آخر تحديث: السبت 04 ديسمبر 2021
عكام


خطبة الجمعة

   
توضيحات واحترازات حول الإيمان -2

توضيحات واحترازات حول الإيمان -2

تاريخ الإضافة: 2010/09/24 | عدد المشاهدات: 2130

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

يا أيها الإخوة الذين تحبون أن توصفوا بالمؤمنين، ولا زلنا نتابع مسيرة الحديث عن الإيمان، ونؤكد ما قلناه في الأسابيع السالفة:

الإيمان بالنسبة لك أمرٌ أساس لا غنى لك عنه، هو أهم من الإسلام لأن الإسلام يحتمل من ينتسب إليه ولو كان منافقاً، أما المؤمن فلا يمكن أن يكون منافقاً، تحدثنا عن الإيمان وكيف نقويه، وتحدثنا عن ثمراته، وتحدثنا عن علاماته وبراهينه ودلائله، ونادينا وناجينا، ناجينا أنفسنا وناديناكم قلنا هلا محصنا هذا الإيمان الذي في دواخلنا، نادينا وناجينا وآمل أن نكون من الذين استجابوا للنداء والمناجاة، ذكرنا بعد الدلائل والبراهين في الأسبوع الفائت توضيحات أو احترازات أو مقامات سموها كما شئتم، قلنا في هذه التوضيحات:

أولاً: الإيمان أفضل الأعمال، ثانياً: أذية المؤمن خذلانٌ وبهتان، ثالثاً: الإيمان أساس الأعمال فلا عمل من غير إيمان، رابعاً: للإيمان حلاوة يذوقها ذاك الذي كان مؤمناً حقاً، خامساً: ليس الإيمان دعوى باللسان فيا أيها المؤمن تنبه وإياك أن تكون في غفلة عما تريد أن تكون متصفاً به ليس الإيمان دعوى باللسان. وها نحن اليوم وفي هذه الخطبة نتابع التوضيحات، وأكرر وأؤكد على ضرورة الانتباه لهذه القضية الهامة قضية الإيمان لأنها تتناول الدنيا والآخرة، بالإيمان نعيش في الدنيا مطمئنين وفي الآخرة فالحين، وبلا إيمان لا اطمئنان في الدنيا ولا فلاح في الآخرة، ومن الذي يرضى منكم أن تنزع عنه صفة الإيمان، نتابع الاحترازات فنقول:

سادساً: يُحكم على الآخرين بحسب الظاهر، أما على نفسك فعليك أن تتأكد من نفسك وأن تمحّص نفسك، أما ما يتعلق بالآخرين فاحكم عليهم بالظاهر: ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السَّلام لست مؤمناً﴾ لا يحق لك أن تقول لمن قال عن نفسه أنه مؤمن بأنه ليس مؤمناً، أما ما يحق لك أن تقول لنفسك باعتبارك تعرف نفسك أن تتأكد من نفسك فيما إذا كنت مؤمناً أم لا من خلال الدلائل والعلامات والبراهين التي ذكرناها: ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً﴾. هكذا قال الله عز وجل.

سابعاً: المؤمن صامد لا يتأثر بترغيب ولا ترهيب على حساب إيمانه، اقرؤوا القرآن الكريم، اقرؤوا قصة يوسف أيها الشباب، ولقد تحدثنا ملياً عبر سنين مرّت عن يوسف عليه الصلاة والسلام وصموده أمام الإغراء، إذا كنت صامداً لا تتأثر بترغيب ولا ترهيب، لا تتأثر بإغراء ولا بعقاب فتنزاح عن إيمانك فأنت مؤمن: ﴿وغلّقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي﴾ أيها الموظف أريدك صامداً أمام ما يُعرَض عليك من رشوة، أريدك أن تقول معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي، أيها الطالب في الجامعة، أيها الطالب في المدرسة، أيها التاجر أريدك أن تقف صامداً، أيها الطبيب أيها المهندس أيها الضابط أيها المسؤول أيها الشيخ أريدك أن تكون صامداً أمام الإغراء المادي والجنسي، إذا كان هذا الإغراء على حساب إيمانك، قل معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي، والمؤمن صامدٌ أمام الترغيب، ولقد كررنا على هذا المنبر كثيراً موقف سحرة فرعون عندما هدَّدهم فرعون بعد أن آمن هؤلاء السحرة بموسى وبرب موسى قال لهم مهدداً: ﴿آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمنَّ أينا أشد عذاباً وأبقى﴾ أجابوه: ﴿لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقضِ ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خيرٌ وأبقى﴾.

ثامناً: المؤمن مُعرَّض للبلاء، ﴿ألم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنَّا الذين من قبلهم فليعلمنَّ الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين﴾ أنت مُعرَّض للبلاء أنت مؤمن أنت مُمتَحن، سيمتحنك ربي أتصبر ؟ أتشكر ؟ سيمتحنك بالنعمة بالعطاء وبالمنع أتشكر إذ تُعطى وتصبر إذ يُمنع عنك ؟ إذن أنت مؤمن: (عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له) نُبتلى - ونسأل الله ألا نبتلى - لكننا إذا ابتلينا فعلينا أن نتحلى بالصبر في مواجهة البلاء فالمؤمن مُعرَّض للبلاء، ونحن اليوم لم نعد نستوعب إمكانية أن يتعرض المؤمن للبلاء، فإن أصاب المؤمن بلاءٌ عتب على ربه قائلاً: يا رب لمَ وأنا أصوم وأصلي ؟ لأنك تصوم وتصلي فأنت تمتحن، أنت تدرس خلال السنة لكن ثمة امتحان في آخر السنة فهل أنت ستنجح في هذا الامتحان بعد الدراسة ؟ الصيام والصلاة وقراءة القرآن والحج والعمرة، هذه بمثابة الدراسة أثناء العام ويأتي الابتلاء ليكون بمثابة الامتحان في نهاية العام فإن نجحت في الامتحان نجحت، وإلا فلا قيمة لهذه الدراسة التي درستها ولا قيمة لهذه العبادات التي قمت بها لأن الامتحان هو الفيصل.

تاسعاً: المؤمن صابر، والصبر هنا الثبات والقوة والمتابعة، الصبر ليس اتكالاً وليس خنوعاً، الصبر ليس استسلاماً، الصبر ثبات ومتابعة وقوة، اصبروا وصابروا وأنتم تعملون، لكننا فهمنا الصبر أحياناً على أنه استسلامٌ وقعودٌ وكسل: ﴿اصبروا وصابروا﴾ فهمناها اكسلوا واخنعوا، أي لا تعملوا، وهذه قضية خاطئة، المؤمن صابر ثابتٌ قويٌ ومتابع ومثابر.

لاستسهلنَّ الصعب أو لأدرك المنى            فما انقادت الآمال إلا لصابر

أيها الطالب عليك أن تصبر وأن تدرس وأن تتابع وأن تقوى، أنت أيها العامل أيها المسؤول يا كل أبناء الوطن، الوطن يحتاج إلى صبركم والصبر متابعة وثبات وقوة.

عاشراً: الإيمان كلٌ لا يتجزأ، ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض﴾ لا يجوز لك أن تأخذ ببعض دلائل الإيمان وأن تترك بعضها، دلائل الإيمان يجب أن تتمتع بها كلها حتى تسمى مؤمناً، المؤمن لا يجزّئ إيمانه، الإيمان كل وعلينا أن نستوعب هذا.

التوضيح الأخير: والكلمة الفاصلة والأمر الذي يجب أن يستقر في أذهاننا أتريدون الجنة ؟ أتطمحون بالجنة ؟ الجنة لا يدخلها إلا مؤمن: (لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا) كما روى ذلك الإمام مسلم، جنة من دون إيمان لا يمكن أن تكون، الإيمان يدخلكم الجنة التي تريدون، والإيمان ليس دعوى باللسان. نعود إلى ما ذكرناه في الأسبوع الفائت، الإيمان ليس دعوى باللسان، الإيمان حقيقة تعيشها أنت كما تعيش الآن طعامك وشرابك وأكلك، كما تعيش حياتك، كما تعيش وجودك المادي المحسوس، الإيمان حقيقة، (كيف أصبحتَ يا حارثة ؟ أصبحت مؤمناً بالله حقاً، إن لكل قولٍ حقيقة فما حقيقة قولك ؟ يا رسول الله أسهرت ليلي وأظمأت نهاري) في الليل هو ناسك، هو عابد، هو راهب، وفي النهار هو عامل في بناء الإنسان، هو عامل في خدمة الوطن والأرض، هو عامل من أجل أن يعيش كل الإنسان حراً كريماً محترماً مقدَراً، يقول له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (عرفتَ فالزم)، والنتيجة لما استشهد حارثة جاءت أمه تبكيه يا رسول الله حارثة وحيدي استشهد معك إن كان في الجنة صبرت وإن كان في النار ماذا أفعل ؟ يجيبها النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (يا أم حارثة أو جنة هي ! إنها جنات، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى).

(لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا) هذه توضيحات أردت أن تكون ختام الحديث عن الإيمان فيا إخوتي أعيدوا النظر في هذا الذي قلته عبر أسابيع مرت، وهذا الذي أنتم عليه، وقارنوا بين ما سمعتم وبين ما تسلكون وتعملون، فإن وجدتم قرباً بين السلوك وبين هذا الذي سمعتم فازدادوا قرباً، واشكروا الله، وإن وجدتم غير ذلك فاعدلوا عن طريقكم الذي يُجافي طريق الإيمان إلى طريق يوصلكم إلى الإيمان: ﴿وتوبوا إلى الله جميعاً أيه المؤمنون لعلكم تفلحون﴾.

اللهم إني أسالك إيماناً يباشر قلوبنا وجوارحنا، أسألك إيماناً يجعلنا نتحرك على الأرض وعلامات الإيمان بادية واضحة متجذرة فينا وصالحة تنفع الناس وتقدم لهم كل ما ينفعهم في الدنيا والآخرة، تب علينا يا مولانا، أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت بتاريخ 24/9/2010

التعليقات

شاركنا بتعليق