يحكى أن: أباً قال مرةً لأولاده: مَن منكم يأتيني بما لم يأتِ به ولدٌ أباه من قبل، يعني مفاجأة سارَّة تُعبِّر عن برِّ الولد. فسكت الجميع إلا الأصغر قائلاً: أنا يا أبتاه وأعطني فرصة من زمنٍ تعدلُ أسبوعاً. فهزَّ الرجل رأسه معلناً الموافقة. وانطلق الولد، وما هو إلا أسبوع حتى عاد ليطلب بكل قوة لقاء والده على انفراد، فقال الوالد: خبِّرني يا بني. ومدَّ الولد يده إلى جيبه فأخرج صورةً لوالده عمرها أربعون سنة، أي عمر مَن كان في الصورة حوالي عشرين سنة. ولم تنتهِ أوصاف هذه الصورة فقد كان المكان شارعاً قديماً في حيٍّ قديم من أحياء المدينة القديمة التي كانت مدينة الوالد وأولاده ومسقط رؤوسهم قبل أن يصلوا ويرحلوا وينزحوا إلى "بون الألمانية" حيث هم الآن يعيشون بأجسادهم فقط دون الأرواح التي تبعثرت كما تبعثرت الأشلاء الطاهرة لأطفال المدرسة الفلانية جراء قذيفة حقد حطَّت على رؤوسهم. وهنا صاح الأب: وكيف عرفت أن ذلك يشكِّل مفاجأة سارة جداً لي ؟! فأجاب الولد على الفور: إنها الذكرى يا أبتاه، نعم الذكرى، فنحن أحوج ما نكون هنا إلى ما يُحرِّض الذاكرة لتستعيد عبر الخيال والتخيُّل ماضياً جميلاً وزمناً كان يُدعى زمن الرِّضى والبركة، ولولا الذكرى – يا إخوتي – لمتنا أسىً وحسرة.
وأخيراً لعلك يا والدي وأنت تنظر هذه الصورة وتتأمل فيها ترى من خلالها مستقبلاً فيكون ولدك الذي هو " أنا " مكانك أنت في نفس المكان وذات الحي، فقد بقي لأصل إلى العشرين أقل من خمسة أعوام، أليس القادم الأحلى بقريب ؟!!
حلب
16/3/2017
محمود عكام
التعليقات