمة تقف بين الدولة (الحكومة) والناس، يُذكّرون هؤلاء بواجباتهم، ويذكّرون أولئك بواجباتهم أيضاً، ولكنهم إذ يذكّرون لا يُطالَبون من هذه الجهة أو تلك أن يبدؤوا مِن هنا أو من هناك، فهم الذين يقدّرون ووفق الحكمة يتصرفون، غير أنهم في تذكيرهم لا يُجاملون ولا يُراؤون، بل بالمعروف الذي تبيّن لهم يأمرون، وعن المنكر الذي تأكَّدت مُنكريته ينهون، والمهم في النهاية أن لا يُحسَبوا على هذه الجهة أو تلك، وأن لا يخشوا في الله لومة لائم وهم يذكّرون.

ولعلَّ المعروف الأعظم الذي به الدولة يأمرون هو "العدل"، والمنكر الأفظع الذي عنه الدولة ينهون هو "الظلم"، وأما الناس فالمعروف الأكبر الذي به يُؤمرون هو "الأمانة"، والمنكر الأشنع الذي عنه يُنهون هو "الخيانة".

وهكذا فإن المجتمع الإسلامي ثلاث فئات:

حاكمون، ومحكومون، ومحتسِبون، وهم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر.

ونأمل أن لا يَفهم فاهمٌ أن المحتسبين لا يُراجَعون، بل إنهم يُناقَشون ويحاوَرون ويُنقَدون، بيْدَ أنهم لا يُجابَهون ولا يُحارَبون، ولا يُعزَلون ما داموا بصفاتهم وسِمَاتهم متمتعين.

وفي النهاية: لا خير في الأمة والشعب والمجتمع والدولة إذا لم يسمعوا كلمة الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا خير فيمن اقتدر على قول دعوة الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلم يفعل. (وما مِن قومٍ يُعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيّروا ثم لا يغيّروا إلا أوشك أن يعمّهم الله تعالى بعقاب) البخاري ومسلم. والحمد لله رب العالمين.

ثانياً: إمــا و إمــا:

يا شباب: ثمة فرق بين العمل الإسلامي الدَّعوي العلمي وبين العمل السياسي (الإسلامي) وأعتقد أننا إذ نفرق بين هذا وذاك نجد أنفسنا في العمل الدعوي العلمي فلماذا تلحون علينا الانزياح إلى العمل الآخر وهو ما جانبناه من قبل، ولو أننا كنا نقاربه لعملنا - منذ زمن - على تأسيس حزب أو إنشاء منظمة كذاك الذي قام به الإخوان المسلمون والنهضة والعدالة والقاعدة وسواهم، وهذا التأسيس وذاك الإنشاء يشكّل أولى أبجديات العمل السياسي الإسلامي، ثم إننا إن سعينا الآن للعمل السياسي فمن الذي سيتولى الأمر الدعوي ويرعاه، وما الذي سنفعله بالخبرة التي كوّناها وحصّلناها لهذا العمل ؟!

وهذه الخبرة - أعني خبرة العمل الدعوي - لا تنفع كثيراً في العمل السياسي، ولئن سألتموني عن معالم تلك الخبرة لقلت: إنها المعرفة الشرعية والتدريس والخطابة والتوجيه، وقد أنجزنا في هذا الميدان الكثير والوفير.

يا شباب: لقد أعلنت قبلاً وها أنذا أعلن الآن: إنني رجل دعوة إلى إسلامٍ يُسعد ويسر في الدارين، ووسيلتي هي: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسب الاصطلاح الشرعي الوارد في كتاب ربنا )وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ( آل عمران 104، ولعلّي بينّت مفّصلاً هذا التوجه في مقال منشور على المواقع بعنوان "مَنْ نحن؟" فليَرجع إليه.

وأعود الآن إلى أرباب العمل السياسي الإسلامي ناصحاً وقائلاً: الإسلام لا يمنعكم من ممارسة السياسة ولكنه يُلزمكم باستشارة أهل العلم والذكر عن كل ما تريدون نسبته إلى الإسلام من أقوال وأفعال، ومما يجب قوله أيضاً هنا: أن لا تخلطوا بين مصطلحاتكم المولّدة وبين مصطلحات الإسلام الأصيلة الثابتة، فالاهتمام بأمر المسلمين – على سبيل المثال – ليس هو عين السياسة أو ذاتها، والتظاهر – مهما كان نوعه – ليس  هو كل الحسبة، أو التجلي الأهم لها وهكذا. وعلى كلّ فنحن لا ننهاكم عن أصل العمل بل ندعوكم إليه لتمارسوه بأناقة وعفة وحكمة وعدل وأمان، كما أننا نطلب منكم أن لا تدّعوا بأنكم تمثّلون الإسلام كله وأنكم بديل مشروع عنا وعن سوانا، بل أنتم للعمل السياسي فحسب، وهناك مَنْ هو للعمل الاقتصادي، وهكذا...

وكل هؤلاء وأولئك والذين يعملون في ميادين الحياة المختلفة يجب أن يمروا من قناتنا وعبر جسورنا نحن أرباب العمل الدعوي العلمي الشرعي ليأخذوا ليحصلوا على شرعية النسبة للدين الحنيف فيما يتعلق بمختلف مفردات مسيرتهم.

وفي النهاية: فنحن نأمل ممن يعمل في ميدان العمل السياسي أن يجرد عنوان حزبه من كلمة "الإسلام" حرصاً على تثبيت ثوابت الدين في أذهان المسلمين، لأن مفردات العمل السياسي متغيرة ومتقلبة وأن ما كان يصلح منها في الماضي قد لا يصلح في الحاضر.

يا شباب: طبنا جميعاً ونحن نتعاون على البر والتقوى، كلّ في ميدانه ومجاله فالجسد الواحد تكوّنه أعضاء متعددة متنوعة فهلا كنا كذلك بعض منا اليد وآخر الرأس وثالث الجذع ورابع القلب وجميعهم في مسار الخير العميم المستمد من خالق الكون و مدّبره )فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ( الذاريات 50، ولقد روى الحافظ ابن عبد البر في التمهيد: أن عبد الله العُمَري العابد كتب إلى مالك ابن أنس يحضه على الانفراد والعمل فكتب إليه مالك: إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فربَّ رجل فُتح له في الصلاة، ولم يفتح له في الصوم، وآخر فُتح له في الصدقة ولم يُفتح له في الصوم وآخر فُتح له في الجهاد، فنشر العلم من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فتح لي فيه، وما أظن ما أنا فيه، بدون ما أنت فيه وأرجو أن يكون كلانا على خير وبرّ.. إعلام النبلاء 15/ 114        

فاللهم وفقنا لإتقان أعمال مشروعة وكلت إلينا، وخذ بأيدينا إلى ما يرضيك عنا جميعاً. والحمد لله رب العالمين.

بقلم

الدكتور محمود عكام

مفتي حلب- مفكر إسلامي

التعليقات

شاركنا بتعليق