آخر تحديث: الأربعاء 18 سبتمبر 2019
عكام


كلمة الشـــهر

   
انتبهوا أيها الفقهاء للدّلالات

انتبهوا أيها الفقهاء للدّلالات

تاريخ الإضافة: 2019/05/12 | عدد المشاهدات: 151

آمل أن ينتبه الباحثون الفقهاء إذ يرجعون إلى بعض المصادر السَّالفة فيقعون على مصطلحات ويحسبونها من حيث الدلالة نفسها اليوم إذ تُستَخدم وتُستَعمل وبذلك تقع المفارقة في الحكم والفتوى من حيث لا يشعرون، وإليكم بعض الأمثلة:

فالرهن والمرهون والانتفاع بالمرهون سالفاً تختلف دلالته عن الرهن والمرهون والانتفاع بالمرهون ودلالته اليوم، إذ الرهن سابقاً: للاستيثاق المحض، وهو ما يعادل التوثيق الكتابي، فإنسان له على آخر مبلغ معين نتيجة قرض أو بيع (بالدين) (لأجل) ويريد أن يوثق حقه بحصوله على شيء ذي قيمة تعادل الدين ويضع هذا الشيء لديه (أمانة) محفوظة مصونة، ليطمئن قلبه. وبناء على ذلك: لا ينتفع بالمرهون بل لا يحق له ذلك فهو للاستيثاق فقط. أما اليوم فالرهن المتداول ليس هو الرهن السابق القديم وإنما هو من حيث التوصيف "مبادلة منفعة بمنفعة" فأنا أعطيك مبلغاً تنتفع به من حيث تثميره وتشغيله وتعطيني مقابل ذلك بيتاً أو محلاً أنتفع بسكناه أو بإشغاله، وعليكم يا فقهاء تكييف هذا، نقوم به ونسميه رهناً، بَيْدَ أنه لا حق لكم ألبتَّة في قياسه على الرهن السالف وإعطائه الحكم نفسه الذي تعطونه الرهن القديم... وقد قام عدد من العلماء الفقهاء المعاصرين بتكييفه وفق صور ومسائل مشروعة تحت قاعدة: "العبرة في العقود للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني"، ولم تنته المشكلة لأن الفريق الأول (الجامدين على الدلالة السابقة والجاعلين منها دلالة مستقرة ثابتة لا تتغير) مُصِرٌّ على تحريم الانتفاع بالمرهون معتبراً الرهن والمرهون والانتفاع بالمرهون هِيَ هي قديماً وحديثاً، سابقاً ولاحقاً، فما دام قد قال صاحب الكتاب الفلاني المؤلَّف منذ ألف عام: "لا يجوز الانتفاع بالمرهون"، فها نحن أولاء نقول ونردد العبارة نفسها غير عابئين بالتغييرات التي طرأت على الدلالات وهي الأولى بالاعتبار، لأن المعاني هي الحاكمة في المعاملات...

وقد أصدرنا في دار الإفتاء بحلب فتوى تجيز هذا الذي يقوم به الناس اليوم (رهن الدور والمحال) للانتفاع، واعتبرنا الصورة صورة رهن لكن المعنى: إما بيع منفعة بمنفعة، وإما بيع وفاء. (بعتك هذه الدار بكذا: المبلغ المدفوع على أن تبيعني الدار نفسها بعد سنتين (مثلاً) بنفس المبلغ)، وقد ذهب بعض الأئمة إلى تجويز مثل هذا العقد (قديماً)، وثمة تخريجات وفيرة مشروعة.

والمهم – يا أيها العقلاء – أن لا نكون أصحاب قوالب جاهزة نضعها حيث تصلح وحيث لا تصلح، والأمر كما يقال: لكل مقام مقال، ولكل نضال نصال، ولكل أجل كتاب، ولكل حال أفعال.

أحسن الله إليكم يا أيها الأعزاء، ولعل الأيام تسعفنا بلقاءات نتداول فيها مصطلحات أخرى جمدت وجمدنا عليها. فاللهم فقهنا في الدين وعلمنا التأويل.

حلب

12/5/2019

محمود عكام

التعليقات

شاركنا بتعليق