آخر تحديث: الإثنين 26 تشرين الأول 2020
عكام


لطيفة قرآنيــــة

   
لا أقسم بيوم القيامة * ولا أقسم بالنفس اللوامة - 2

لا أقسم بيوم القيامة * ولا أقسم بالنفس اللوامة - 2

تاريخ الإضافة: 2007/01/19 | عدد المشاهدات: 3592

أقسام النفس في القرآن الكريم:

لا زلنا مع قول الله عز وجل: ﴿لا أقسم بيوم القيامة* ولا أقسم بالنفس اللوامة* أيحسب الإنسان ألّن نجمع عظامه* بلى قادرين على أن نسوّي بنانه﴾.

أعود فأقول مختصراً آخر ما قلته في الأسبوع الماضي:

﴿لا أقسم بيوم القيامة﴾: (لا) هنا ليست زائدة، وإنما هي نافية، والمعنى: لا أقسم بيوم القيامة على أنه معظّم - لأن القسم يقتضي تعظيم المقسَم به - ولكن أقسم بيوم القيامة على أنّ يوم القيامة حق. ولا أقسم بالنفس اللوامة على أنها معظمة ولكن أقسم بها على أنها حق.

وقلنا: إن الفرق بين حق يوم القيامة وحق النفس اللوامة، أن يوم القيامة حدث مفصول عنك أيها الإنسان، وهو حق آت لا ريب فيه ﴿إن الساعة لآتية لا ريب فيها﴾. وأما النفس اللوامة فهي حركة متصلة بك أيها الإنسان، وهي حقيقة قائمة فيك، وهي بداية مرحلة اليقظة.

فيا أيها المنكر ليوم القيامة:

انظر نفسك اللوامة، فهذه النفس هي التي ستلومك بعد أن أنكرتَ يوم القيامة .. لأنَّ اللوم مستودَع فيك، وهي قضية إيجابية محمودة، لأنها بداية مرحلة اليقظة والإيمان بيوم القيامة.

و على ذكر النفس اللوامة... نحن نسمع من العلماء أن النفس تقسم إلى سبعة أقسام، لكني قسمتها من خلال قراءتي ودراستي للقرآن إلى خمسة أقسام هي:

النفس الأمّارة - النفس اللوامة - النفس المطمئنة - النفس الراضية - النفس المرضية.

1- النفس الأمارة: وهي التي تميل إلى المادة، فهي نفس مادية بحتة، ولذلك لا تميل إلا إلى الملذات المادية، وتأمر الإنسان دائماً لكي يكون في فلك المادة، ولا ترى لذة إلا في المادة، ولا تعرف شيئاً اسمه المعنى أو الروح. لذلك ورد في القرآن الكريم: ﴿إن النفس لأمَّارة بالسوء﴾، وهذه تقال للنفس حينما تبتعد وتهوي إلى مكان سحيق.

2- النفس اللوامة: وهي نفس متنوّرة، فهي تطيع وتعصي، لكنَّها تطمئن وتستقر بعد أن تطيع، وتلوم وتندم بعد أن تعصي. لذلك قلت عنها: تطيع وتعصي، تعترف وتنكر. لكنها بعد العصيان والإنكار تندم وتلوم ذاتها، فهي في بداية مرحلة اليقظة.

3- النفس المطمئنة: وهي التي غلب عليها فعل الطاعة باطمئنان، أي هي ترتاح إلى فعل الطاعة، وإن وقعت في المعصية أحياناً، ولكن غلبَ عليها الاطمئنان إلى الطاعة. حتى ولو لم تنفّذ الطاعة، لكنها تطمئن إلى الطاعة.

وهي كمثل الرجل الذي يُسأل عن الصلاة ؟ فيجيب : والله إن الصلاة لتشرح القلب. يقول هذا الكلام بصدق حتى وإن كان مقصراً في أداء الصلاة.

فهذا يطمئن إلى الطاعة ولا يطمئن إلى المعصية، ويغلب اطمئنانه إلى الطاعة وعدم اطمئنانه إلى المعصية على اطمئنانه إلى المعصية وعدم اطمئنانه إلى الطاعة. فنسمي هذه النفس بالنفس المطمئنة.

4- النفس الراضية: وهي التي ترضى بالأمر بدون إكراه، ولو قال لها مَن تحب أو مَن تعبد، لو قال لها: موتي فإنها ستموت. ولو قال لها: افعلي كذا، لما سألت: لِمْ. أي هي راضية. وعلة الرضا: القيام بما يأمر به هذا الذي تتوجَه إليه بالحب والعبادة والطاعة... إلخ

فالنفس الراضية هي التي تنفذ من غير أن تسأل فيما إذا كان هذا الذي تنفذه ينفعها أو لا ينفعها.

وأذكر هنا من باب المثال قول ابن الفارض:

لو قال تيهاً قف على جمر الغضا            لوقفتُ ممتثلاً ولم أتوقف

وأذكر قصة ذلك المجاهد القائد، وهو محمود الغزنوي لما قال لمرافقه الذي معه: اذهب أنت أيضاً وخذ غنيمتك كما يفعل بقية أفراد الجيش. فالتفت مرافقه وقال له: يا سيدي أنت غنيمتي. لقد رضي هذا الجندي من غير إكراه.

وكما يقول الشاعر:

عذب بما شئت غير البعد عنك تجد              أوفى محب بما يرضيك مبتهج

أي عذب بما تريد وأنا فرح، ولكن لا تعذبني بالبعد عنك.

أنا راض بالذي ترضونه. وهذا الكلام نتغنى به ولكن من يتحقق به قليلٌ قليل.

أو كما قال الشاعر:

وليت الذي بيني وبينك عامر                 وبيني وبين العالمين خراب

وكما قال المتنبي لسيف الدولة:

إن كان سركم ما قال حاسدنا                فما لجرح إذا أرضاكم ألم

5- النفس المرضية: كما في قوله تعالى: ﴿رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾.

ويقال من باب الاستئناس في هذا المقام أن نفس سيدنا محمَّد صلى الله عليه وآله وسلم مرضية. لماذا ؟

لأن ربه قال له: ﴿ولسوف يعطيك ربك فترضى﴾، بينما قال سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿وعجلت إليك ربِّ لترضى﴾ فنفسه عليه السلام نفس راضية.

فالنفس المرضية هي التي أخذت المقابل.

كيف نعرف أنها أخذت المقابل ؟ أنت أدرى بذاتك.

هل أنت مرضي عند أبيك ؟ أنت تعرف.

سأل رجل الحسن البصري فقال له: يا إمام كيف أعرف مكانتي عند الله ؟ فقال له: انظر مكانة الله عندك.

و لسيدنا علي كرم الله وجهه أبيات من الشعر يقول من جملتها:

والعين تعلم من عيني محدثها                إن كان من حزبها أو من أعاديها

عيناك قد دلّتا عيناي منك على                     أشياء لولاهما ما كنت تبديها

فأنت تعرف بينك وبين نفسك فيما إذا كنت مرضياً أم لا, وما كان الله ليُخطئك في معرفتك نفسك, حاشا لربي أن يضلك في معرفتك نفسك. بالعكس. هو يهديك لكي تتعرف على نفسك.

فكل واحد منا يعرف نفسه فيما إذا كانت : أمّارة أو لوّامة أو مطمئنة أو راضية أو مرضية.

نرجو الله عز وجل أن تكون نفسنا لوامة، لأن النفس اللوامة - كما قلنا - هي نفس متنورة وإيجابية، وهي بداية مرحلة اليقظة.

التعليقات

شاركنا بتعليق