آخر تحديث: السبت 04 ديسمبر 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
دلائل الإيمان - 1

دلائل الإيمان - 1

تاريخ الإضافة: 2010/08/27 | عدد المشاهدات: 2886

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

تذكرون أنني حدّثتكم عن الإيمان والإسلام، وعن أن الإيمان أهم من الإسلام، لأن الإسلام يمكن أن يكون المتمظهر به منافق، أما الإيمان فمحلُّه القلب. وتذكرون أنني حدثتكم عما نقوِّي به إيماننا، وتذكرون أيضاً حديثي إليكم عن ثمرات الإيمان، لكن السؤال الأهم في رأيي: كيف أعرف أني مؤمن ؟ وهل ثمة علامات من خلالها أحكم على نفسي، وأريد أن ننتبه إلى أنني أقول أحكم بها على نفسي، ولا أريد أن أحكم بالإيمان على الآخرين بشكل مفصّل وإنما أحكم على الناس بشكل مجمل، لكن الأهم أن أحكم على نفسي، ما العلامات التي إذا وجدتها في نفسي حكمت على نفسي بأني مؤمن ؟

إن سألتك هل أنت مؤمن ؟ فستقول نعم أنا مؤمن. سأقول لك: إن لكل شيء دليلاً، وإن لكل شيء برهاناً، و: (لو يُعطى الناس بدعواهم لادَّعى أقوامٌ دماء أقوامٍ وأموالهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر).  فما بينة قولك بأنك مؤمن ؟ ستقول أنا مؤمن، وأنا أومن ستقول بلسانك. يا أخي عندما تقول بلسانك أنا مؤمن وأنا أومن فليس هذا بدليل، لأن هذا يسمى ادِّعاء، أنت تدعي، أرني البرهان، أو بالأحرى أرِ نفسك البرهان والدليل على أنك مؤمن، ما الدليل على أني مؤمن ؟ أمورٌ سنتحدث عن بعضها هذا الأسبوع، وسنرجئ بعضها إلى الأسبوع القادم.

من دلائل وعلامات الإيمان:

أولاً: قبول ما جاء عن الله ورسوله والاستجابة لله ولرسوله والخضوع لله ولرسوله، شريطة أن نتأكد من أن هذا الذي جاءنا عن الله ورسوله جاءنا فعلاً عن الله ورسوله، لأننا اليوم نسمع من الشيوخ على التلفاز، ومن شيوخٍ عن المنابر أحاديث موضوعة وضعيفة ولم تثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويريدون منا أن نتبعها، نقول لهم: "ما هكذا تورد يا سعد الإبل"، قبول ما جاء عن الله ورسوله حقاً والاستجابة لله ولرسوله والخضوع لحكم الله ورسوله: ﴿لكن الراسخون في العلم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك﴾، ويقول الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم﴾ لله وللرسول بشرط التأكد من أن هذا من عند الرسول، "إن كان قالها فقد صدق"، لا تُسوّقوا يا أيها الدعاة، يا دعاة العصر الحديث، يا أيها الشيوخ: لا تسوّقوا في هذه الأمة ما لم يقل رسول الله على أن رسول الله قد قاله، لا تحدثوا الناس أشياء لا تمتُّ إلى الإسلام بصلة وأنتم تنسبوها إلى لإسلام بقوة وهي ليست من الإسلام: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)، وأنتم أيها الإخوة عليكم أن تُحاكموا هذا الذي يُقال. المشكلة أننا نحاكم كل ما يتعلق بدنيانا محاكمة قوية، حتى إذا ما جاء الأمر ليتعلق بديننا طمَسنا وأهملنا عقلنا وأعطينا عقلنا إجازة، وصدّقنا كل من يتكلم. قبول ما جاء عن الله ورسوله والاستجابة لله ورسوله والخضوع لله ورسوله: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾.

ثانياً: وجلُ القلوب والثبات على الحق، هل ينبض قلبك شوقاً وحباً وخشية لله عز وجل ؟ هل قلبك يتمتع بصلة لطيفة شفافة حسَّاسة مع الله عز وجل: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذُكر الله وَجِلَت قلوبهم﴾ سأضرب لك مثالاً: حدثني بربك عن حالة قلبك عندما يُذكر ولدك الذي تُحب وهو غائبٌ عنك، حدثني عن حالة قلبك عندما يُذكر محبوبك الذي غاب عنك والذي أضحيت تشتاقه وتراه في منامك، حدثني عن حالة قلبك: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذُكر الله وجلت قلوبهم﴾ نبضت نبض حب واشتياق وخشية وخوف ووصال. تذكر ربك كأنك تذكر مَن تُحب، بل يجب أن يكون ربك أحب إليك من كل شيء، من والدك ومن ولدك ومن الناس أجمعين، وجل القلوب والثبات على الحق، جاء في البخاري أن هرقل سأل أبا سفيان قبل غزوة بدر التي نعيش اليوم ذكراها، هذه الغزوة التي تسمى غزوة الفرقان، غزوة بدر الكبرى، سأل هرقل أبا سفيان، وأبو سفيان لم يكن يوم ذاك قد أسلم، قال هرقل: هل يرتد أحدٌ من أتباع محمد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه ؟ أما اليوم فإنا نعيش حالة ردة شئنا أم أبينا، لأننا لا نعيش من الإسلام إلا قشوره، نحن نعيش "كرنفال" الإسلام، "مهرجان" الإسلام، سلوا تراويحكم وسلوا صيامكم وسلوا طعامكم وشرابكم، هل يرتد أحدٌ من أتباع محمد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه ؟ قال أبو سفيان: لا. فقال هرقل: وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب. ثبتت القلوب واطمأنت واستقرت وسلّمت القلوب أمرها لربها وقالت بِذَرَّاتها إن لم يكن بك غضبٌ علي فلا أبالي. دليل ثانٍ فهل عندك هذا الدليل ؟

الدليل الثالث: العمل الصالح، هل تعمل صالحاً ؟ أنا لا أقول الصلاة، الصلاة جزء بسيط جداً من العمل الصالح بل الصلاة دليل الإسلام وليست دليل الإيمان، لأنك قد تصلي بلا وضوء وقد تصلي ولا تصلي وقد تصلي وأنت ساهٍ في صلاتك، العمل الصالح المفيد النافع لمجتمعك النافع لمن حولك القائم على الإخلاص لوجه الله عز وجل: ﴿لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً﴾، (لا يكن أحدكم إمعة يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت وإن أساؤوا أسأت) وقعت على حديث مروي حسّنه صاحب الفيض شرح الجامع الصغير للسيوطي يقول فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (الإيمان والعمل الصالح قرينان) إن كنت تدَّعي بأنك مؤمن فأين عملك الصالح ؟ أين تصدقك أيها الغني ؟ أين عفتك أيها الفقير؟ أين عملك المتقن أيها العامل ؟ أين طبّك المتقن أيها الطبيب ؟ أين وعيك التربوي أيها المدرس ؟ أين دفاعك الصادق عن بلدك أيها الجندي ؟ أين عدلك أيها الحاكم ؟ هذا هو العمل الصالح أرني عملاً صالحاً لأستدل منه ومن خلاله على أنك مؤمن.

الدليل الرابع: محبة المؤمنين، وهنا تكمن الكارثة هل تحب المؤمنين ؟ ربما قلت نعم أحب المؤمنين هل تحمل حقداً على جارك ؟ أنا أجيب عنكم أقول: نحن نحمل الأحقاد، نحن أمة أحقاد: ﴿ربنا لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا﴾ حالتنا اليوم: ربنا نشكو إليك ما في قلوبنا من غل على المؤمنين وننسى غير المؤمنين وننسى الملحدين وننسى المقاتلين المشركين، حقدنا نزرعه في قلوبنا على بعضنا، المدير يحقد على الموظف عنده والضابط يحقد على الجندي والجندي على الضابط والحاكم على الشعب والشعب على الحاكم والمريض على الطبيب والطبيب على المريض، أسواقنا مُلئت حقداً بيوتاتنا مُلئت حقداً السائق على السائق الآخر في طُرقنا أصبح الحقد منتشراً في مدارسنا شاع أمر الحقد والغل في مديرياتنا في دوائرنا حيثما كنا ولا تحدثوني عن غير ذلك، أنا لا أعمم لكن هذا ما نعيشه في الأغلب، أين نحن من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذا المجال كما جاء في البخاري: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) ؟ لستم بمؤمنين إن لم يحب أحدكم لأخيه ما يحب لنفسه، هل تحب لأخيك ما تحب لنفسك ؟ ما أظن، والدليل على ذلك إذا احتاجك أخوك وإذا تبينت أنت حاجته فلن تلبي له هذه الحاجة، ستصلي التراويح عشرين ركعة وستستمع إلى كلمة تُلقى في التراويح ربما طالت خمسين دقيقة لأن كل هذا بالمجان أما إذا احتاج أخوك إليك فستقف أمامه صامتاً ساكتاً لا تخرج كلمة من شفتيك ولا تخرج ولو ما يسمى بشيء من اللهفة من قلبك، وبعد ذلك نقول عن أنفسنا بأننا مؤمنون: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).

الدليل الخامس: الصدق والأمانة، ﴿قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون﴾... ﴿والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون﴾ أين الأمانة وأين العهد ؟ في كل يومٍ تبرم عهداً معي أنت وتقول السلام عليكم وهذا عهد فأين الوفاء بهذا العهد ؟ في كل ساعة تبرم عهداً مع ربك: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ فأين إعطاء هذا العهد حقه ؟ ﴿والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون﴾، ﴿إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله﴾.

الدليل السادس: الوفاء وعدم الغدر والخيانة، من غدر فليس بمؤمن ومن خان فليس بمؤمن، (الإيمان قيّد الفتك) هكذا يقول صلى الله عليه وآله وسلم والفتك هو الغدر والخيانة، لا يفتك المؤمن ولا يغدر المؤمن كما جاء في سنن أبي داود، وجاء في النسائي: (والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم) فهل نحن آمنون على دمائنا وأموالنا هنا هناك في كل مكان يُطلق عليه على أنه بلدٌ عربي أو بلد مسلم ؟ لا يأمن بعضنا من بعض، ولا نأمن على أنفسنا ولا على أموالنا في بلاد تُدعى إسلامية وفي بلاد تُدعى عربية، وفي بلاد لا تُسمى إسلامية ولا تُدعى عربية يعيش الناس أمناً على أنفسهم وأموالهم، لا أقول بالمطلق ولكن بنسبة أكبر مما في بلادنا التي فيها على سبيل المثال، في محافظة حلب أكثر من ثلاثة آلاف مسجد ريفاً ومدينة وعلى الرغم من هذا فإن عدم الأمان على النفس والمال من قبل بعضنا قائم، وإن الأمان من بعضنا على بعضنا مفقود، كل واحدٍ منا يخاف الآخر ويخشاه، كلٌ منا يخاف من كلنا، وكلٌ منا يُرعب كلنا، وكلنا يخوّف كلنا إلى غير ما يمكن أن يُقال.

ستة أدلة وست علامات من علامات الإيمان انظروها في أنفسكم، سأكمل هذه العلامات في الأسبوع القادم لأن الإيمان قضية أساسية، ولكن من خلال هذه العلامات التي طرحتها انظروا أنفسكم واحكموا بعد ذلك على أنفسكم إن كنتم مؤمنين أو غير مؤمنين فإن وجدتم أنفسكم مؤمنين فاحمدوا الله واشكروه وتابعوا وعمّقوا وازدادوا وإن وجدتم أنفسكم غير مؤمنين فاستعدوا وتحققوا وبادروا ولا تظنن بأن صلاة التراويح تكفي أو أن قراءة القرآن هكذا القراءة الهامدة الجامدة التي لا تحرّك شيئاً لا تظننها بأنها تكفي ولا تظنن بأن الامتناع عن الطعام والشراب رغم الحر يكفي فهذه كلها ليست دلائل إيمان، إنما دلائل الإيمان التي ذكرنا بعضها.

أسأل الله عز وجل أن يحيي الإيمان في قلوبنا، أن يجعلنا على مستوى هذا الإيمان، أن يردَّنا إلى دينه الحق رداً جميلاً، أن يهيئ من شبابنا من علمائنا من مسؤولينا من أطبائنا من تجارنا مؤمنين به حقاً، فإذا كانوا مؤمنين به حقاً فسيكونون أسياداً بجدارة والسيادة رعاية والسيادة سعة والسيادة رحمة والسيادة عطاء، اللهم وفقنا لذلك نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 27/8/2010

 

التعليقات

فارس

تاريخ :-1/11/30

ألف شكر على هذا الكلام الطيب شيخنا الكريم

شاركنا بتعليق