آخر تحديث: الإثنين 19 أغسطس 2019
عكام


خطبة الجمعة

   
صفات الفتى المنشود

صفات الفتى المنشود

تاريخ الإضافة: 2011/01/21 | عدد المشاهدات: 2348

أما بعد، فيا أيها الإخوة المؤمنون:

منذ يومين دعوتُ لشاب وقد طلب مني أن أدعو له، قلت له: زادك الله فتوة. فقال لي: ولمَ هذه الدعوة، وما الذي تعنيه هذه الكلمة، وهل دعوت بها لي هكذا أم أنك قصدت هذه الكلمة ؟ قلت له: أيها الشاب اسمع مني أولاً هاتين الآيتين في كتاب الله عن الفتيان والفتوة، الآية الأولى: ﴿قالوا سمعنا فتىً يذكرهم يقال له إبراهيم﴾، والآية الثانية: ﴿إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى﴾ دعوت لك بالفتوة من أجل أن تكون كإبراهيم الذي كان أمة، ودعوت لك بالفتوة من أجل أن تكون على غرار أولئك الذين شهد الله لهم بأنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى.

الفتوة يا صاحبي: هي الوسط في العمر والمتابعة في العمل، والسَّخاء في العطاء. الفتوة يا صاحبي هي كل تلك الصفات التي يتحلى بها الإنسان فيكون أقرب إلى ربه، وأقرب إلى الناس، وأقرب إلى الجماد وأقرب إلى الفطرة وأقرب إلى كل شيء في هذا الكون يسبح الله. لأن الكون يسبح الله بأحجاره وجماده ونباته ومخلوقاته، يسبح الله اضطراراً، فسبِّحه أيها الفتى اختياراً، فإذا لم تسبح ربك اختياراً كنتَ نَشازاً في لحنِ هذا الكون، تابعتُ الحديث معه وقلت: تعال فلتسمع، سأفصّل لك في الفتوة من خلال نظري إلى هذا الرجل العظيم، إلى السيد السَّند الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو الفتى على الإطلاق، فهو الفتى وأيُّ فتى ؟ ونعم الفتى، وحريٌ بنا أن نقتدي بهذا الفتى، تعال من أجل أن نتعرف وأن أعرِّفك بصفات الفتى من خلال هذا الرجل العظيم، من خلال محمد صلى الله عليه وآله وسلم، من خلال القدوة والأسوة، من خلال مَن تصلي عليه حينما يُذكر، من خلال هذا الذي ترفع رأسك وتقول:

يا هذه الدنيا أصيخي واشهدي         إنا بغير محمدٍ لا نقتدي

الفتوة يا صاحبي أولاً: عطاءٌ وسخاء، وقد روى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن رجلاً جاء فسأله، سأل النبي مالاً، فقال له النبي: (ما عندي ولكن ابتع عليّ)، فقال أحد الصحابة يا رسول الله ما كلفك ربك هذا، فتغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم وإذ بصحابي آخر يقول: أنفق رسولَ الله ولا تخش من ذي العرش إقلالاً. فتبسم النبي وقال: (بهذا أُمرت). عطاءٌ وسخاء.

ثانياً: عفوٌ وصَفاء، أنت تريد أن تكون فتى عليك أن تكون عفواً، أن تعفو عمَّن أساء إليك، وانظر هذا الرجل القدوة والأسوة يوم دخل مكة فاتحاً وقال كلمته المشهورة لأولئك الذين آذوه وأخرجوه، لأولئك الذين عذّبوه وشرّدوه: (ما تظنون أني فاعلٌ بكم ؟) وقف الجميع مطأطئ الرأس يقول مستعطفاً: أخٌ كريم وابن أخٍ كريم. فقال: (لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم، اذهبوا فأنتم الطلقاء).

هل تعفو أنت عمن ظلمك حتى تستحق أن تتصف بالفتوة ؟ هل تعفو أنت أيها الكبير ؟ هل تعفو أنت أيها المدير ؟ هل تعفو عمَّن أساء إليك أو عمن وجّه إليك - بالخطأ أو بالعمد - كلمة غير لائقة أم أنك تمعن في أن تعاقبه ؟ حدّث نفسك عن نفسك، وأولى الأحاديث حديث النفس عن النفس، عفوٌ وصفاء.

الصفة الثالثة للفتى المنشود: الشجاعة والإباء، هل أنت شجاع ؟ هل تقتحم المصاعب مستعيناً بالله عز وجل ؟ هل أنت ممن يجابه كل التحديات بقوة يستمدها من الذي قال لنبيه: ﴿فإنك بأعيننا﴾ ؟ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كما جاء في السير وفي سيرة ابن هشام يقول عنه واصفه وهو الإمام علي الفتى المشهود له بالفتوة: "كنا إذا حمي الوطيس واحمرّت الحدق اتقينا برسول الله فما يكون أحدٌ أقرب إلى العدو منه". هل أنت شجاع ؟ أم أنك تخاذلت عن أن تواجه مصاعب الحياة ؟ كم من مستسلم فينا لمصاعب في الحياة تقسو عليه ؟ لا شجاعة نتحلى بها في مواجهة هذه المصاعب، الطالب فينا أصبح جباناً لا يستطيع مواجهة الدراسة، والعامل فينا أضحى جباناً لا يواجه عمله بقوة واقتدار، والمسؤول فينا أضحى جباناً لا يواجه مسؤوليته بحزمٍ وشرفٍ وأمانة وعفة، هيا إلى الشجاعة في مواجهة الحياة

وتجلدي للشامتين أريهم        أني لريب الدهر لا أتضعضعُ

الصفة الرابعة للفتوة: الشكر والثناء، جاء في مسلم والحديث معروف أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في الليل ويصفُّ قدميه حتى تتورم تقول له السيدة عائشة: تفعل هذا وقد غُفر ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ الجواب: (أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً) هل تشكر من قدّم إليك معروفاً ؟ والذي قدّم إليك أكبر معروف هو من خلقك: ﴿إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاجٍ نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً﴾ فهل تشكر ربك وهل تشكر صاحب النعمة عليك ؟ هل إذا أسدى إليك أحدٌ معروفاً تشكره بلسانك وحالك وجنانك ؟ هل تشكر أباك ؟ هل تشكر أمك ؟ من أحق الناس بحسن صحابتي ؟ قال: (أمك)، قال: ثم مَنْ ؟ قال: (أمك)، قال: ثم مَنْ ؟ قال: (أمك)، قال: ثم مَنْ ؟ قال: (أبوك). كما في الصحيح، هل تشكر جارك على معروفه ؟ هل تشكر زوجتك على معروفها أم أنك تضع في أذنيك الوقر حين ترى منها معروفاً وتضع على أعينك غمامة حينما ترى معروفاً لكنك إن تبدَّى منها شيء من المكروه فتحت عينيك وأذنيك ونظرت إليها نظرة المشمئز، فهل هذه فتوة ؟ أن تعدَّ عيوب الآخرين وتنسى حسناتهم ؟ (اللهم إني أعوذ بك من جار سوء، إن رأى حسنة كتمها وإن رأي سيئة نشرها)، أصبحنا مجتمع نقمة ولم نعد مجتمع نعمة، مجتمع النقمة يتتبع العيوب وينشرها، مجتمع النعمة يحصي الحسنات ويشكر عليها، وبالشكر تدوم النعم: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾. نرى عبارات مأثورة مكتوبة "وبالشكر تدوم النعم" مستمدة من قول الله عز وجل: ﴿لئن شكرتم لأزيدنكم﴾ فهل نحن نشكر هذا الذي يُقدّم إلينا معروفاً، الفتى من يشكر الناس ويشكر الله ويشكر كل من يقدّم إليه معروفاً.

الصفة الخامسة للفتى: الثبات على الحق والوفاء، وهل ثمة قيمة من هذه الذي قالها سيد الكائنات يوم عُرض عليه ما عُرض من مفاتن الدنيا من أجل أن ينزاح عن مبدئه فقال الكلمة التي نتغنى بها باستمرار: (والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه) من منكم يقولها ؟ وليتصور كلٌ منا نفسه والمفاتن تعرض عليه من أجل أن ينزاح عن مبدئه، من أجل أن يخون وطنه، من أجل أن يخون معرفته الصحيحة، من منا يقف هذا الموقف أو نصفه أو ربعه ؟ هل أنت ثابتٌ أنت على الحق أيها الموظف ؟! تتعرض لما يسمى الرشوة هل تقف وتثبت لتقول لا إنه ربي أحسن مثواي ؟ هل تقف أيها الشاب أمام الشيطان لتجابهه وهو يريدك منزاحاً عن دينك وعن أخلاقك وعن مبدئك وعن محبتك وطنك، هل تقف لتقول: لا والله، لو وضعوا المال، لا نستطيع أن نقول مثل هذا القول ولكنا نتغنى به من أجل أن نتبناه فالتغني طريق التبني، نتغنى بهذه الأقوال حتى نتبناها، أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب، هكذا وقف سيدي رسول الله في غزوة حنين بعدما ذهب من ذهب وعدل من عدل وفر من فر وقف على بغلته البيضاء وهو يقول: (أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب). ثابتٌ ووفي لمبدأي وديني وبلدي ووطني وأخلاقي وقيمي، هل أنت ثابتٌ على محبتك لبلدك لوطنك ؟ هل أنت ثابتٌ على انتسابك للقيم التي تؤمن بها أم أننا أصبحنا متسيبين نتمايل حيثما مالت المنفعة الشخصية والمصلحة القريبة ؟ هل نحن على استعداد من أجل أن نبقى متماسكين أمام كل المغريات التي نتعرض لها أم أننا قررنا في أنفسنا أن نكون تبعاً لأهوائنا ؟

عدت لأهوائك عبداً وكم      تستعبد الأهواء أربابها

الفتوة عطاءٌ وسخاء، عفوٌ وصفاء، شجاعة وإباء، ثباتٌ ووفاء، شكرٌ وثناء، احفظوا هذه المقومات للفتوة وانظروا أنفسكم هل تتمتعون بها إذاً فأنتم فتيان حتى ولو كنتم من حيث السنّ كهولاً أو شيوخاً، فالفتوة ليست مرحلة عمرية لكنها مرحلة فكرية عقلية روحية مرحلة أخلاقية فهل يلتزم مجتمعنا بالفتوة ؟ آمل أن نكون كذلك، اللهم ردنا إلى فتوتنا رداً جميلاً، إلى فتوتنا المستمدة من ديننا من قرآننا من نبينا عليه الصلاة والسلام رداً جميلاً، نعم من يسأل أنت ونعم النصير أنت أقول هذا القول وأستغفر الله.

ألقيت في الجامع الأموي الكبير بحلب بتاريخ 21/1/2011

التعليقات

شاركنا بتعليق