آخر تحديث: الجمعة 01 مارس 2024
عكام


خطبة الجمعة

   
عمر بن عبد العزيز

عمر بن عبد العزيز

تاريخ الإضافة: 2007/11/09 | عدد المشاهدات: 2512

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

لقد قلت مرة على هذا المنبر بأن منطقية الفكرة تؤدي إلى القناعة بها، لكننا إن رأينا هذه الفكرة مُطبَّقة ومجسدة في رجال، فإنّ ذلك يؤدي إلى الاطمئنان إليها، ضعوا هذا في ذهنكم. فكرنا وإسلامنا منطقي، وقد جسده رجال سابقون، فطمئنوا من سلك درب الإسلام إلى هذا الإسلام وفكره. لقد كان هذا سابقاً، لكننا اليوم، بقي الإسلام ولا رجال، فالإسلام اليومَ يمكنه أن يُقنع، لكنّ فقدَ الرجال المجسدين لهذا الإسلام يفقد الاطمئنان من قبل من يريد أن يُسلم، لكن عدم وجود الرجال المجسدين للإسلام جعل الآخرين الذين يريدون أن يعتنقوا، أو أن يجددوا الإيمان في دواخلهم في حالة اضطراب. لو سألنا المسلمين اليوم عن المجسد والمطبق للإسلام لأجابك من أجابك بأن الصحابة الكرام طبَّقوا، وبأن الرجالات في التاريخ نفَّذوا، وهذا صحيح، ولكن هل تريدون بهذا الحديث أن تكفوا أنفسكم همَّ العمل لتقدموا الذين مضوا من رجالاتنا على أنهم هم الذين جسدوا في فترةٍ من فترات التاريخ الإسلام وانتهى الأمر ؟ هل تريدون أن تعتمدوا عليهم وأن تكونوا ممن يقول كان أبي ؟ وبالتالي نقعد اليوم ولا نعمل مكتفين بقولنا: كان أولئك، ورضي الله عن أولئك، ولقد فعل أولئك ؟ أتريدون هذا، فهذا لا يغني، أزيد على ذلك في أننا حتى الإشارة إلى هؤلاء أصبحت مفقودة، لأننا جهلنا سير الرجال، وما أظن أن شبابنا اليوم يتمتعون بمعرفة جيدة عن رجالاتهم، عن نبيهم أولاً، وعن شخصياتٍ أخرى تتابع وتتابعت عبر التاريخ، أقول وقعنا في خطأ مركب، اكتفينا بالإشارة إلى رجال سبقونا، وهذا في أحسن الأحوال، لكننا حتى في الإشارة إلى هؤلاء الذين نشير إليهم من أجل أن نُكفى بهم العمل، لم تعد إشارةَ عارفٍ، ولم تعد إشارة فاهم. أنت تقول كان المسلمون يفعلون، وكان فلان يفعل، فإذا ما سألتك عن فلان الذي تريد أن تكتفي بما فعل لتبقى أنت في طيّاتِ الكسل، حتى إذا سألتك عنه، كان الجواب من قبلك: لا أعلم، أو ربما تكلمت كلاماً ينمُّ عن جهلٍ بهذا الذي تشير إليه على أنه كان، وتذكره بالرضا والرحمة.

هل أصبحنا من أهل الاكتفاء ؟ وكان الأجدر أن نكون من أهل الاقتداء ؟ هل أصبحنا من أهل الاكتفاء بما عمل هؤلاء، وعدَلنا عن الاقتداء بما عمل وقال هؤلاء ؟ قلت هذا الذي قلت اليوم، لأنني كنت أقرأ البارحة سيرة رجلٍ في تاريخنا، هممت أن أجعله موضوع خطبتي اليوم، وهاأنذا أحقق هذا الهمّ، وأحول هذا الهم إلى شروع وتنفيذ، لكنني قلت قبل أن أكلم الناس عن هذه الشخصية، لابد من أمرين اثنين:

الأول: لابد من أن أقول لكم هذا الذي قلته لكم، حتى لا نسمع ما نسمع عن شخصية عظيمة في تاريخنا ونقوم بعد إذ نسمع لنقول للناس: الإسلام بخير، والإسلام سينتشر، لماذا ؟ لأن إنساناً في تاريخنا كان كذا وكذا، وهذا ما لا أريده منا.

والأمر الثاني: برمجت هذا الشخص، أي صنفت حياته لأجعلها في سطور قليلة، ولكن عنونت كل قسمٍ من أقسام حياته بعنوان، آملاً أن يكون هذا العنوان بما له من استشهادات من حياة هذا الرجل الكبير العظيم، أن يكون هذا العنوان بعضاً من منهاج نضعه نصب أعيننا، ولعلنا سنجد في هذا الشخص، أو في تلك الشخصية، ما يمكن أن يحقق لنا القدوة، والأسوة حتى، لأنها شخصية يمكن أن تكون مُتَطلعاً، ومحل قدوة وأسوة للحكام والموظفين والعمال والتجار، شخصية اتفق علماء التاريخ من المسلمين على أنه المجدد الأول، إنه عمر بن عبد العزيز رحمه الله ورضي الله عنه.

قرأت البارحة عبارةً مروية عن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه يقول فيها: "إذا رأيت الرجل يذكر عمر بن عبد العزيز، وينشر محاسنه فاعلم أن وراء ذلك خيراً". وقرأت عبارةً لـ محمد الباقر هذا الرجل الذي يشكل بؤرةً ضوئية لامعة ملمعة يقول: "إن عمر بن عبد العزيز يبعث يوم القيامة أمة وحده".

هذان القولان دفعاني من أجل أن يكون هذا الرجل موضوع خطبتي اليوم، وأكرر الاحترازات: ليس من أجل الاكتفاء ولكن من أجل الاقتداء، وليس من أجل الإشارة إليه ولكن من أجل أن نطّلع على مسيرته، ومن أجل أن نضع عناوين حياته مناهج، أو مفردات منهج لنا إذا كنا جادين في طلب حياة رائدة هانئة منتجة عالمة، تكون عتبةً مناسبة للآخرة التي نبتغي أن نكون فيها من الناجين من النار، ومن الفائزين بالجنة، إذا كنا جادّين في نشدان حضارة، وفي نشدان مجتمع يعيش على العطاء لا على الاستهلاك، على الخير لا على إرادة الشر، على الإنسانية الرحيمة لا على الإنسانية التي تخلت عن إنسانيتها فكانت قاسية متعنتة، في نشدان مجتمع يحب للإنسانية كلها أن تكون في سلام وأمان واطمئنان، لا مجتمعاً يسعى لنشر القلق والاضطراب فيه وفي غيره من المجتمعات، ومن ظن في لحظة من اللحظات أن الإسلام يقر إثارة الاضطراب والفوضى فإن ظنه لا شك فاسد، وإن ظنه غير صحيح، وإن ظنه خاطئ.

سترون من خلال عرض أقسام حياة هذا الرجل مع عناوين مرتضاة تأييداً وسنداً على ما قلت.

أيها المسؤولون: اسمعوا ما قاله لمّا وليَ الخلافة في ليلة، راح يصلي ويبكي. تسأله زوجته: ما يبكيك ؟ فقال لها: يا فاطمة، قد وُليتُ من أمر هذه الأمة ما وليت، فتذكرت الفقير الجائع والمريض الضائع والعاري المجهود واليتيم المكسور والمظلوم المقهور والأرملة الوحيدة والغريب والأسير والشيخ الكبير وذا العيال الكثير والمال القليل وأشباههم في البلاد، فعلمت أن ربي سيسألني عنهم يوم القيامة، وأن خصمي دونهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فخشيت ألا يثبت لي حجة عند الخصومة فرحمت نفسي فبكيت.

أنا لا أريد أن يعفي كل واحد منا مسؤوليته عن مثل هذا الكلام ليقول بينه وبين نفسه إن المعني بهذا هو الحاكم والحكام، صحيح أن الحاكم هو المعني الأول لكنكم أنتم معنيون أيضاً، أنت مَعني لأنك مسؤول عن أهلك، عن أسرتك، فهل في أسرتك غريب وأسير ومريض، أنت مَعني لأنك مسؤول عن جارك، أنت معني لأنك مسؤول عن أقربائك، فأنت غني وهم فقراء، وأنت صاحب مسؤولية ومنصب وهم لا جاه لهم ولا نفوذ، وأنت ضابط وحولك من ستسأل عنهم ويجب أن تكون قدوة لهم، وأنت وأنت فكلنا معنيون ولا أريد أن توجهوا هذا الكلام من خلالكم إلى الحاكم فحسب.

منهاج عمر رضي الله عنه: لما استلم الخلافة وقف فقال – وأنتم يجب أن تقولوا هذا الكلام، التاجر في متجره، والمدير في إدارته، والوزير في وزارته، والشيخ في جامعه، والمسؤول الطبي في المستشفى، والمسؤول التعليمي في مدرسته، والمسؤول في التعليم العالي في جامعته، وهكذا دواليك – وقف عمر بن عبد العزيز فقال: إنه لا كتابَ بعد القرآن، ولا نبي بعد محمد، ألا وإني لست بقاضٍ – أي لست بمشرِّع – ولكني منفذ، ولست بمبتدع ولكني متبع، ولست بخير من أحدكم لكني أثقلكم حملاً، وإن الرجل الهارب من الإمام الظالم ليس بظالم، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

وإن الرجل الهارب من الإمام الظالم ليس بظالم، وإن الفتاة الهاربة من الأب الظالم ليست بظالمة، وإن الولدَ الهارب من الأب الظالم ليس بظالم، وإن الأب الهارب من ولده الظالم ليس بظالم، وإن المستمع لشيخ أو محاضر أو مثقف ظالم إذا هرب فليس بظالم، فلا تلوموا أيها المُهرِّبون: لا تلوموا الهاربين ولكن لوموا أنفسكم، وإن الرجل الهارب من الإمام الظالم ليس بظالم، وإن الفتاة الهاربة من الأب الظالم ليست بظالمة، ودعوني أخصص هذا بالذكر لأنني عشت منذ فترة وإلى الآن حالات، هذه الحالات هربت فتيات كثيرات - نسبةً - من بيوتهن، وكان سبب الهرب أنهن ظُلمن، لذلك قلت للآباء: لسن بظالمات لأن الرجل الهارب من الإمام الظالم ليس بظالم، أنتم أيها الآباء أنتم الظالمون، وبالتالي يمكن أن تهرب الفتاة من أب ظالم وهي ليست بظالمة، وهكذا أيها المدير، أيها الوزير، أيها الطبيب، إن هرب منك إنسان إلى طبيب آخر أنت تقول عن الطبيب الآخر بأنه غير مسلم، فهذا المريض ليس بظالم بل إنك ظالم، والهارب من الظالم ليس بظالم، وقس على ذلك كل شؤون المجتمع.

العلاقة مع الرعية: أوصى عمر بن عبد العزيز واحداً من ولاته فقال له - وهذا أيضاً أوجهه ليس إلى الحاكم فحسب، ولكن إلى الأب وإلى الأم وإلى المدير وإلى الوزير وإلى المسؤول وإلى الشيخ وإلى المثقف - قال: كن لصغير المسلمين أباً، ولكبيرهم ابناً، وللمثيل منهم أخاً، وعاقب الناس - وليسمع من يتولى أمر المعاقبة من قاضٍ أو ساجن أو مسؤول أمني - وعاقب الناس بقدر ذنوبهم على قدر أجسامهم، ولا تضربن بغضبك سوطاً واحداً فتكون عند الله من العادين.

لا تضرب أحداً بمجرد أنه أغضبك إن لم يكن بعمله هذا الذي فعله قد أغضب ربه. وكتب إليه والي خراسان: إن أهل خراسان - وهذا ما يكتبه كثير من الولاة في البلاد العربية والإسلامية يستأذنون الحاكم من أجل أن يعيثوا في الضرب فساداً - إن أهل خراسان ساءت رعيتهم، وإنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي بذلك. حتى يضرب، حتى يفسد، حتى يقهر الناس، حتى يخيف الناس، فأجابه عمر: أما بعد فقد بلغني كتابك وقد كذبت، بل يصلح الناس العدل والحق، فابسط ذلك فيهم.

علاقته مع عماله وموظفيه: كتب إلى عدي بن أرطأة  واليه على البصرة رسالة، آمل من كل مسلم أن يقرأ تمام الرسالة، وكل الرسالة في سيرة عمر بن عبد العزيز، وها أنذا اقتطع منها أسطراً قليلة، قال: إن لديك عمالاً ظهرت خياناتهم وتسألني أن آذن لك في عذابهم، فإذا جاءك كتابي هذا، فإن قامت عليهم بينة فخذهم بذلك، وإلا لأن يلقوا الله بخياناتهم أحب إلي من أن ألقاه بدمائهم.

كتب إلى أحد ولاته قائلاً: يا هذا - وآمل من المسؤولين عن موظفين، أصحاب مكاتب، من المسؤولين على عمال، على مدن -كتب إلى أحد ولاته: لقد كثر شاكوك - المشتكين منك كثروا - وقل شاكروك، فإما عدلت وإما اعتزلت.

تنبيه وليس قرار تعسفي لا يدري هذا الذي عُزل لمَ عزل.

هذا الرجل كبير، وأنا أقول عن الرجل أنه كبير حينما يعفو عن الناس، حينما يتسع صدره للناس، حينما يحسن إلى من أساء إليه، ويعفو عمن ظلمه، ويصل من قطعه، إن فعل هذا إنسان فهو كبير بكل المقاييس الدينية والأخلاقية والبشرية والحيوانية، هذا الإنسان كبير، هذا الرجل عمر بن عبد العزيز كبير. دسَّ له مولاه السم، واكتشفه عمر فاستدعى هذا وقال له ما حملك على ما صنعت ؟ فقال ألف دينار أعطيتها من أجل أن أفعل هذا، فقال له عمر: هاتها، فأحضرها، فوضعها عمر في بيت مال المسلمين ثم قال: اذهب حيث لا يراك أحد فتهلك، لأني أخاف عليك أن يقتلك الذين يحبونني.

أوصى أولاده فقال لهم: - أيها الآباء هل من وصية منكم للأولاد، ولا أتكلم عن وصية الموت، فوصية الموت تحولت في مجتمعنا اليوم إلى أسلوب تراجيدي من أجل بعث الحزن والعاطفة المستهلكة، ولكن أريد وصية منكم بين الفينة والأخرى، أوصى أولاده فقال وهو الموظف الكبير: إما أن تستغنوا وأدخل النار، أو أن تفتقروا وأدخل الجنة، وأرى أن تفتقروا قوموا عصمكم الله ورزقكم رزقاً حلالاً طيباً. لأنكم إن استغنيتم بسبب سوء استخدام السلطة فسأدخل النار.

كانت الكلمة التي قالها قبيل وفاته: اللهم إن كنت تعلم أني أخاف شيئاً دون يوم القيامة فلا تؤمِّني.

قيل له كيف أمنْت ؟ قال: لولا الإسلام ما أمنا.

أيها الباحثون عن أمن وأمان، لا أكلم غير المسلمين: الأمان في الإسلام، وليس في إسلامكم هذا، ولكن في إسلام القرآن، وفي إسلام محمد، وفي إسلام عمر بن عبد العزيز وأمثالهم، فهيا إلى أمان وأمن عبر هذا الإسلام، وليس الإسلام الذي ندعيه، فإسلامنا اليوم ألا ترون أنه أصبح بعضاً من مصادر الخوف ومباعث الاضطراب ومنابع القلق، لولا الإسلام ما أمنا، ولكن أعني بالإسلام إسلام القرآن، إسلام محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

اللهم وفقنا لإسلامٍ كهذا الذي نتحدث عنه، ردنا إليه رداً جميلاً، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ: 9/11/2007

 

التعليقات

شاركنا بتعليق